افتتاحيات

الهند والبرازيل والكُلفة البشرية لتهميش العلم

الحكومات التي تتجاهل التوصيات العلمية أو تُماطِل في اتخاذ إجراءات تستند إلى تلك التوصيات تُهدِر فرصة ذهبية للسيطرة على الجائحة.

  • Published online:
أحد مراكز رعاية المصابين بمرض "كوفيد-19" في العاصمة الهندية نيودلهي، وتُسجِّل الهند حاليًا نحو 3500 حالة وفاة.

أحد مراكز رعاية المصابين بمرض "كوفيد-19" في العاصمة الهندية نيودلهي، وتُسجِّل الهند حاليًا نحو 3500 حالة وفاة. 

Credit: Imtiyaz Khan/Anadolu Agency/Getty

في نهاية شهر إبريل الماضي، تجاوزت حصيلةُ الوفيات الناجمة عن مرض "كوفيد-19" في البرازيل 400 ألف. وفي الهند، تُودي الجائحة يوميًا بحياة قرابة 3500 شخص، فترتب على ذلك استجابة دولية تمثَّلت في تلقي الهند عروضًا بتوفير الأكسجين، وأجهزة التنفس الصناعي، وأَسرَّة العناية المركزة، وغير ذلك كثير. يفصل بين هذين البلدين آلاف الأميال، لكن الأزمات التي يعانيها كلا البلدين منشؤها إخفاقاتٌ سياسية؛ إذ إن قادة الدولتين إما فشلوا أو تباطؤوا في الاستجابة لتوصيات الباحثين، الأمر الذي تسبَّب في خسائر مهولة في الأرواح.

تَمثَّل الإخفاق الأكبر لدى البرازيل في إصرار رئيسها، جايير بولسونارو، على توصيفه المغلوط لمرض "كوفيد-19" بأنه مجرد "إنفلونزا خفيفة"، ورفضه اتباع التوصيات العلمية في وضع السياسات، مثل فرض ارتداء الكمامات، والحد من التواصل المباشر بين الأشخاص.

ولم يتصرف قادة الهند بالحزم المطلوب. فسمحوا، على سبيل المثال، بالتجمعات الكبيرة، بل وشجعوا عليها في بعض الأحيان. ليس هذا الوضع بجديد؛ فكما شهدنا أثناء إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، فإن تجاهُل الأدلة العلمية التي تشير إلى ضرورة الالتزام بالتباعد الاجتماعي من أجل مكافحة "كوفيد-19" كان له عواقب كارثية؛ إذ سجلت الولايات المتحدة أكثر من 570 ألف حالة وفاة بسبب المرض، وهي أكبر حصيلة وفيات جَرَّاء "كوفيد-19" سجلتها دولة على مستوى العالم حتى الآن.

وكما ذكرت دورية Nature، في مقال منشور بالعدد الأخير، في قسم "رؤية كونية"، فإن قادة الهند قد شعروا بالرضا عن أنفسهم، وأصابهم التراخي، بعد الانخفاض البطيء في المعدل اليومي لحالات الإصابة بمرض "كوفيد-19"، التي وصلت إلى نحو 12 ألف حالة في اليوم في بداية مارس، بعد أن كانت قد بلغت ذروتها عند 96 ألف حالة إصابة يومية في سبتمبر الماضي. خلال تلك الفترة، فتحت الشركات أبوابها من جديد. وأعقب ذلك تجمعاتٌ كبيرة، كان من بينها احتجاجات مُناهِضة لفرض قوانين زراعية جديدة ومثيرة للجدل، إذ احتشد آلاف المزارعين عند حدود نيودلهي. كما تواصلت المسيرات الانتخابية والتجمعات الدينية خلال شهري مارس وأبريل.

صعوبات تتعلق بالبيانات

ثَمة مشكلات أخرى تواجهها الهند، فمثلًا يجد العلماء صعوبة في الوصول إلى البيانات اللازمة لإجراء أبحاث "كوفيد-19"، وهذا بدوره يعُوقهم عن إمداد الحكومة بتنبؤات دقيقة، وتوصيات مدعومة بأدلة علمية. ومع ذلك، وحتى في ظل غياب مثل هذه البيانات، لم يتوانَ الباحثون عن تحذير الحكومة في سبتمبر الماضي من عواقب التراخي في القيود المفروضة بسبب "كوفيد-19". (Lancet 396, 867; 2020). كما حذَّروا مؤخرًا، في بداية شهر أبريل، من أن الموجة الثانية قد تشهد وصول معدل حالات الإصابة بمرض "كوفيد-19" إلى 100 ألف في اليوم الواحد بحلول نهاية الشهر.

في التاسع والعشرين من أبريل، بعث أكثر من 700 عالِم برسالة خطية إلى رئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، ناشدوه فيها تحسين سُبل الوصول إلى بيانات مثل: نتائج اختبارات "كوفيد-19"، والنتائج الإكلينيكية للمرضى في المستشفيات (انظر: go.nature.com/3vc1svt)، فضلًا عن تطوير برنامج مراقبة جينية واسع النطاق بما يكفي لرصد السلالات الجديدة المتحورة عن الفيروس (انظر: go.nature.com/3vd7fak). وفي اليوم التالي، أقَرَّ كريشناسوامي فيجاي راجهافان، كبير المستشارين العلميين لدى الحكومة، بالمخاوف التي أعرب عنها العلماء، وأوضح السُبل التي يمكن أن يتبعها الباحثون غير الحكوميين للحصول على تلك البيانات. ومن جانبهم، رحَّب المُوقِّعون على الرسالة بهذه الخطوة، إلا أنهم أخبروا دورية Nature بأن بعض جوانب عملية الوصول إلى البيانات لا تزال غير واضحة.

ما كان ينبغي للموقف أن يتطور بحيث يجد العلماء أنفسهم مضطرين للتوقيع على رسالة احتجاجية. فقد عَرَّض هؤلاء الموقِّعون أنفسهم للخطر بالكشف عن هوياتهم؛ ففي السابق، لم يلق الباحثون الذين كانوا ينسقون فيما بينهم للتشكيك في سياسات حكومة مودي استجابةً جيدة من جانب الحكومة. فقبل عامين، لم يرُق للمسؤولين تلقي رسالة خطية بعث بها إليهم أكثر من 100 خبير اقتصادي وإحصائي يحثون فيها الحكومة على وقف التدخل السياسي في الإحصاءات الرسمية. وكانت الرسالة قد كُتبت في أعقاب استقالات تقدَّم بها مسؤولون كبار من لجنة الإحصاء الوطنية الهندية؛ ردًا ما اعتبروه تدخلًا في توقيت التصريح بالاطلاع على البيانات الحكومية.

إن توتر العلاقات بين المجتمعات البحثية وحكوماتها الوطنية ليس أمرًا جيدًا على الإطلاق. لكن الأمر قد تكون له عواقب مميتة في خضم جائحةٍ، حيث تفرض الضرورة حينها اتخاذ قرارات سريعة تستند إلى الأدلة العلمية. وهكذا، أدى تهميش العلماء من جانب حكومتي البرازيل والهند إلى إهدار فرصة ذهبية للحد من الخسائر في الأرواح.

ففي خضم الجوائح، نتطلع جميعًا إلى نجاح حكوماتنا. غير أنه يصعب اتخاذ قرارات جيدة وسريعة في الوقت نفسه، ولا سيما في ظل نقص المعلومات. ولهذا السبب، يجب أن تكون البيانات الصحية دقيقة ومتاحة للباحثين والأطباء الإكلينيكيين؛ فحجْبُ هذه البيانات أو حظر الاطلاع عليها قد يؤدي إلى إطالة أمد الجائحة.