أخبار

طوفان الإصابات بمرض "كوفيد-19" في الهند يُصيب العلماء بالذهول

ينتشر هذا الفيروس في الهند بوتيرةٍ أسرع من أي وقتٍ مضى، على الرغم من أن معدلات الإصابة في المدن الكبرى كانت قد شهدت ارتفاعًا في السابق، وكان يُفترض أن يكون سكّانها قد اكتسبوا شيئًا من الحماية ضده.

سمريتي مالاباتي
  • Published online:
عمالٌ مهاجرون يصطفون في طوابير بإحدى محطات السكك الحديدية استعدادًا لمغادرة مدينة مومباي الهندية، قبل الإغلاق الذي فُرِض في الرابع عشر من أبريل الماضي.

عمالٌ مهاجرون يصطفون في طوابير بإحدى محطات السكك الحديدية استعدادًا لمغادرة مدينة مومباي الهندية، قبل الإغلاق الذي فُرِض في الرابع عشر من أبريل الماضي.

Credit: Getty

تكتسح الجائحةُ الهند في الوقت الحاليّ بمعدلات أذهلت العلماء. فقد أخذ عدد الحالات اليومية منحىً انفجاريًا منذ بداية شهر مارس الماضي، وأعلنت الحكومة إصابة 352,991 شخص في الخامس والعشرين من أبريل. وأدى تزايد أعداد الإصابات إلى ارتفاع أعداد الإصابات اليومية على مستوى العالم إلى 899,755 في الأسبوع الماضي، محطِّمة بذلك الرقم القياسي الذي سُجِّل يناير الماضي.

وقبل أشهرٍ قليلةٍ فحسب، كانت بيانات الأجسام المضادة قد أشارت إلى إصابة كثير من الناس فعليًا بالفيروس في مدنٍ مثل دلهي وتشيناي، الأمر الذي جعل بعض الباحثين يظنون أن المرحلة الأسوأ في الجائحة قد انحسرت في البلاد.

في الوقت الحاليّ، يحاول الباحثون في الهند تحديد أسباب هذا الارتفاع المفاجئ وغير المسبوق، الذي قد يكون نتاج اقترانٍ مؤسف لعدة عوامل من بينها ظهور سلالاتٍ متحوّرة شديدة العدوى، وزيادة التفاعلات الاجتماعية غير المقيَّدة، وانخفاض معدلات توزيع اللقاحات. فقد يكون اكتشاف الأسباب مفيدًا للحكومات التي تحاول جاهدةً الحدَّ من موجاتٍ جديدةٍ مماثلة في أنحاء العالم أو منعها.

وتواجه بلدانٌ أوروبية مثل فرنسا وألمانيا، في الوقت الحاليّ، نوبات تفشٍ كبيرة نسبةً إلى حجميهما، وتُعلن بلدانٌ أخرى مثل البرازيل والولايات المتحدة الأمريكية معدلات إصابة يومية تتراوح بين 60 إلى 70 ألف إصابة. غير أن إجمالي أعداد الإصابات اليومية التي تُسجَّل في الهند الآن هو الأعلى على مستوى العالم، إذ حطَّمت أعداد الحالات الرقم القياسي البالغ 300 ألف إصابة، والذي كان قد سُجِّل في الولايات المتحدة في الثاني من يناير.

وكانت أعداد الحالات المصابة بمرض "كوفيد-19" في الهند قد بدأت الانخفاض في سبتمبر الماضي، بعد وصول عددها إلى نحو 100 ألف إصابة يومية، لكنها عاودت الارتفاع مجددًا في مارس من العام الحالي، لتتجاوز ذروة الإصابات الحالية ضعف العدد المسجَّل في الموجة السابقة (انظر "تزايد الحالات المصابة بمرض "كوفيد-19").

زارير أودواديا، وهو باحثٌ وطبيب سريري مُتخصصٌ في طب الرئة بمستشفى بي دي هيندوجا ومركز الأبحاث الطبية في مومباي، تحدَّث إلى دوريةNature  في أثناء استراحةٍ له من عمله في وحدة العناية المُركَّزة، وقال: "الموجةُ الثانية جعلت الموجة السابقة تبدو مثل تموُّجٍ طفيفٍ في مغطس". يصف أودواديا الوضع في المستشفيات بأنه "مرعب"، بسبب النقص الحاد في الأسرَّة والعلاجات.

ويشاركه الرأي شاهد جميل، اختصاصي علم الفيروسات بجامعة أشوكا في سونيبات، إذ يصف شدّة الموجة الحالية بالمروِّعة، ويقول: "كنت أتوقع حدوث موجاتٍ جديدة من الوباء، إلا أنني لم أرَ في أسوأ أحلامي أن تكون بهذه القوة".

وفقًا لتقديرات الدراسات التي أجرت فحوصاتٍ في شهري ديسمبر ويناير الماضيين بهدف رصد الأجسام المضادة لفيروس "سارس-كوف-2" المُسبِّب لمرض "كوفيد-19" -والتي إن وُجدت فإنها تدلّ على تعرّض الشخص لإصابة سابقة- تبيَّن أن أكثر من 50% من السكان كانوا قد أُصيبوا فعليًا بالفيروس، الأمر الذي يُفترض أن يكون قد منحهم بعض المناعة على حد قول مانجو مورهيكار، اختصاصي علم الأوبئة في المعهد الوطني لعلم الأوبئة في تشيناي، والمُشرف على هذا الجهد البحثي. كما أشارت الدراسات إلى إصابة 271 مليون شخص، وهو ما يعادل نحو خُمس سكان الهند البالغ عددهم 1.4 مليار نسمة (M. V. Murhekar et al. Preprint at SSRN http://doi.org/f73dl; 2021).

دفعت هذه الأرقام بعض الباحثين إلى التفاؤل، إذ توقعوا أن تكون المرحلة التالية من الجائحة أخف وطأة، على حد قول رامانان لاكشمي نارايان، اختصاصية علم الأوبئة بجامعة برينستون في ولاية نيوجيرسي، والمقيمة في نيودلهي. لكن الموجة الأخيرة دفعتهم إلى التأني وإعادة النظر.

قد يكون أحد أسباب ذلك أن الموجة الأولى ضربت المناطق الحضرية الفقيرة بشكلٍ أساسي. فربما لم تتمكن دراسات الأجسام المضادة من تمثيل السكان بأكملهم، وربما تكون قد بالغت أيضًا في تقدير التعرُّض لدى المجموعات الأخرى على حد قوله.

ويتفق مع هذا الرأي جاجانديب كانج، اختصاصي علم الفيروسات بكلية كريستشيان ميديكال كوليدج في مدينة فيلور الهندية، إذ يُشير إلى أن بيانات الأجسام المضادة لم تعكس الانتشار غير المتكافئ للفيروس، ويتابع: "ربما يكون الفيروس قد بدأ الانتقال إلى مجموعاتٍ سكانية كانت قادرةً في السابق على حماية أنفسها". وهذه المجموعات السكانية تشمل التجمعات الحضرية الأكثر ثراءً، والتي انعزل فيها الناس خلال الموجة الأولى، إلا أنهم كانوا قد عاودوا الاختلاط مجددًا بحلول الموجة الثانية.                                                                                                                                                                                                                                                                                    

كبر الصورة

Source: Our World in Data

سلالاتٌ متحورة سريعة الانتشار؟

يقول بعض الباحثين، مع ذلك، إن سرعة التفشي الحاليّ ونطاقه يرجِّحان عاملًا جديدًا: ظهور سلالات متحورة من الفيروس.

لاحظ أودواديا، وفقًا لروايته الشخصية، إصابة عائلات بأكملها بالعدوى، على العكس من الموجة الأولى من مرض "كوفيد-19"، عندما كانت تأتي نتيجة الفحص إيجابية على مستوى الأفراد وليس العائلات الكاملة. ويعزو هذا إلى ظهور سلالات متحورة أكثر قدرة على نشر العدوى. يقول أودواديا: "لو أن هناك فردًا واحدًا مصابًا في العائلة، فأنا أؤكد لك أن العائلة بأكملها مصابة".

وتُظهر بيانات الرصد الجينومي أن السلالة المتحورة B.1.1.7 التي اكتُشفت للمرة الأولى في المملكة المتحدة قد أصبحت السلالة المتحورة السائدة للفيروس في ولاية البنجاب الهندية.

ثم هناك سلالة متحورة أخرى جديدة ربما تكون مصدر قلق، اكتُشفت للمرة الأولى في الهند أواخر العام الماضي وأُطلق عليها B.1.617، وقد أصبحت السلالة السائدة في ولاية ماهاراشترا. وقد جذبت سلالة B.1.617 الانتباه بسبب احتوائها على طفرتين مرتبطتين بزيادة القدرة على الانتشار ونقل العدوى وكذلك القدرة على الإفلات من الحماية المناعية. وقد اكتُشفت السلالة في 20 بلدًا آخر حتى الآن. ويقول جميل إن المختبرات الهندية تحاول جاهدةٍ استزراع هذه السلالة من أجل اختبار سرعة تكاثرها، وما إذا كان الدم المأخوذ من أفرادٍ تلقوا اللقاح قادرًا على التصدي للعدوى أم لا.

ويضيف أن الوضع الحاليّ في الهند يبدو مشابهًا للوضع الذي عاشته البرازيل أواخر العام الماضي عندما تزامن الارتفاع الجديد في أعداد الإصابات بمرض "كوفيد-19" مع انتشار سلالة متحورة تتسم بالقدرة الكبيرة على نقل العدوى عُرفت باسم P.1، والتي ربما كانت قادرةً على مراوغة المناعة حينذاك.

لكن هناك آخرين يُشيرون إلى أن بيانات التسلسل القائمة لا تزال غير كافية لطرح ادِّعاءاتٍ كهذه. يقول ديفيد روبرتسون، اختصاصي علم الفيروسات بجامعة جلاسجو في المملكة المتحدة: "بما أن أعداد التسلسلات الجينية المتوافرة لا تزال منخفضة، قياسًا على عدد حالات الإصابة في الهند، فمن المؤكد أننا بحاجة إلى توخي الحذر".

ويوضّح بعضهم أن السلالات المتحورة الجديدة لا تُفسِّر سوى نسبةٍ صغيرة من الارتفاع الكبير المفاجئ في حالات الإصابة بالعدوى. ففي كثيرٍ من المناطق التي تتعرَّض حاليًا لنوبات تفشٍ للفيروس، لا تُشكِّل تلك السلالات المتحورة أغلب الجينومات التي يجري تعيين تسلسلاتها، حسبما يقول أنوراج أجراوال، مدير معهد علم الجينوم والبيولوجيا التكاملية التابع لمجلس الأبحاث العلمية والصناعية (CSIR) في نيودلهي.

  

الاختلاط والحركة والسفر

ويعتقد سريناث ريدي، اختصاصي علم الأوبئة ورئيس مؤسسة الصحة العامة في نيودلهي، أنَّ تخلي الناس عن حذرهم كان له تأثيرٌ كبير، إذ يقول: "لقد عاودتْ الجائحة الظهور في مجتمع مفتوح بالكامل، يختلط الناس فيه ويتحرَّكون ويسافرون".

فمع تراجع أعداد الإصابات بعد الذروة التي بلغتها سبتمبر الماضي، "شاعت رواية تُفيد بأن الهند هزمت "كوفيد-19"، على حد قول لاكشمي نارايان. ومن ثم احتشدت مجموعاتٌ كبيرة من الناس في الأشهر الأخيرة داخل الأبنية وخارجها في تجمعات سياسية واحتفالات دينية وحفلات زفاف.

بل إن حملة التطعيم ذاتها في الهند ربما تكون قد أسهمت في ارتفاعٍ طفيف في أعداد الحالات، إذ كانت قد دفعت الناس إلى التخفيف من تدابير الصحة العامة. تقول لاكشمي: "لقد أدى وصول اللقاح إلى جعل الجميع في حالة استرخاء".

جدير بالذكر أن الهند أعطت أكثر من 140 مليون جرعة، معظمها من النسخة الهندية من لقاح "أوكسفورد-أسترازينيكا" المُسماة "كوفيشيلد". غير أن تلك الجرعات لم تغطِّ سوى نسبةٍ تقل عن 10% من سكان الهند، ويجب التسريع من وتيرة التطعيمات في أكثر المناطق تأثرًا بالجائحة، على حد قول كانج.

ويقول أودواديا إنه من المحتمل أن يكون بعض الناس قد أُصيبوا بالعدوى في أثناء تلقيهم اللقاحات، بسبب وجود الحشود في أماكن الانتظار في العيادات التي ينتظر فيها المرضى أيضًا إلى أن يحين وقت إجراء الفحص اللازم لهم.