افتتاحيات

على الباحثين الأفارقة اتخاذ خطوة نحو تصنيع اللقاحات محليًا

ليس من العدل أن تستورد أفريقيا 99% من احتياجاتها من اللقاحات. وقد  أطلقت جائحة «كوفيد-19» حركة من أجل إحداث تغيير، ويُعوَّل على الباحثين للعب دورٍ حيويٍ في هذا الصدد.

  • Published online:

يُفترض ألا تُضطر قارةٌ يبلغ تعدادُها السكاني 1.2 مليار نسمة إلى استيراد 99% من اللقاحات التي تحتاج إليها، ولكن هذا هو الواقع المأساوي في قارة أفريقيا. لذا، أصبح تعويض النقص في القدرة التصنيعية المحلية أولويةً قصوى لدى صانعي السياسات في تلك القارة. ففي الأسبوع الماضي، انضم 40 ألف شخص، بما فيهم باحثين ورواد أعمال وأعضاءً بمنظمات المجتمع المدني إلى مجموعة من رؤساء الدول في قمةٍ عُقدت عبر الإنترنت لمدة يومين، بهدف استعراض آخر التطورات واستحداث فكرٍ جديد يُعنى بكيفية بدء تصنيع اللقاحات في قارة أفريقيا. 

على مدار فترةٍ تزيد على قرنٍ من الزمان، تركَّزت أنشطة البحث والتطوير والتصنيع الخاصة باللقاحات في أوربا والهند والولايات المتحدة. وفي خضم جائحةٍ شديدة الشراسة، قد يُضطر سكان البلدان ذات الدخول المنخفضة والمتوسطة إلى الانتظار حتى نهاية عام 2023 قبل أن يتمكَّنوا من تلقي اللقاح ضد مرض "كوفيد-19". وهذا ببساطة أمر غير مقبول.

من أجل ذلك، تعهَّدت الوفود التي شاركت في القمة الافتراضية التي عُقدت الأسبوع الماضي بالإسراع في وضع الخطط الرامية إلى تعزيز القدرة التصنيعية والبحثية والرقابية فيما يخص اللقاحات في القارة السمراء. فقد أيَّد الحاضرون مقترحًا يهدف إلى التصنيع المحليّ لـ 60% من اللقاحات التي تُستخدم بشكلٍ روتيني في أفريقيا، وذلك في غضون 20 عامًا. وعليه، أُبرمت اتفاقيات بهذا الشأن مع منظماتٍ دولية تُمثِّل شركاتٍ وهيئاتٍ مانحة. غير أن تحقيق هذا الهدف سيتطلب إجراء بعض المحادثات الجِادة في الأسابيع والأشهر المقبلة. 

ويجب أن تتركَّز إحدى تلك المحادثات على الحاجة إلى الاستثمار المُستدام وطويل الأجل لا سيّما في مجال البحث والتطوير المحلي، إذ سيلعب هذا المجال دورًا محوريًا في تأسيس صناعة اللقاحات في القارة. ورغم الجهود المضنية التي بذلها الباحثون أمثال الراحل كاليستوس جوما -مؤسس المركز الأفريقي للدراسات التكنولوجية في نيروبي- عارض معظم الحكومات الأفريقية، لأسبابٍ شتى، الفكرة القائلة بإن مجال البحث والتطوير المحلي له أهميته على المدى الطويل. وكان لا بدّ أن تندلع جائحة حتى يقتنع القادة الأفريقيون بضرورة زيادة الاستثمارات في هذا المجال. ورغم أن ذلك تغيير مُرحَّب به، فسيحتاج الأمر إلى أكثر من مجرد كلمات مُطمئنة تتردَّد في مؤتمرٍ بهدف تأكيد أن الخطط التي يجري وضعها ستُؤتي ثمارها.

سيتطلب هذا أيضًا إجراء محادثات جادة مع البلدان المانحة وشركات صناعة الأدوية بها، إضافة إلى الممولين والباحثين، أو بعبارة أخرى، إجراء محادثاتٍ مع جميع الأطراف المُشاركة حاليًا في إمداد أفريقيا باللقاحات. وإذا كان الهدف الحاليّ تحقيق اكتفاء ذاتي أفريقي في ما يسميه البعض "سلسلة القيمة" الخاصة باللقاحات، فإن الشراكات الدولية مع مؤسساتٍ بالقارة الأفريقية ستقتضي نهجًا مختلفًا. فالشراكةُ التي تهدف إلى تمكين الباحثين الأفريقيين والشركات الأفريقية يجب أن تكون مختلفة عن الشراكات القائمة التي يتمثل هدفها في إمداد أفريقيا باللقاحات. إذ قد ينظر بعض الشركات الدولية العاملة في مجال صناعة اللقاحات إلى الاكتفاء الذاتي الأفريقي باعتباره خطرًا يُهدد أعمالها على المدى الطويل، وقد يخشى بعض الشركات فقدان نفوذه في المنطقة. بيد أنه يتعين على الشركات والباحثين من خارج أفريقيا ألا يتبنوا وجهة النظر هذه إذا كانوا يؤمنون بأن تأسيس شراكة حقيقية بين أطراف متكافئة يصبّ في مصلحة الجميع. فاللقاحات من ضروريات الصحة العامة، والصحة العامة من ضروريات الاقتصادات القوية. 

وحدة الهدف

يتطلب تأسيسُ مجالٍ جديدٍ استراتيجيةً واستثمارًا، كما أن وحدة الهدف على القدر نفسه من الأهمية. يعني هذا أنه لا بدَّ من وجود اتفاق في الرؤية بين الهيئات الرئيسية المعنية بالحوكمة في أفريقيا (ويُقصَد بها الجهات التي تُمثل السياسة والدبلوماسية والشؤون المالية والأبحاث)، وهذا أمرٌ بالغ الأهمية. فإنجازُ أي شيء على مستوى القارة يستغرق حتمًا كثيرًا من الوقت، إذ يتطلب مشاوراتٍ بين مواطني أكثر من 50 بلدًا وبين زعماء هذه البلدان ومؤسَّساتها، بما في ذلك مفوضية الاتحاد الأفريقي، والمراكز الأفريقية لمكافحة الأمراض والوقاية منها، وبنك التنمية الأفريقي. لقد كانت الدعوة المفتوحة التي وجَّهها الاتحاد الأفريقي والمراكز الأفريقية لمكافحة الأمراض والوقاية منها إلى جميع الأطراف المعنية لحضور قمتهما التي استمرت يومين صورةً من صور التفكير التقدمي. غير أنه يجب أن تتفق المؤسساتُ التي ستصنع القرارات على أهم الأولويات وأن تصل إلى إجماعٍ -ولو جزئيًا- بخصوص كيفية تحقيق تلك الأولويات.  

وفي جوانب أخرى، ثمة حاجةٌ إلى إسراع وتيرة التقدم المُحرَز. تأمَّل مثلًا العملية التنظيمية والرقابية في ما يتعلق باللقاحات. قبل ستة أعوام، اتفقت البلدان الأفريقية في ما بينها على إنشاء الوكالة الأفريقية للأدوية (AMA) على غرار الوكالة الأوروبية للأدوية التي تتخذ من أمستردام مقرًا لها. من المزمع أن تُقدم الوكالة الأفريقية للأدوية توصياتٍ بشأن سلامة الأدوية واللقاحات الجديدة وفاعليتها، ومن ثمَّ تختصر الوقت الذي تستغرقه الجهات الرقابية الوطنية للتصريح باستخدام هذه المنتجات.

وفي عام 2019، تبنَّى الاتحاد الأفريقي معاهدةً لإنشاء الوكالة الأفريقية للأدوية، لكن الأمر يستلزم التصديق على المعاهدة من جانب 15 بلدًا على الأقل، قبل الإعلان عن إنشاء الوكالة رسميًا. وفي العام الماضي، وصل عدد البلدان الموقعة على المعاهدة إلى ثمانية بلدان، وهو ما يدل على أن أغلب الدول الأفريقية لم تكن تنظر إلى الأمر على أنه أولوية قبل الجائحة. ومن ثم، لا بدَّ أن تتغير هذه الرؤية، كما يجب أن يُسارع مزيد من البلدان إلى اتخاذ الترتيبات اللازمة للتصديق على المعاهدة.  

"قد ينظر بعض الشركات الدولية العاملة في مجال صناعة اللقاحات إلى الاكتفاء الذاتي الأفريقي باعتباره خطرًا يُهدد أعمالها على المدى الطويل".

وتُشكِّل الملكية الفكرية عائقًا آخر. فأكثر من 100 بلدٍ -أغلبها بلدانٌ ذات دخولٍ منخفضة ومتوسطة- تطلب حاليًا من البلدان الأكثر ثراءً أن تمنحها تنازلًا مؤقتًا عن الملكية الفكرية الخاصة بلقاحات "كوفيد-19" حتى يتسنَّى لها تسريع وتيرة عمليات التصنيع المحلي. ولكن البلدان ذات الدخول المرتفعة تُفضِّل اتفاقيات نقل التكنولوجيا والتي تشارك من خلالها شركات الأدوية التابعة لتلك البلدان المعرفة الفنية والأدوات والمهارات عبر طرف ثالث موثوق به، كمنظمة الصحة العالمية. وقد أحرز هذا النهج في السابق قدرًا من النجاح في خلق القدرة على صناعة اللقاحات في البلدان ذات الدخول المتوسطة.    

ويرى البعض أنه يجب فصل قضية الملكية الفكرية عن الطموحات الأفريقية لتصنيع اللقاحات محليًا، غير أن الأمرين مرتبطان ارتباطًا وثيقًا. ويعكف بعض الحكومات على دراسة جدوى صناعة اللقاحات القائمة على تقنية الحمض النووي الريبي المرسال (mRNA) وهي التقنية التي استُخدمت في تصنيع اثنين من أبرز لقاحات "كوفيد-19" التي طُرحت مؤخرًا في أنحاء العالم. ولكن أيًا كانت التقنيات المستخدمة حاليًا في تصنيع اللقاحات، فلا بدّ من التشاور مع أصحاب براءات اختراع تلك التقنيات ودفع التعويضات المناسبة لهم. وهذا العائق يُمثِّل أحد الأسباب وراء رواج فكرة التنازل المؤقت عن الملكية الفكرية في فترة الجائحة، وضرورة دخول تلك الفكرة حيّز التنفيذ. فإذا جرى التنسيق بشأنها على النحو المناسب، والاتفاق على اتباع عملية مُحدَّدة، ستتمكن البلدان من اتخاذ الخطوات القليلة الأولى على طريق تصنيع اللقاحات.        

وفي هذا الصدد، ثمة دورٌ مهمٌ يتعيَّن على العلماء في القطاعين العام والخاص أن يؤدوه، فقد كانوا ولا يزالون محورًا أساسيًا في أبحاث اللقاحات، والاختبارات المعملية، والتجارب السريرية، والتقييمات، ووضع الضوابط التنظيمية، وبدء التداول. وتجمع الباحثين علاقاتٌ مع أغلب الأطراف المعنية. فمن المفهوم أن الباحثين يميلون إلى تجنب الانخراط في المجادلات السياسية أو الدبلوماسية كالتي تتعلق بإمكانية منح التنازل المؤقت عن الملكية الفكرية، لأسباب منطقية في أغلب الأحيان. غير أنه إذا استمرت الجائحة في تفاقمها، سيصبح الدفاع عن حجج التمسك بالملكية الفكرية في ما يتعلق بمرض "كوفيد-19" أكثر صعوبة، ويملك الباحثون النفوذ والمعرفة لتغيير دفة هذا الجدل. 

اللقاحات كسلع نفع عام

كيف يمكن للباحثين المشاركة؟ الأمثلةُ التي يمكن الرجوع إليها قليلة، غير أن هناك بعض الدروس المستفادة من أزمات الغذاء التي اندلعت أواخر ستينيات القرن العشرين. فقد بدأ الباحثون حينذاك إنتاج أصنافٍ من المحاصيل عالية الإنتاجية عن طريق ما أصبح يُعرف باسم زراعة الثورة الخضراء. كان التحدي حينها يكمن في كيفية طرح التقنيات الجديدة وتحويل استخدامها إلى ممارسة سائدة. ووفقًا لما كتبه لويل هاردن، أحد العلماء الذين أسهموا في الثورة الخضراء، في مجموعة مقالات بدورية Nature نُشرت عام 2008 تحت عنوان "اجتماعات غيَّرت العالم"، كان الباحثون في حاجة إلى إقناع الحكومات ومانحي المعونات بأن التكنولوجيا قد تؤدي إلى نتائج من شأنها تغيير العالم، ولكنها أيضًا تظل ملكية عامة (انظر go.nature.com/3armkuv). والفكرة القائلة بإن التقنيات الزراعية هي وسائل نفع عام يجب مشاركتها على نطاق واسع كانت محورًا أساسيًا من محاور الثورة الخضراء. وكان من بين مبادئ تلك الثورة كذلك أيضًا رفض التربح من وراء ابتكار التقنيات التي تُستخدم في إطعام الجياع. 

بطبيعة الحال، كان ذلك زمنًا مختلفًا عن زمننا الحاليّ. فقد كان ذلك قبل سَنَّ قانون تاريخي في الولايات المتحدة في عام 1980 عُرف باسم "قانون باي-دول"، الذي فتح الباب أمام الجامعات للاستفادة التجارية من اكتشافاتها، كما كان ذلك قبل إصدار قرار تاريخي آخر تمثَّل في حكمٍ أصدرته المحكمة العليا بالولايات المتحدة في العام نفسه بمنح أول براءة اختراع عن كائن معدَّل وراثيًا. وقد زاد هذان التطوران من الصعوبة التي سيجدها الباحثون إذا ما طالبوا بضرورة اعتبار التقنيات منفعة عامة، ولكن هذا ليس معناه أن يكفوا عن المحاولة. فلا بدَّ من إيجاد طريقة لتعويض المخترعين في الوقت نفسه الذي يجري العمل فيه على بناء قدرات وطنية في مجال البحث والتطوير، كما لا بد من إبقاء التقنيات التي تنقذ الأرواح في نطاق الملكية العامة. فإذا ما حدث اتفاقٌ على هذا المبدأ، ستصبح المهمة أكثر سهولة.

أنتج الباحثون في أنحاء العالم -ولا يزالون يُنتجون- لقاحاتٍ جديدة. لكن أصبح عليهم الآن تطوير هذه المعرفة ومشاركتها مع زملائهم في المناطق التي لا تحظى بالخدمات الكافية لا سيّما في أفريقيا. وربما يكون قد فات الأوان فلم يعد ممكنًا أن يصنع تدخّل الباحثين لتحقيق الطموحات الأفريقية في مجال تصنيع اللقاحات فارقًا خلال الجائحة الحالية، ولكن هذا التدخل من شأنه أن يساعد بالتأكيد على ضمان حماية أفضل بكثير لسكان القارة خلال الجائحة القادمة.