أخبار

نتائج تجارب الميونات تُرْبِك علماء الفيزياء

سلوك مُذهل لهذه الجسيمات أدّى بعلماء الفيزياء إلى محاولة اختلاق تفسيرات جديدة لأساليبها.

دافيديه كاستلفيكي
  • Published online:
أفاد جهاز الرصد   بتجربة (LHCb) المُجراة بمصادِم الهدرونات   الكبير، الذي التُقطت له هذه الصورة، عن وجود انحرافات في سلوك الميونات.

أفاد جهاز الرصد بتجربة (LHCb) المُجراة بمصادِم الهدرونات الكبير، الذي التُقطت له هذه الصورة، عن وجود انحرافات في سلوك الميونات.

Credit: Peter Ginter/CERN

مِن المرجَّح أن علماء الفيزياء يغمرهم الحماس الآن، فظاهريًا، تشير المغناطيسية القوية إلى حد مذهل التي أظهرتها جسيمات أولية يُطلق عليها الميونات، والتي اكتُشِفت لدى هذه الجسيمات في إحدى التجارب التي أُجريت خلال الشهر الماضي، إلى عدم اكتمال النظرية الراسخة عن الجسيمات الأولية. وإذا اتضح وجود تناقُض بين نتائج هذه التجربة والنظرية، فستكون هذه هي المرة الأولى التي تخفق فيها النظرية في تفسير ملاحظات تجريبية منذ وَضْعها قبل خمسة عقود. وليس هناك ما يستهوي الفيزيائيين أكثر من إثبات خطأ نظريةٍ ما.

إنّ هذه النتائج، التي أعلنتها في السابع من إبريل1 الماضي تجربةٌ معروفة باسم "ميون جـي-2 " Muon g-2، أُجريت بالقرب من مدينة شيكاجو في ولاية إلينوي الأمريكية، تُشكِّل لغزًا، إذ يتعذر تفسيرها على نحوٍ يتوافق مع كل شيء آخر عَرَفَه علماء الفيزياء عن الجسيمات الأولية، إلى حد قد يفضي بمَن يسعى إلى وضع تفسير لها إلى الجنون. كما إنّ بعض الانحرافات الأخرى في سلوك الميونات، التي أفادت بها تجربة أُجريت في مصادِم في مارس الماضي2 لا يُضفي إلا مزيدًا من الصعوبة على هذه المهمة.

من هنا، لنتأمل - على سبيل المثال - نظرية التناظر الفائق (المعروفة اختصارًا باسم SUSY)، وهي نظرية اعتقد العديد من علماء الفيزياء في وقت مضى أنها الأرجح لتفسير امتداد نطاق النموذج القياسي الحالي لفيزياء الجسيمات. وجدير بالذكر أن التناظر الفائق يأخذ أشكالًا عديدة، إلا أنه - بوجه عام - يفترض أن كل جُسيم في النموذج القياسي له نظير أثقل لم يُكتشف بعد، يُطلق عليه النظير الفائق. وقد تكون النظائر الفائقة من بين "الجسيمات الافتراضية" التي تبرز فجأة باستمرار داخل الفضاء الفارغ المحيط بالميون وخارجه، وهو تأثير كَمّي، من شأنه أن يساعد في تفسير السبب وراء كون المجال المغناطيسي لهذا الجسيم أقوى مما هو متوقع.

قد تقدِّم هذه النظائر الفائقة حلًّا لِلُغْزين في آنٍ واحدٍ، هما: لغز مغناطيسية الميونات، ولغز المادة المظلمة، وهي المادة غير المرئية، التي يبدو أنها تمنع من خلال قوة جاذبيتها المجرات من التباعُد عن بعضها البعض.

وإلى وقت ما قبل عشر سنوات، كانت خيوط العديد من الأدلة تشير إلى أن أي نظير فائق يعادل وزنه بضع مئات من البروتونات يمكن أن يشكِّل مادة مظلمة. وتوقع العديد من العلماء أن التصادمات التي تحدث في "مصادم الهدرونات الكبير" LHC خارج ﭼنيف بسويسرا من شأنها أن تنتج عددًا كبيرًا من هذه الجسيمات الجديدة، إلا أنه لم يتولد أي منها حتى الآن. فالبيانات التي أنتجها مصادم الهدرونات الكبير حتى الآن تشير إلى أن النظائر الفائقة المعتادة – إنْ وُجِدت – لا يمكن أن تزن أقل من 1000 بروتون.

من هنا، يقول دومينيك شتوكينجر، أحد علماء الفيزياء النظرية من جامعة دريسدن التقنية بألمانيا، وهو عضو في تحالف مشروع "ميون جي-2 ": "قد يرى الكثيرون أن نظرية التناظر الفائق قد ضُربت في مقتل تقريبًا"، إلا أن شتوكينجر لا يزال يراها نظرية مقبولة لتفسير نتائج التجربة. ويضيف قائلًا: "إذا تأملت نظرية التناظر الفائق بالمقارنة مع غيرها من الأفكار، فلن تجدها أسوأ".

ويرى شتوكينجر أن ثمة طريقة واحدة يمكن من خلالها لتجربة "ميون جـي-2 " أن تعيد الحياة لنظرية التناظر الفائق، وأن تقدم أيضًا دليلًا على وجود المادة المظلمة، وهي تتمثل في أنه قد لا يكون هناك نظير فائق واحد فحسب، بل نظيران يظهران في التصادُمات التي تقع في مصادم الهدرونات الكبير، وكلاهما ذوا كتلتين متماثلتين تقريبًا؛ تعادلان تقريبًا حوالي 550  بروتونًا، و500 بروتون. فالاصطدامات من شأنها أن تُكوِّن النظير الفائق الأكثر ضخامة، الذي من شأنه أن يضمحل سريعًا بعدئذ إلى جُسيمين: نظير فائق أخف، فضلًا عن جسيم عادي، وفقًا للنموذج القياسي، يحمل فرق الكتلة البالغ 50 بروتونًا.

وأجهزة الرصد في مصادم الهدرونات الكبير مجهزة جـيدًا للكشف عن هذا النوع من الاضمحلال، طالما كان الجسيم العادي - ذلك الجسيم الذي يحمل فرق الكتلة بين النَظيرين الفائقَين - كبيرًا بما فيه الكفاية. أما الجسيمات الخفيفة للغاية، فقد تفلت من الملاحظة.

وتكمن المشكلة في أن النماذج التي تشتمل على نظيرَين فائقَين يتسمان بكتلتين متماثلتين تميل أيضًا إلى أن تتنبأ بأن الكون يجب أن يحتوي على كمية من المادة المظلمة أكبر بكثير مما يلاحظه علماء الفلك. لذا، قد تكون هناك حاجة إلى وجود آلية إضافية؛ آلية يمكنها خفض كمية المادة المظلمة المتوقعة، مما يضفي تعقيدًا للنظرية.

في الوقت نفسه، أزاح الفيزيائيون الستار عن مزيد من الأدلة التي تشير إلى أن الميونات تسلك سلوكًا غريبًا. فقد اكتشفت إحدى التجارب التي أُجريت في مصادم الهدرونات الكبير، أُطلق عليها تجربة (LHCb) أدلة مبدئية، على أن الميونات تنشأ على نحو أقل بكثير من الإلكترونات كنواتج لتحلل بعض الجسيمات الأثقل، التي يُطلق عليها "ميزونات بي" B mesons. ووفقًا للنموذج القياسي، من المفترض أن تكون الميونات مماثلة للإلكترونات في كل شيء، باستثناء كتلتها التي تبلغ 207 أضعاف كتلة الإلكترونات. وبناءً على ذلك.. يجب أن تنتج "الميزونات بي" الإلكترونات والميونات بمعدلات متساوية تقريبًا.

 

تفسيرات أخرى

تصبح مهمة تفسير نتائج تجربة "ميون جـي-2 " أكثر صعوبة حينما يحاول الباحثون وضع نظرية تلائم كل من نتائج هذه التجربة، ونتائج تجربة (LHCb)، لا سيما أن نموذج التناظر الفائق الذي يفسر نتائج تجربة "ميون جـي-2" والمادة المظلمة لن يفيد بشيء في تفسير نتائج تجربة (LHCb).

وتوجد حلول قد تلائم كلًّا من تلك النتيجتَين: أحدها هو الليبتوكوارك؛ وهو جسيم افتراضي يمكن أن يتمتع بالقدرة على تحويل أحد الكواركات إلى ميون، أو إلكترون (وكلاهما مثال على أحد اللبتونات). ويمكن لليبتوكواركات أن تبعث من جديد المحاولة التي قام بها فيزيائيون في السبعينيات للوصول إلى "نظرية موحدة عظمى" في مجال فيزياء الجسيمات، تبرهن على أن القوى الأساسية الثلاث في هذا المجال؛ وهي القوى النووية القوية، والضعيفة، والكهرومغناطيسية، تُعد جميعها  صورًا من القوة ذاتها.

وقد أخفق معظم مشروعات الوصول إلى نظرية موحدة عظمى خلال تلك الحقبة في الاختبارات التجريبية، كما أصبحت نماذج الليبتوكواركات الباقية أكثر تعقيدًا، بَيد أنه لا يزال هناك من يؤيدونها بحماس. وعلى سبيل المثال،، يقول ﭼـينو إيسيدوري، أحد العلماء النظريين من جامعة زيورخ في سويسرا: "يمكن لليبتوكواركات أن تحل لغزًا كبيرًا آخر، ألا وهو: سبب تبايُن الكتل بين العائلات المختلفة من الجسيمات".

وثمة نظرية أخرى منافِسة، يمكن أن توفق بين نتائج كل من تجربتي (LHCb)، و"ميون جـي-2"، تتمثل في جسيم يُطلق عليه "بوزونZ"، نظرًا إلى مماثلته لـ"بوزون Z"، الذي يحمل "القوة الضعيفة" المسؤولة عن الاضمحلال النووي. وحول ذلك، يضيف بِن ألاناش، أحد العلماء النظريين من جامعة كامبريدج بالمملكة المتحدة، قائلًا إنّ نظرية كل من الليبتوكواركات و"بوزونات Z´" تتمتع بميزة، وهي أن البيانات الواردة من مصادِم الهدرونات الكبير لم تستبعدهما تمامًا.

يخضع مصادم الهدرونات الكبير حاليًّا لتجديدات، إلا أنه سوف يبدأ في معاودة سحق البروتونات معًا في إبريل من عام 2022. ويمكن أن تدعم البيانات التي ترد لاحقًا منه وجود انحرافات في سلوك الميونات، وربما تقدم دلائل على وجود جسيمات جديدة، لطالما جرى البحث عنها. من جهة أخرى، في بداية العام المقبل، سوف تنشر تجربة "ميون جـي-2" قياسات أخرى. وبمجرد حصر مدى التناقض بين مغناطيسية الميونات، ونظرية النموذج القياسي بدقة، قد يسفر ذلك عن استبعاد بعض التفسيرات، بينما يشير إلى غيرها، وذلك ما لم ينقشع هذا التناقُض، ويفوز النموذج القياسي مرة أخرى. وقد أسفرت حسابات جديدة لتنبؤات النموذج القياسي فيما يخص مغناطيسية3 الميونات عن قيمة أقرب كثيرًا للنتيجة التجريبية. وحتى الآن، كان الذين راهنوا ضد النموذج القياسي هم الطرف الخاسر دائمًا، وهذا ما يجعل علماء الفيزياء في حالة حذر. ومن هنا، يقول شتوكينجر: "قد نكون على مشارف عهد جديد".

References

  1. Abi, B. et al. Phys. Rev. Lett. 126, 141801 (2021). | article
  2. LHCb Collaboration et al. Preprint at https://arxiv.org/abs/2103.11769 (2021). 
  3. Borsanyi, Sz et al. Nature https://doi.org/10.1038/s41586-021-03418-1 (2021).