رؤية كونية

الحظر الشامل لتمويل مشروعات الوقود الأحفوري سيعمق جذور الفقر

تحتاج قارة إفريقيا إلى بنية تحتية للطاقة يمكن الاعتماد عليها، لا نفاق الدول الغنية.

فيجايا راماشاندران
  • Published online:

STEPHANIE DONOHOE

تعهَّدت سبع دولٍ أوربية في شهر أبريل الماضي بأن تُوقف دعمها الضروري لمشروعات الوقود الأحفوري خارج حدودها، وبهذا تنضم إلى الولايات المتحدة ودول أوربية أخرى في وقف تمويل مشروعات البنية التحتية في مجال الطاقة بالدول الفقيرة التي تعتمد على الفحم والغاز والنفط. وسيؤدي هذا الحظر المفروض على تمويل تلك المشروعات إلى ترسيخ الفقر في مناطق مثل إفريقيا جنوبي الصحراء الكبرى، ولكنه لن يسهم في تقليل انبعاثات الكربون على مستوى العالم.

يمثل عدد سكان القارة الإفريقية نحو 17% من سكان العالم، غير أن انبعاثات الكربون بالقارة تقل عن 4%. لذا فليس من العدل أن تسعى الدول الثرية إلى التصدي لظاهرة تغير المناخ على حساب تطور الدول ذات الدخل المنخفض والمرونة المناخية. وبدلًا من ذلك، ينبغي لتلك الدول الغنية أن تقدم يد العون للحكومات الإفريقية لتسعى إلى تنويع مصادر الطاقة لديها تحقيقًا للتنمية السريعة والمستدامة.

إن البنية التحتية الحالية في قارة إفريقيا كثيفة الاستهلاك للكربون وتخدم الدول الأكثر ثراءً بالقارة؛ فدولة جنوب إفريقيا وعدة دول واقعة في شمال إفريقيا تمثل معًا ثلثي قدرة توليد الكهرباء بالقارة. أما باقي الدول البالغ عددها 48 دولة فتبلغ قدرتها نحو 81 جيجا واط فحسب، في حين يبلغ إنتاج القارة بالكامل نحو 244 جيجا واط، ويبلغ إنتاج العالم 9,740 جيجا واط. فمتوسط معدل استهلاك المواطن الإثيوبي يبلغ 130 كيلو واط-ساعة من الكهرباء سنويًا، ما يعادل متوسط استهلاك المواطن الأمريكي في أربعة أيام فحسب.

ويُعد عدم التوازن هذا سببًا ونتيجة في آن واحد لسوء البنية التحتية الحديثة في إفريقيا، إذ يعاني مئات الملايين من البشر في أرجاء إفريقيا كافةً من ندرة الطاقة، وغلاء أسعار الغذاء الذي عادة ما يكون مستوردًا، إضافة إلى مشقة إمكانية العثور على وظيفة بدوام كامل. وكثيرٌ من مقومات التنمية الضرورية -مثل الطرق والمدارس والإسكان والطاقة التي يمكن الاعتماد عليها- يصعب تحقيقها سريعًا بالاعتماد على الطاقة النظيفة وحدها.

يُعد الغاز الطبيعي وقودًا أحفوريًا، ولكن يمكن أن يؤدي دورًا كبيرًا وفعالًا في تحرير المجتمعات من ربقة الفقر، وهو من مصادر الطاقة التي تنتج تقريبًا نصف معدل انبعاثات الكربون التي تنتج عن استخدام الفحم، كما متوافر بغزارة في كثيرٍ من دول إفريقيا غير الواقعة في شمال القارة، مثل نيجريا وموزمبيق وأنجولا وجمهورية الكونغو الديمقراطية. ويشير "مركز الطاقة من أجل النمو" Energy for Growth Hub -وهو شبكة بحثية عالمية- إلى أنه إذا ضاعفت دول إفريقيا الأقل إنتاجًا للكهرباء، البالغ عددها 48 دولة، استهلاكها من الكهرباء ثلاثة أضعاف بين عشية وضحاها باستخدام الغاز الطبيعي، فإن انبعاثات الكربون الناتجة ستمثل أقل من 1% من القيمة الإجمالية لانبعاثات الكربون حول العالم (انظر: go.nature.com/3app2ff).

"بما أنني من أنصار التنمية المستدامة، فإنني أومن بأن الوقود الأحفوري لا يزال ضروريًا".

كما يوفر الغاز الطبيعي أفضل السبل لتحديث إنتاج الغذاء ووسائل النقل. وعلى الرغم من الجهود المثيرة للإعجاب المبذولة في أنظمة الري بالطاقة الشمسة في بقاع مختلفة من القارة الإفريقية، فإن الغاز الطبيعي لا يزال هو الأنسب للزراعة واسعة النطاق، إذ إنه يمكن الاعتماد عليه، وغير مكلف، وضرر الانبعاثات الناتجة عن حرقه أقل كثيرًا من ضرر الانبعاثات الناتجة عن أنواع الوقود الأحفوري الأخرى. وكذلك يمكن تخزين الغاز لحين الحاجة إليه، كما أنه واحد من أفضل المواد الأولية لإنتاج الأسمدة الصناعية، فضلًا عن إمكانية استخدامه في تزويد السيارات والحافلات والشاحنات والسفن بالطاقة، إضافة إلى أنظمة التخزين البارد. ويعني هذا تقليل معدلات فساد الغذاء، كما سيُمكِّن المزارعين من إنتاج مزيدٍ من الطعام باستخدام مساحة أصغر من الأرض.

إن فرض الحظر الشامل على تمويل مشروعات الوقود الأحفوري لن يدفع نمو استخدام الطاقة المتجددة في إفريقيا؛ فهذا النمو يجري حاليًا بالفعل. فالكهرباء في إثيوبيا وكينيا وملاوي ومالي وموزمبيق وأوغندا -التي تمثّل مجتمعة خُمس سكان إفريقيا- تأتي في الأساس من الموارد المتجددة، مثل الطاقة الكهرومائية. كما أن إحداث التنمية عبر الوقود الأحفوري يمكن أن يسير بمحاذاة بناء مصادر الطاقة المتجددة، ليمهد بهذا لمزيدٍ من المشروعات الطموح. وقد أشارت رسالة دكتوراه طُرحت في عام 2020 (انظر: go.nature.com/3tbfg25) إلى أن المولدات المتحركة القابلة للتمديد التي تُدار بالغاز ستصير ضرورية لتحول دولة جنوب إفريقيا إلى الطاقة الكهربائية المتجددة، لأن مصادر طاقة الرياح والطاقة الشمسية ستصبح أكثر تنوعًا في أثناء تطويرهما. إلا أن ثمة خطرًا يكمن في تطويرهما بصورة سريعة للغاية؛ فالإمداد المتقطع الوارد من مزرعة رياح كبرى في كينيا أدى إلى رفع تكلفة تشغيل الشبكة الكهربائية.

سيقول المنتقدون إن أصحاب المصالح في استخدام الوقود الأحفوري سيحاولون الحيلولة دون استخدام مصادر الطاقة المتجددة، وإن الحكومات ربما تقع تحت هيمنة أصحاب المصالح في استخدام الوقود الأحفوري. إنني أتفهم مثل هذه المخاوف، لكن بما أنني من أنصار التنمية المستدامة، فإنني أومن بأن الوقود الأحفوري لا يزال ضروريًا. ويجب على مؤسسات التمويل الدولية أن تولّي الأولوية لتمويل مشروعات الطاقة المتجددة كلما أمكن ذلك، كما يجب على الدول الثرية أن تضخَّ استثماراتها في البحث والتنمية التي ستقلل من تكاليف الطاقة المتجددة. ويجب ألا يغيب عن حساباتهم أزمة الفقر (إذ يعاني نحو ستمئة مليون مواطن إفريقي من عدم إمكانية الوصول إلى مصادر كهرباء يُعتمد عليها). ونظرًا إلى ازدياد معدلات الكوارث الطبيعية والمخاطر المناخية الأخرى، ستزداد حاجة الناس إلى الطرق والمستشفيات وشبكات الطاقة المرنة وأنظمة الإنذار وشبكات الإمدادات الغذائية الكبيرة وأشكال البنية التحتية الأخرى التي تتطلب طاقة كافية.

وبدلًا من حظر استخدام الوقود الأحفوري في مشروعات التنمية، يجب أن يتبنَّى الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والبنك الدولي، معايير تمويل تضع النمو الاقتصادي في الحسبان إلى جانب التأثير المناخي. فعلى سبيل المثال، سيعمل استغلال مصادر كبيرة، تبلغ 4.2 تريليون متر مكعب من الغاز الطبيعي على طول الحدود بين تنزانيا وموزمبيق، على تعزيز الوصول إلى الكهرباء، وسيولّد دخلًا تحتاج إليه الدولتان ذواتا الدخل المنخفض، قليلتا معدلات الانبعاثات الكربونية. وأقترح إنشاء نظامٍ متدرِّج تكون فيه الدول ذات الدخل المنخفض للفرد والانبعاثات المنخفضة، أو ذات الاستخدام العالي من الطاقة النظيفة، مؤهلة لمشروعات التنمية القائمة على الوقود الأحفوري. وأي بنية تحتية يجري تأسيسها ينبغي أن تكون متطورة وتحظى بصيانة جيدة، لتقليل المخلفات التي تتسبب فيها حوادث التسريب والحاجة إلى إشعال غاز الميثان.

إن جُل الانبعاثات القديمة المُسببة لظاهرة الاحتباس الحراري تنبع من الدول الثرية التي لا تزال تعتمد على الوقود الأحفوري، وسيكون من التعسف والإجحاف أن تُفرض القيود على الدول التي في أمسِّ الحاجة إلى البنية التحتية الحديثة، والأقل مسؤولية عما يواجهه العالم من تحديات المناخ. 

فيجايا راماشاندران، مديرة قسم الطاقة والتنمية بمعهد بريكثرو في بيركلي، كاليفورنيا.

بريد إلكتروني: vijaya@thebreakthrough.org