أخبار

لقاحات «كوفيد» والجلطات الدَّموية: الأسئلة الخمسة الرئيسية

مع تسبب المخاوف المتعلقة بالأمان في عرقلة استخدام اثنين من لقاحات "كوفيد-19"، تبحث دورية Nature أسئلة ينشد العلماء الوصول إلى إجابات عنها.

هايدي ليدفورد
  • Published online:
ممرضة في إيطاليا تعد جرعة من لقاح "أكسفورد-أسترازينيكا".

ممرضة في إيطاليا تعد جرعة من لقاح "أكسفورد-أسترازينيكا".

Credit: Pasquale Senatore/Pacific Press/Shutterstock

حفِل شهر إبريل الماضي بصعاب واجهت اثنين من لقاحات "كوفيد-19". ففي الثالث عشر منه، حثَّت الهيئات التَّنظيمية في الولايات المتحدة مقدمي الرعاية الصحية على التوقف مؤقتًا عن استخدام لقاح أنتجته شركة "جونسون آند جونسون" Johnson & Johnson، بسبب اشتباه في إصابة ستة أشخاص بتجلُّط دموي نادر من بين ما يقرب من سبعة ملايين متلقٍ للقاح.

وجاءت هذه الخطوة بعد أن أعربت الهيئات التَّنظيمية الأوروبية عن مخاوفها من وجود صلة مُحتَمَلة بين الإصابة بجلطات دموية نادرة ولقاح طورته شركة "أسترازينيكا" AstraZeneca في مدينة كامبريدج، بالتعاوُن مع جامعة أكسفورد، وكلتاهما في المملكة المتحدة.

ولكلا القرارين آثار أخذت تتكشف على مستوى العالم. فعلى الرغم من أن الباحثين والهيئات التَّنظيمية، على حد سواء، يشددان على أن فوائد اللقاحين تفوق مخاطرهما، تقصر بلدان عديدة استخدام لقاح "أسترازينيكا" على فئات عُمرية معينة. كما حظرت الدنمارك – على سبيل المثال – استخدامه تمامًا. كذلك فقد أوقفت شركة "جونسون آند جونسون"، التي يقع مقرها في مدينة نيو برونزويك الأمريكية في ولاية نيو جيرسي، عمليات توزيع لقاحها على بعض البلدان.

وتعقيبًا على ذلك، تقول سوزان جولدشتاين، اختصاصية الصحة العامة، ونائبة مدير مركز اقتصاديات الصحة وعلوم صنع القرار التابع لمجلس البحوث الطبية في جنوب أفريقيا (SAMRC) في مدينة جوهانسبرج بجنوب أفريقيا: "الطريقة التي حدث بها ذلك جعلتنا جميعًا نشعر بأن العالم أصابه مس من الجنون". وتضيف قائلة: "نشأ قدر هائل من الارتباك".

ويُعزى بعض هذا الارتباك إلى الحاجة المُلِحّة إلى التحرُّك سريعًا بناءً على فوضى البيانات الواقعية الناقصة والمتغيرة على مستوى العالم. ففي الوقت الذي تُضطر فيه الهيئات التَّنظيمية إلى اتخاذ قرارات في هذا الصدد، لا يزال العلماء يسابقون الوقت للتحقيق في هذا الاضطراب النادر وصِلته باللقاحين. وفيما يلي بعض من أهم الأسئلة التي يأملون في الوصول إلى إجابات عنها.

ما الصلة التي يُمكِن أن تكون بين الجلطات الدَّموية واللقاحات؟

تتسم الجلطات التي عُزيت مبدئيًا إلى لقاحي شركتي "أسترازينيكا" و"جونسون آند جونسون" بخصائص معينة؛ فهي تحدث في مواضع غير مُعتادة من الجسم، مثل الدماغ أو البطن، وتقترن بوجود انخفاض في مستويات الصفائح الدَّموية، التي تُعد أجزاء من خلايا تساعد على تخثُّر الدَّم. وتُلاحَظ هذه الخصائص أيضًا في حالة تُسمى نقص الصفائح الدَّموية المُحَفَّز بالهيبارين (HIT). وهو أثر جانبي نادر يظهر أحيانًا لدى الأشخاص الذين تلقوا دواء "هيبارين" Heparin المضاد للتَّخَثُّر. وقد كشف إجراء مزيد من التحليلات عن سمات أخرى تميِّز نقص الصفائح الدَّموية المُحَفَّز بدواء هيبارين لدى متلقِّي اللقاح13، على الرغم من أنهم لم يتناولوا هذا الدواء.

ويُعتَقَد أن نقص الصفائح الدَّموية المُحَفَّز بالهيبارين يُستثار عند ارتباط الهيبارين ببروتين يُسمى عامل الصفائح الدَّموية 4، وهو ما يُطلِق استجابات مناعية محددة، تشمل إنتاج الأجسام المضادة ضد عامل الصفائح الدَّموية 4. وهو يؤدي إلى تدمير الصفائح الدَّموية وإفراز مادة تُفضي إلى تشكُّل الجلطات. ويكمن اللغز في السبب الذي يؤدي إلى حدوث هذه المتلازمة في غياب الهيبارين.

جدير بالذكر، أن اللقاحين اللذين أنتجتهما شركتا "أسترازينيكا" و"جونسون آند جونسون" يعتمدان على فيروسات غُدية تحمل الحمض النووي الذي يرمِّز بروتينًا من فيروس كورونا داخل الخلايا البشرية، يُسمى البروتين الشوكي. بعد ذلك، تستخدِم الآلية المنتِجة للبروتينات في الخلايا هذا الحمض النووي لتشكيل البروتين الشوكي، ويطوِّر الجسم استجابة مناعية ضده. وفي الوقت الحالي، لا يعرف الباحثون أي مكوِّن باللقاحين قد يكون المسؤول عن هذه الاستجابة المناعية غير المرغوب فيها ضد عامل الصفائح الدَّموية 4. وحول ذلك، يقول اختصاصي المناعة الفيروسية هيلديجوند إرتل من معهد ويستار في فيلادلفيا بولاية بنسلفانيا الأمريكية: "قد يكون السبب الناقل الفيروسي، أو قد يكون البروتين الشوكي، أو أحد المُلَوِّثات الموجودة في الناقل".

هل لقاحات "كوفيد-19" الأخرى مرتبطة بحدوث اضطرابات تجلُّط دم؟

يعتمد لقاحا "أسترازينيكا" و"جونسون آند جونسون" على فيروسات غُدية مختلفة، لكن ظهور أعراض شبيهة بتلك الناجمة عن نقص الصفائح الدَّموية المُحَفَّز بالهيبارين بين متلقي اللقاحين، والغياب الواضح للاستجابات الشبيهة بهذا الاضطراب المحفَّز بذاك الدواء بين المتلقين لنوع مختلف من اللقاح، قائم على الحمض النووي الريبي المرسال (mRNA) - أثار مخاوف من أن المشكلة قد تكون شائعة في اللقاحات التي تعتمد على فيروسات غُدية، ومنها لقاح "سبوتنيك في" Sputnik V، الذي طوره مركز جماليا الوطني لأبحاث الوبائيات وعلم الأحياء الدقيقة في موسكو.

بيد أنه في بيان صحفي، أفاد مركز جماليا باختلاف لقاحه "سبوتنيك في" عن لقاحات "كوفيد-19" الأخرى التي تعتمد على الفيروسات الغدية. إذ صرح المركز بأن "جميع اللقاحات القائمة على الناقلات الفيروسية الغُدية مختلفة عن لقاح "سبوتنيك في"، ولا يمكن عقد مقارنة مباشرة بينها وبينه"، في إشارة إلى أن لقاح "سبوتنيك في" مغاير للقاحات الأخرى في خصائص عديدة، ومنها الفيروسات المُستَخدَمة.

ويشارك عالم الفيروسات إريك فان جورب، من المركز الطبي بجامعة إيراسموس في روتردام بهولندا، في رئاسة اتحاد يبحث تأثيرات اللقاحات المختلفة على خلايا الأوعية الدَّموية المزروعة في المُختَبَرات. وسيتقصى الاتحاد أيضًا وجود أجسام مضادة لعامل الصفائح الدَّموية 4، لدى متلقي لقاحات "كوفيد-19" المختلفة.

وفي ذلك الصدد، يقول جورب إن تحديد مسبب هذه الاضطرابات سيكون مُهِمًا لتطوير اللقاحات في المستقبل. ويتسائل قائلًا: "هل يُمكِننا الاعتماد على لقاحات الفيروسات الغُدية، أم أننا بحاجة إلى الاعتماد بدرجة أكبر على لقاحات الحمض النووي الريبي المرسال؟".

ما مدى ندرة حدوث الجلطات الدَّموية في الأشخاص الذين تلقوا اللقاحات؟

نسبة مخاطر اللقاحات إلى فوائدها هي أهم المعلومات التي تحتاجها الهيئات التنظيمية عند اتخاذ قرار بشأن ما إذا كان لقاح ما آمنًا أم لا، لكن قد يصعب تحديد هذه النسبة.

ومما لا شك فيه أن احتمالية التعرُّض لخطر الإصابة بمتلازمة التجلُّط الشبيهة بنقص الصفائح الدَّموية المُحفَّز بالهيبارين منخفضة للغاية، إذ جرى الإبلاغ عن 86 إصابة محتملة بالمتلازمة في أوروبا، من أصل 25 مليون شخص جرى تطعيمهم اعتبارًا من الثاني والعشرين من مارس الماضي.

بيد أن العدد الدقيق لهذه الحالات يتغير باستمرار. وحول ذلك، يقول سعد شاكر، مدير وحدة بحوث أمان الدَّواء في مدينة ساوثهامبتون في المملكة المتحدة، إن الباحثين يُعوّلون على حالات الإبلاغ عن آثار جانبية بعد التَّطعيم، وهي قد تكون عُرضة للتحيُّز والتَّصنيفات الخاطئة.

على سبيل المثال، يُحتمل وقوع خطأ في تصنيف متلازمة معقدة مثل متلازمة نقص الصفائح الدَّموية المُحفَّز بالهيبارين في بعض الحالات، لا سيِّما قبل انتشار أخبار صلتها المُحتَمَلة باللقاحات. والآن بعد أن ذاعت احتمالية وجود هذه الصلة، سيتنبه الأطباء الإكلينيكيون لها، وقد تزداد حالات الإبلاغ عنها. وهذا يعني أنه في الأسابيع المقبلة، قد يُكتَشَف أن عدد الآثار الجانبية أعلى مما كان يُعتَقَد سابقًا.

هل توجد فئات معينة أكثر عُرضة للخطر؟

من الصعب تحليل البيانات وتحديد الأشخاص الأكثر عرضة لاحتمالية الإصابة بمتلازمة التجلُّط سالفة الذكر. وقد افتقرت عمليات الإعلان عن البيانات في أوروبا والمملكة المتحدة إلى معلومات مهمة، وهو ما يجعل الباحثين خارج الجهات التَّنظيمية بحاجة إلى تحليل هذه المخاطر، وذلك حسب ما أفادت به شيلا بيرد، خبيرة الإحصاء البيولوجي والقائدة السابقة لبرنامج في وحدة الإحصاء الحيوي التابعة لمجلس البحوث الطبية في جامعة كامبريدج بالمملكة المتحدة، حيث قالت: "إن عدم الإفصاح عن هذه المعلومات يعوق، في حقيقة الحال، التوصُل إلى استنتاجات من جانب الأشخاص الذين يعرفون كيفية استخلاص هذه الاستنتاجات".

وتزداد صعوبة ذلك بفعل قلة عدد الإصابات بالتجلُّط التي جرى الإبلاغ عنها إلى الآن، والتَّوزيع غير المتكافئ للقاحات. وقد أشارت البلاغات المبكرة إلى أن السيدات صغيرات السن نسبيًا ممن تلقين اللقاحات كُنَّ أكثر عُرضة للإصابة بالجلطات، لكن وكالة الأدوية الأوروبية ذكرت أنها لا تستطيع تحديد أي الفئات أكثر عرضة للخطر من واقع بياناتها الخاصة بلقاح "أسترازينيكا". وقد يكون التَّحيُّز الظاهر تجاه الإبلاغ عن هذه الإصابات في السيدات نتيجة لإعطاء عديد من البلدان الأولوية لتطعيم العاملين في مجال الرعاية الصحية، وهم في الغالب من الإناث.

"المعلومات السلبية تعلق في الأذهان لفترة أطول وبشكل أقوى، كما أن صوتها أعلى".

ويقول شاكر إنه إذا جرى الإبلاغ عن حدوث الجلطات لدى متلقي اللقاحات من الشباب بمعدل أكبر، فقد يكون ذلك مضللًا أيضًا. فجدير بالذكر أن الجلطات الدَّموية والسكتات الدماغية تحدث على نحوٍ أكثر شيوعًا لدى كبار السن، الذين لا يستدعي حدوثها لديهم إجراء التحقيق المتعمق نفسه الذي يُجرى في حال حدوثها لدى متلقي اللقاحات من الشباب.

وتحديد عوامل الخطورة قد يتيح للهيئات التَّنظيمية تحديد نسبة مخاطر اللقاحات إلى مخاطر "كوفيد-19" على نحو أفضل، وهي تختلف باختلاف السن وعوامل أخرى. بيد أن مثل هذه التحليلات قد تضطر إلى انتظار ورود المزيد من البلاغات بحدوث آثار جانبية. وحول ذلك، يقول شاكر: "تستغرق هذه الأمور وقتًا".

كيف يُمكِن أن تؤثر المخاوف من الآثار الجانبية على جهود التَّطعيم العالمية؟

يسارع بعض الباحثين إلى الإشارة بأن المخاوف بشأن لقاحي شركتي "أسترازينيكا" و"جونسون آند جونسون" تدل على فعَّالية عملية مراقبة أمان اللقاحات وقدرتها على رصد الآثار الجانبية النادرة. ولو لم تستجب الهيئات التَّنظيمية عن طريق إيقاف عمليات التَّطعيم ومناقشة البيانات المتوفرة بشفافية، فقد يُضعف ذلك ثقة الجمهور في عملية مراقبة أمان هذه اللقاحات.

بيد أن كيفية إبلاغ الجمهور بالمخاطر تُعد بالغة الأهمية للحفاظ على ثقتهم في التطعيمات، على حد قول نوني ماكدونالد، اختصاصية أمراض الأطفال المعدية من جامعة دالهاوزي في هاليفاكس بكندا، إذ ذكرت أن طبيعة المخاوف من حدوث التجلُّطات وشدة هذه المخاوف قد تغيَّرت مع ظهور المزيد من البيانات. وقد يكون لذلك، إلى جانب المناقشات الفنية حول المخاطر والحالات الطبية، دور في تعزيز حالة الارتباك.

وما إن يفقد الجمهور ثقته في اللقاحات، حتى يكون من الصعب استعادة هذه الثقة. فعلى حد قول ماكدونالد: "المعلومات السلبية تعلق في الأذهان لفترة أطول وبشكل أقوى، كما أن صوتها أعلى".

وقد يكون لفرض أي قيود أخرى على استخدام اللقاحين سالفي الذكر — سواء بسبب قرارات تنظيمية أو بسبب التردّد بشأن الحصول على اللقاحات — تأثير عالمي. وتُعَد تكلفة تصنيع كليهما رخيصة نسبيًا، كما يسهل تخزينهما مقارنةً باللقاحات القائمة الحمض النووي الريبي المرسال (mRNA). وقد وافق مطورو كلا اللقاحين على توزيع جرعاتهما بأسعار منخفضة على البلدان منخفضة الدخل ومتوسطته من خلال برنامج كوفاكس "COVAX".

وتقول جولدشتاين إنه في جنوب أفريقيا، لم يجر تطعيم إلا حوالي ثلث العاملين في مجال الرعاية الصحية، في الوقت الذي يتوقع فيه البلد موجة ثالثة من العدوى. ويُذكَر أن لقاحات الحمض النووي الريبي المرسال (mRNA) غير متوفرة على نطاق واسع، ويُعَد لقاح شركة "أسترازينيكا" أقل فعَّالية في الوقاية من العدوى الناجمة عن السلالات المتحورة من فيروسات كورونا، التي تهيمن على البلد.

ومع ذلك، علَّقت جنوب أفريقيا مؤقتًا توزيع لقاح "جونسون آند جونسون" انتظارًا لمزيد من التحقيق في حالات التجلُّط.

References

  1. Greinacher, A. et al. N. Engl. J. Med. https://doi.org/10.1056/NEJMoa2104840 (2021). | article
  2. Schultz, N. H. et al. N. Engl. J. Med. https://doi.org/10.1056/NEJMoa2104882 (2021). | article
  3. Muir, K.-L., Kallam, A., Koepsell, S. A. & Gundabolu, K. N. Engl. J. Med. https://doi.org/10.1056/NEJMc2105869 (2021). | article