كتب وفنون

ماذا يلزم لحل أزمة منظومات الصرف الصحي؟

النقص العالمي في شبكات الصرف الصحي الآمنة أزمة تتطلب حلولًا مبتكرة ودعمًا

جوزي جلاوسيوز

  • Published online:
حافلة في مدينة بونه في الهند، حُوِّلت إلى مرحاض متنقل حيث يمكن للنساء الشعور بالأمان لدى قضاء حاجتهن".

حافلة في مدينة بونه في الهند، حُوِّلت إلى مرحاض متنقل حيث يمكن للنساء الشعور بالأمان لدى قضاء حاجتهن". 

Credit: Indranil Mukherjee/AFP/Getty

Pipe Dreams: The Urgent Global Quest to Transform the Toilet

Chelsea Wald

Avid Reader / Simon & Schuster (2021)

كتاب "أحلام النظافة: السعي العالمي نحو ثورة في منظومات المراحيض"

 تشيلسا والد

 دار نشر أفيد ريدر/سيمون آند شوستر

Waste: One Woman’s Fight Against America’s Dirty Secret

Catherine Coleman Flowers

The New Press (2020)

كتاب "فضلات: قصة كفاح امرأة للكشف عن سر أمريكا المشين"

 كاثرين كولمان فلاورز.

دار نشر ذا نيو بريس (2000).   

منذ القرن السادس قبل الميلاد، عندما بدأ الرومان في بناء "شبكة المجاري الكبرى" الخاصة بهم، أصبحت شبكات الصرف الصحي الآمنة تجسيدًا للحضارة. وبعد ما يزيد على ألفي عام، وصف روائي من العصر الفيكتوري شبكات المجاري التي تتسم بالكفاءة بأنها "أكثر نبلًا وقداسة" من أكثر لوحات السيدة العذراء إثارة للإعجاب والإكبار. وقد أدى إنشاء شبكة مجاري ضخمة في مدينة لندن في ستينيات القرن التاسع عشر إلى وضع حد للأوبئة المنقولة عبر المياه والناجمة عن بكتيريا الكوليرا التي أودت بحياة عشرات آلاف الأشخاص. وفي عام 2007، اختار أكثر من 11,300 قارئ لمجلة "ذا بي إم جيه" The BMJ الطبية الثورة في تدابير توفير المياه والصرف الصحي، التي تمثلت في إدخال مياه نقية إلى المناطق السكنية، والتخلص من مياه المجاري، بوصفهما الإنجاز الطبي الأهم منذ عام 1840.

وفي عصرنا الحالي، ثمة حاجة هائلة إلى مراحيض مبتكرة. على سبيل المثال، في عام 2017، افتقر مليارَا شخص إلى مراحيض تتمتع بالحد الأدنى من الكفاءة، ولا يزال 673 مليون شخص يضطرون إلى التغوط في العراء. ويرتبط ضعف تدابير توفير المياه النظيفة والصرف الصحي بانتقال أمراض مثل الكوليرا، والتيفويد، وشلل الأطفال، والتهاب الكبد الوبائي من النوع "إيه"، والرمد الحبيبي. من هنا، اعتمدت الأمم المتحدة توفير المياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي للجميع، بحلول عام 2030 كأحد أهداف التنمية المستدامة الخاصة بها، لكن هذا يكبِّد عشرات المليارات من الدولارات سنويًا، حسبما يكشف كتابان جديدان حول هذا الموضوع، هما: "أحلام النظافة" Pipe Dreams لتشيلسا والد، وكتاب "فضلات" Waste لكاثرين كولمان فلاورز.

تقول والد في كتابها الممتع، الذي ينم عن بحث متعمق، وولع باستشكاف تاريخ منظومات الصرف الصحي العتيقة وما شهدته من ابتكارات: "لمْ تعد المراحيض اليوم تبدو إعجازًا مثلما بدت فيما مضى". فمع نمو المدن، أصبحت البنى التحتية لمنظومات الصرف الصحي المتقادمة بها مثقلة بالأعباء، لا سيما في أثناء العواصف. ومواسير المجاري التي وُصِفت بالنبل يومًا ما، صارت اليوم تتعرض للانسداد المتكرر بفعل المواد الصلبة غير القابلة للتحلل، وهي تراكمات هائلة من الشحوم والمناديل الرطبة، لها قوام الخرسانة وثقل يعادل وزن عدة أفيال.

وتضيف والد في كتابها: "إن البنى التحتية للمنظومات الحديثة الخاصة بتوفير المياه النظيفة والصرف الصحي قد خلقت وهْمًا بأن فضلاتنا تختفي ببساطة على نحو يشبه السحر". بيد أنها تستدرك قائلة: "لكن أكوام الغائط لا ترحل ببساطة في سلام تاركة هذا العالم"، بل تبقى غالبًا غير معالجة وتسبب التسمم للأفراد والأنظمة البيئية. وترى والد أننا في حاجة إلى جيل جديد من المراحيض، يبدد كميات أقل من المياه، والمواد الغذائية، والطاقة. من ثم، ارتحلت والد من ألاسكا إلى إندونيسيا، مارةً ببقاع عديدة بين البلدين، كي تحاور عددًا من العلماء ومسئولي الصحة العامة ورواد الأعمال في مجال إنشاء شبكات المراحيض.

وجدير بالذكر أن بلدانًا عديدة تقترب من تحقيق أهداف التنمية المستدامة تلك، عبر تنفيذ مشروعات مبتكرة لتوفير المياه النظيفة والصرف الصحي بأدنى تكلفة. على سبيل المثال، في بلدة سنيك في هولندا، زارت والد شركة تدعى "دي ساه" DeSaH، ركبتْ مراحيض تعمل بالتفريغ الهوائي فيما يزيد على 200 شقة، حيث تشفط هذه المراحيض النفايات، التي تُعالج بعد ذلك في مرفق محلي صغير. ويستهلك كل مرحاض لترًا واحدًا من المياه للتخلص من الفضلات، في حين تستهلك المراحيض التقليدية 8 لترات في المعتاد. وتُستخدم أنظمة التفريغ الهوائي هذه في عدة مواقع بالدول الغنية مثل هولندا، والسويد، وفي المقرات الرئيسية الأوروبية لشركة "بلومبيرج" Bloomberg، في مدينة لندن. بيد أن نشر هذه التكنولوجيا الموفِّرة للمياه على مستوى عالمي، يشكل تحديًا؛ نظرًا لما يعترضها من عوائق مالية وغير ذلك من العقبات، حسبما تنوِّه والد.وتشير والد إلى مشروع اجتماعي في كينيا يُسمى "سانيفايشن" Sanivation، يجمع الغائط البشري ويعالجه، ثم يضغطه في "قوالب براز"، تُستخدم كمصدر للوقود. وحتى الآن، باعت الشركة القائمة على المشروع حوالي 1500 طن من هذه القوالب الكروية الصغيرة، وكل طن منها يساوي إنقاذ 88 شجرة. أما في إندونيسيا، حيث لا يتوفر إلا القليل من منظومات الصرف الصحي، فقد تابعت والد مشروعاتِ رائد الأعمال في مجال خدمات النظافة والصرف الصحي كوين إريانتو أوريبان، الذي موَّل تركيب الآلاف من خزانات الصرف الصحي المعقمة المصنوعة من الألياف الزجاجية، في فناءات المنازل في مدينة سورابايا، حيث استطاع أوريبان باستخدام النكات، ومجسمات للغائط من الورق المعجَّن، التسويق لمراحيض رخيصة وسهلة التركيب، تُستخدم داخل المنشآت، ويتصل كل منها بواحدة من تلك الخزانات، التي تحلل فيها البكتيريا الفضلات. ويُعد هذا المشروع جزءًا من حملة أكبر على مستوى البلاد تهدف إلى تقليل عدد من يضطرون إلى التبرز في الخلاء.

إن الشعور العالمي بالتقزُّز من عملية الإخراج نشرَ الدعابة والخوف على حدٍ سواء. على سبيل المثال، آمن البابليون القدماء بشيطان يسكن المراحيض يُسمى سولاك، قادر على الإتيان بالنحس أو الإصابة بالجروح أو الأمراض. وفي التقاليد اليهودية صاغ الحاخامات أدعية للملائكة التي تصاحب المرء إلى "بيت المرحاض" لتنتظره خارجه، وثمة دعاء يُردد عند الخروج من الحمّام.

غير أن هذا الخوف يكتسب أبعادًا حقيقية تمامًا لدى من لا تتوفر لهم مراحيض آمنة وصحية. على سبيل المثال، أشارت الدراسات في الهند وجنوب أفريقيا إلى أن النساء اللاتي يضطررن إلى مشاركة دورة المياه مع غرباء، أو إلى الخروج للتغوط في الخلاء هن أكثر عرضة لخطر الاغتصاب1،2. وغرف دورة المياه ذات الأبواب المزودة بأقفال داخلية ورفوف لتخزين منتجات العناية بالنظافة الشخصية خلال فترة الطمث، قد تساعد النساء والفتيات، من متوافقي الجنس والمتحولين جنسيًّا، على الشعور بالأمان والحفاظ على كرامتهن؛ كما أنها تقلل احتمالية التغيب عن الفصول الدراسية بين الطالبات في المدارس. من هنا، أعاد مخططو مدينة دوربان، بجنوب أفريقيا، وغيرها من البقاع، تجهيز حاويات الشحن لتلائم هذا الغرض.

ويمتد نقص كفاءة منظومات توفير المياه النظيفة والصرف الصحي إلى الولايات المتحدة، حيث يعيش أكثر من مليوني شخص بدون مياه جارية أو أبسط مقومات السباكة في الأماكن المغلقة، حسبما تشير فلاورز مناصرة الصحة البيئية.

فتصف فلاورز بالتفصيل في كتابها "فضلات"، الحملات التي أطلقتها، واستمرت على مدار عقود، لنشر الوعي بضعف تدابير توفير المياه النظيفة والصرف الصحي في المجتمعات الريفية الأمريكية. وقد ركزت على مقاطعة لاونديز، في ولاية ألاباما الأمريكية، وهي منطقة يشكل الجزءَ الأكبر من سكانها فقراءُ من السود، مثلها، هم أحفاد من استُعبِدوا سابقًا من الأفارقة هناك. وتعاني نسبة قوامها حوالي 90% من الأُسر بالمقاطعة من أنظمة تصريف مياه معطلة أو قاصرة. وقد أظهرت دراسة تناولت ساكني المقاطعة، ونشرت في عام 2017 (انظر المرجع رقم 33) أن أكثر من ثلثيهم كانوا مصابين بعدوى الدودة الشَّصِيَّة (الأنكلوستوما) التي تنتقل عبر البراز.

ولإصلاح تلك البنية التحتية المتهالكة، تحاجج فلاورز بأننا في حاجة إلى "حراك يشبه إعصارًا"، أو كارثة صحية عامة على غرار اكتشاف تلوث مياه الشرب بالرصاص في مدينة فلينت في ولاية مشيجان. وكما لاحظنا خلال جائحة "كوفيد-19"، في وسع السياسيين جمع مبالغ طائلة من المال سريعًا. بيد أنه من الصعب تصور أن إعصارًا قد يؤدي إلى إدخال أنظمة صرف صحي ذات كفاءة في مجتمع أغلبيته من السود، كما هو الحال في مدينة سينترفيل، بولاية إلينوي الأمريكية، حيث تتدفق مياه المجاري غير المعالجة بجوار المنازل على الرغم من أن السكان يدفعون مقابل خدمة الصرف الصحي المحلية.

ولعل ما نحتاجه حقًا هو ثورة بشرية جماعية، على غرار تلك التي تمثلها فلاورز والشراكات التي تعقدها مع المناطق المجاورة وصانعي القوانين والمنظمات العالمية؛ من أجل توفير مياه نظيفة، وخدمات صرف صحي لأولئك الذين حُرموا منهما. فعلى حد قول فلاورز: "لدينا جميعًا حق إنساني في المياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي".

References

  1. Jadhav, A., Weitzman, A. & Smith-Greenaway, E. BMC Public Health 16, 1139 (2016).| article
  2. Gibbs, A., Reddy, T., Khanyile, D. & Cawood, C. Glob. Public Health 16, 590–596 (2021). | article
  3. McKenna, M. L. et al. Am. J. Trop. Med. Hyg. 97, 1623–1628 (2017). | article

جوزي جلاوسيوز: صحفية علمية تُقيم في إسرائيل

تويتر:  @josiegz