أخبار

انطلاق أول رحلة جوية على المريخ يتيح سُبلًا جديدة لاستكشاف عوالم أخرى

حلَّقت طائرة الهليكوبتر "إنجنيوتي" التابعة لناسا بنجاح لمدة 40 ثانية في الغلاف الجوي الرقيق لكوكب المريخ.

ألكسندرا فيتزه

  • Published online:
التقطت مروحية "إنجنيوتي" التابعة لوكالة ناسا، والخاصة بكوكب المريخ، هذه الصورة لسطح المريخ في أثناء رحلتها الجوية الأولي.

التقطت مروحية "إنجنيوتي" التابعة لوكالة ناسا، والخاصة بكوكب المريخ، هذه الصورة لسطح المريخ في أثناء رحلتها الجوية الأولي.

Credit: NASA/JPL-Caltech

نجحتْ وكالة الفضاء الأمريكية "ناسا" في إجراء أوّل رحلة جوية في التاريخ باستخدام طائرة مزوَّدة بمحرك على كوكب آخر. ففي التاسع عشر من أبريل الماضي أقلعت المروحية الروبوتية المُسمَّاة "إنجنيويتي" Ingenuity - وهي جزء من مهمة المركبة الجوالة "بيرسيفيرانس" Perseverance التابعة لوكالة ناسا - من على سطح المريخ في رحلة جوّية استغرقت 39.1 ثانية، ما يجعله حدثًا بارزًا في مجال الطيران بين الكواكب.

تقول ميمي أونج، كبيرة مهندسي المشروع بمختبر الدفع النفاث (JPL) في باسادينا بكاليفورنيا: "نستطيع الآن القول إن البشر نجحوا في جعل مروحية تُحلِّق على كوكب آخر".

تماثل رحلة "إنجنيويتي" التجريبية القصيرة نجاحَ الأخوين رايت في قيادة طائرتهما فوق الكُثبان الساحلية بمدينة كيتي هوك في ولاية كارولينا الشمالية عام 1903، ولكن خارج الأرض. وإحياءً لهذه الذكرى، تحمل المروحية قطعة بحجم الطابع البريدي من نسيج الموسلين من طائرة الأخوين رايت. تقول أونج: "في كل عالَم توجد رحلة طيران أُولَى واحدة فقط".

جاءت الرحلة بعد تأخير دام أسبوعًا بسبب مشكلات برمجية، منعتْ هذه الطائرة المروحيَّة (الهليكوبتر) من الانتقال إلى وضع الطيران قبل يومين من محاولة الطيران التي كان مخططًا لها يوم الحادي عشر من أبريل الماضي. ونجحت "إنجنيويتي" في أثناء رحلتها الأولى في جعل مروحتها عكسية الدوران، المصنوعة من الألياف الكربونية، تدور بسرعة تبلغ 2400 دورة في الدقيقة، لمنحها قوة الرفع اللازمة كي تعلو ثلاثة أمتار في الهواء. حلَّقت الطائرة دون طيار هذه - التي تكلَّف صُنعها 85 مليون دولار - ثم دارت بمقدار 96 درجة، ضمن مناورة كان مُخططًا لها، وهبطت بأمان مرة أخرى على سطح المريخ. تقول أونج: "إنها رحلة الطيران الرائعة الأولى فحسب".

وفي رحلتيها الثانية والثالثة، يومي الثاني والعشرين والخامس والعشرين من الشهر نفسه، ارتفعت "إنجنيويتي" مسافة أكبر، بلغَتْ خمسة أمتار فوق سطح المريخ. وفي رحلتها الثالثة، قطعت الهليكوبتر مسافة أفقية مقدارها 50 مترًا، بسرعة قصوى بلغَتْ مترين في الثانية الواحدة، قبل أن تعود إلى نقطة الإقلاع. وثمة رحلة رابعة، مُقرَّر إجراؤها في الأيام المقبلة. وسوف تختبر كل رحلة جديدة حدودًا جديدة في قدرات "إنجنيويتي"، للوقوف على أداء هذه الطائرة في الغلاف الجوي الرقيق لكوكب المريخ، والذي لا تزيد كثافته على 1% من كثافة الغلاف الجوي للأرض. تقول أونج: "سوف نتجاوز الحدود القصوى لقدراتها"، وصولًا على الأرجح إلى مرحلة ستشهد تحطم "إنجنيويتي" في نهاية المطاف على نحوٍ متعمَّد.

مستكشِفة مستقبلية

سبق أن أرسلت وكالات الفضاء مركبات جوية تعمل بالانزلاق إلى كواكب أخرى من قبل. فعلى سبيل المثال، بعثت مهمتا "فيجا 1" Vega 1 و"فيجا 2" Vega 2، التابعتان للاتحاد السوفيتي، بمنطادين إلى الغلاف الجوي لكوكب الزهرة في 1985، غير أن "إنجنيويتي" تُعدُّ المركبة الأولى التي تقوم برحلة طيران يجري التحكَّم بها من كوكب آخر. يقول جون جرونسفلد، وهو رائد فضاء سابق أجاز برنامج "إنجنيويتي" في أثناء عمله نائبًا لمدير العلوم بوكالة ناسا: "أشعر بسعادة بالغة حيال ما انتهت إليه التجربة".

تهدف "إنجنيويتي" إلى اختبار ما إذا كان يمكن استخدام الطائرات الهليكوبتر لاستكشاف عوالم أخرى؛ فبينما تطير المركبة أعلى التضاريس، تلتقط صورًا بالأبيض والأسود للسطح بالأسفل، وصورًا ملونة بينما تنظر باتجاه الأفق. قد تتمكن طائرات الهليكوبتر في المستقبل من مساعدة المركبات الجوالة، أو حتى رواد الفضاء، على شقِّ طريقهم عبر سطح الكوكب، عن طريق البحث المُسبَق عن المناطق المثيرة للاهتمام، ونقل صور لما تبدو عليه التضاريس.

يمكن كذلك للمروحيات الكبيرة الوصول إلى مناطق يتعذَّر وصول المركبات الجوالة التي تسير على السطح إليها، حسبما يقول أنوباف داتا، وهو مهندس الطيران والفضاء الجوي بجامعة ميريلاند بمدينة كوليدج بارك الأمريكية، والذي ظلَّ عقودًا منكبًّا على الأفكار الأوَّلية لتطوير مروحيات تطير على كوكب المريخ. يقول أنوباف داتا: "إذا كنَّا جادين فيما يخص إرسال بعثات مأهولة بأطقم بشرية إلى المريخ، فيجب أن نكون جادين بشأن إرسال طائرات هليكوبتر كبيرة لاستكشاف ما ينتظرنا هناك فعليًّا. والأماكن التي تهمنا أكثر ونرغب في استكشافها لا تقع على الأرض المسطحة، بل على المنحدرات والجروف، وأسفل الفوهات، وداخل الكهوف". يمكن للكاميرات والأجهزة الأخرى المحمولة على متن طائرات الهليكوبتر جمع معلومات عن تلك الأماكن.

تعكف ناسا بالفعل على تطوير "أوكتوكوبتر" octocopter (أي طائرة هليكوبتر مزودة بمروحة من ثماني رِيَش) يماثل حجمها حجم السيارة، تُسمى "دراجون فلاي" Dragonfly، وتعتزم إرسالها إلى قمر "تيتان" Titan، أحد الأقمار التابعة لكوكب زُحل. سوف تستكشف المروحية، المُقرَّر إطلاقها عام 2027، الغلاف الجوي لهذا القمر، الذي تبلغ كثافته أربعة أضعاف كثافة الغلاف الجوي للأرض، وهو غني بالمركبات العضوية الأوَّلية. تختلف تلك البيئة كثيرًا عن البيئة التي تستكشفها "إنجنيويتي" على المريخ. لكن الدروس الأولى المستفادة من تجربة تحليق هذه الطائرة سوف تساعد على تصميم "دراجون فلاي". تقول إليزابيث ترتل - عالمة كواكب بمختبر الفيزياء التطبيقية بجامعة جونز هوبكنز في لوريل بولاية ميريلاند - والباحثة الرئيسية في مشروع "دراجون فلاي": "نتطلَّع إلى التعلم من خبرة فريق «إنجنيويتي» في التحليق عبر سماء خارج الأرض".

وصلت "إنجنيويتي" إلى فوهة "جيزيرو" Jezero بالمريخ في فبراير الماضي، وكانت مثبَّتة أسفل مركبة "بيرسيفيرانس" الجوالة. بعد ذلك، توجهت "بيرسيفيرانس" من موقع هبوطها إلى "مهبط" داخل الفوهة، خالٍ نسبيًّا من الصخور، حيث جرى إنزال "إنجنيويتي"، ثم سارت المركبة الجوالة إلى منطقة مرتفعة بعض الشيء، تبعُد مسافة تبلغ 65 مترًا، تُعد نقطة مراقبة مميزة، حيث شاهدت وصورت بالفيديو إقلاع "إنجنيويتي" الأولى ورحلة طيرانها.

كان التحدي الأكبر في تصميم "إنجنيويتي"، حسبما تقول أونج، أن تكون صغيرة الحجم وخفيفة الوزن بما يكفي لحملها أسفل مركبة "بيرسيفيرانس"، مع مراعاة أن تكون قادرة على الطيران. بلغ وزن الهليكوبتر في آخر الأمر 1.8 كيلوجرام فقط. واختبرها المهندسون على الأرض داخل غرفة خاصة في مختبر الدفع النفاث، حيث فُرِّغ من الهواء تمامًا تقريبًا لمحاكاة الغلاف الجوي الرقيق للمريخ.

التحليق في غلاف جوي رقيق

بالمقارنة بطائرة هليكوبتر ذات حجم مماثل على الأرض، لدى "إنجنيويتي" مروحة أكبر حجمًا، تدور أسرع كثيرًا كي ترفعها في هواء المريخ الرقيق. يقول داتا إنه سينتظر بلهفة معلومات بخصوص قدر الطاقة التي تستهلكها الهليكوبتر للتحليق. فهذه المعلومات ستساعد المهندسين على فهم الديناميكا الهوائية على المريخ بشكل أفضل.

ويأمل باحث آخر، يُدعى ويليام فاريل، يعمل بمركز جودارد لرحلات الفضاء التابع لناسا بمدينة جرينبلت في ولاية ميريلاند، أن تساعد طائرة "إنجنيويتي" العلماء على التوصّل إلى فهم أفضل للخصائص الكهربائية للغلاف الجوي للمريخ. لتحقيق ذلك، ستحتاج الطائرة إلى أن تطير، أو على الأقل أن تدور مروحتها، قرب وقت الغسق على المريخ. قدر فاريل وزملاؤه أن مروحة الهليكوبتر المتحركة قد تصبح مشحونة كهربائيًا عبر الاتصال بالغبار في الهواء المحيط (W. M. Farrell et al. Planet. Sci. J. 2, 46; 2021) مثلما يمكن لمروحة طائرة الهليكوبتر على الأرض اكتساب شحنة كهربائية في العواصف الرملية. يمكن لذلك أن يتسبَّب في إطلاق وهج أزرق أرجواني خافت على امتداد الرِّيَش، تكون أفضل مشاهدة له في الضوء الخافت وقت الغسق.

ونظرًا إلى طبيعة الغلاف الجوي الرقيق للمريخ، فإن الرياح هناك ليست قوية بشكل خاص. يمكن لمروحية "إنجنيويتي" تحمّل رياح أسرع قليلًا من عشرة أمتار في الثانية خلال الطيران ورياح أقوى عندما تكون مستقرة على الأرض. وهي تتزوَّد بالطاقة عن طريق الألواح الشمسية، لكي تظل دافئة في أثناء ليالي المريخ المتجمّدة، عندما تنخفض الحرارة إلى أقل من 90 درجة مئوية تحت الصفر عند فوهة "جيزيرو".

صُمِّمت المروحية لتدوم 30 يومًا مريخيًا فقط، وانتهت تلك الفترة يوم الرابع من مايو الجاري. بعد ذلك، سيوجّه فريق العلماء اهتمامهم مرة أخرى نحو مركبة "بيرسيفيرانس". ستبقى "إنجنيويتي" في مثواها الأخير داخل فوهة "جيزيرو"، بينما ستشق المركبة الجوالة طريقها نحو أداء مهمتها الرئيسية لجمع عيِّنات الصخور التي ستحملها خلال رحلة العودة إلى الأرض في نهاية المطاف.