افتتاحيات

دروس «كوفيد» التي ينبغي استيعابها قبل وضع معاهدة لمواجهة الجوائح

ربما تسهم المعاهدة في جعل الدول أكثر تأهُّبًا لمواجهة الجائحة القادمة، لكن علينا أولًا استيعاب دروس الجائحة الحالية.  

  • Published online:

خلال الأسبوع الماضي، دعا 27 من زعماء العالم، بينهم رئيس المجلس الأوروبي، والمدير العام لمنظمة الصحة العالمية، إلى وضع معاهدة قانونية مُلزِمة، من شأنها أن تؤهِّل العالَم لأنْ يكون أكثر استعدادًا لمواجهة الجوائح في المستقبل. وقد أسهم الاتحاد الأوروبي في إطلاق هذه المبادرة، التي دعمتها بعض دول الاتحاد الأفريقي، ودول في آسيا وأمريكا الجنوبية؛ غير أن الولايات المتحدة والصين لم تكونا ضمن المجموعة المؤسِّسة، الداعية إلى سَن هذه المعاهدة.

يتطلَّع هؤلاء الزعماء إلى وضع اتفاقية عالمية، تقوم على تنسيقها منظمة الصحة العالمية، لتُمكِّن البلدان من مشاركة ما لديها من خبرات، ومعدات، ومعلومات مشاركةً عادلة، من أجل السيطرة على الجوائح، والقضاء عليها. وقد كَتَب هؤلاء القادة سلسلة من مقالات الرأي، نُشرت على نحوٍ متزامن في عدد من الصحف حول العالم، جاء فيها: "معًا، يجب أن نكون أكثر استعدادًا للتنبؤ بالجوائح، ومنع وقوعها، وتعقُّبها إذا وقعت، وتقييمها، والتصدي لها بفاعلية، وبدرجة عالية من التنسيق".

ويرون أن معاهدة كهذه من شأنها أن تقدِّم لنا وجهًا مغايرًا لمجابهة الجوائح، بعيدًا كل البعد عن الاستجابة العالمية للجائحة الحالية، التي تفتقر إلى التعاون افتقارًا جليًّا. فالدول التي تُجْري أبحاث اللقاحات، وتتولى تصنيعها (مثل بعض بلدان الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، والهند) تستأثر بالنصيب الأكبر من مخزون اللقاحات، أو تفرض قيودًا على تصديرها إلى غيرها من البلدان. وفي الوقت الراهن، تسعى دول غنية عدَّة إلى حماية الملكية الفكرية للتقنيات المهمة ذات الصلة بإنتاج اللقاحات. وفي مرحلة سابقة من عمر الجائحة، رأينا كيف تنافسَتْ الدول فيما بينها على أدوات الحماية الشخصية، وأدوات الكشف عن فيروس كورونا.

وعلى الرغم من أن الهدف وراء إقرار معاهدة لمواجهة الجوائح هدف له وجاهته، ليس من الواضح إذا كان من شأن هذه الوثيقة أن تقود – على أرض الواقع – إلى تدشين استجابة موحَّدة للجوائح المستقبلية، وتحقيق قدرٍ أكبر من العدالة. فعندما وقعت الأزمة المالية العالمية في عام 2008، عمل زعماء الدول، بالتنسيق مع وزراء المالية ورؤساء المؤسسات المالية، على إعادة الاستقرار إلى الاقتصاد العالمي. لم يكونوا بحاجة إلى معاهدة؛ والأمر نفسه يصدُق على أولئك الذين يلتمسون سبيلًا للخروج من هذه الجائحة.

والحقُّ أن مدَّ جسور التعاون فيما بين الدول، واتخاذ عدد من القرارات المشتركة، على نحو ما دعت إليه أطراف عدة، من بينها هذه الدورية، كان – ولا يزال – خيارًا سانحًا تمامًا. فعند الحديث عن اللقاحات، على سبيل المثال، كان من الممكن عقد اتفاقية تسمح بتبادُل المعارف، والتقنيات، والإمدادات، بما يتيح توفير الحماية للفئات الأكثر عُرضة لأخطار المرض على مستوى العالم أولًا. وكان من الممكن، أيضًا، أن تتعاون الدول على نحو مماثل، من خلال مشاركة الأبحاث والتجارب، لوضع المعايير اللازمة لفرض الإغلاق ورفعه، وفتح الحدود وغلقها.

"وضع معاهدة دولية سوف يتطلب توسيع دائرة الداعمين، إضافةً إلى التحلِّي بالصبر، وتقديم التنازلات المتبادَلة".

هذا لا يعني، رغم ذلك، أن معاهدة مواجهة الجوائح فكرة غير قابلة للتطبيق؛ فاتباع نهج تعدُّدي خير من أن تتصرف كل دولة على حدة. غير أن وضع معاهدة كهذه يستلزم توخِّي الحذر، ودراسة الاستجابة الحالية للجائحة دراسةً متمعّنة. كما أنها ستتطلب كذلك توسيع دائرة الداعمين، بحيث تتخطى الدعم المقدَّم من القادة المؤسِّسين، إضافةً إلى التحلِّي بالصبر، وتقديم التنازلات المتبادَلة.

كيف السبيل إلى وضع معاهدة دولية؟

يلزَم أن تكون معاهدة مواجهة الجوائح مستوفيةً أربعة شروط على الأقل. أولًا، يجب أن تُوَقِّع على المعاهدات الدولية دول العالَم أجمع؛ وهو ما لم يتحقق، إلى الآن، سوى من قِبَل عدد قليل من الدول. وينبغي تفهُّم أن لدى الدول المختلفة أسبابًا مختلفة للانضمام إلى تلك المعاهدات. أضف إلى ذلك أن وضع معاهدة دولية يستلزم انضمام الصين والولايات المتحدة؛ وهو الأمر الذي تحوم حوله الشكوك حاليًّا، على ضوء تجدُّد التوترات في العلاقات بين الشرق والغرب. كما أن مفاوضات المعاهدة قد تستغرق سنوات - وربما عقودًا – ولذا، علينا أن نتبنَّى سياسة النفَس الطويل.

ثانيًا، تحتاج المعاهدة إلى مشاركة فاعلة من الأوساط البحثية والمنظمات غير الحكومية. فبالعودة إلى التاريخ، يتجلَّى كيف أن هاتين الفئتين لعِبَتا دورًا حاسمًا في وضع المعاهدات الدولية. لقد ساعدت التحذيرات التي أطلقها الباحثون على الاتفاق على صياغة معاهدات دولية بخصوص استنزاف طبقة الأوزون، وتغير المناخ. كما أسهمت المنظمات غير الحكومية في وضع معاهدات التنوع البيولوجي، ومعاهدة حظر الأسلحة النووية، التي دخلت حيز التنفيذ في يناير الماضي. غير أن أصوات هذه المنظمات لم تُسمع بعد، فيما يتصل بمعاهدة التصدي للجوائح، كما لم تُسمع أصوات آلاف الأطباء، وعلماء الأوبئة، وعلماء الوراثة، واختصاصيّي الصحة العامة، وعلماء الفيروسات، وكثيرين غيرهم ممن يلعبون دورًا محوريًّا في التصدي للجائحة؛ ولا بد من سماع أصواتهم.

ثالثًا، قبل الشروع في التفاوض بشأن المعاهدة الجديدة، يتعين على الدول دراسة أسباب فشل الاتفاقيات الحالية. فبموجب خطة الاتحاد الأوروبي لمكافحة الجائحة، مثلًا، جُمعت اللقاحات التي أمكن شراؤها في مركز واحد، ومن ثم جرى توزيعها على الدول حسب الفئات ذات الأولوية. بيد أنه قد تبيَّن أن هذا النهج مثير للجدل، إذ مَنَعَ الدول من شراء الإمدادات الخاصة بها. وكان من نتيجة ذلك أن اتجهت بعض دول الاتحاد الأوروبي إلى انتهاك الاتفاقية، والتماس اللقاحات خارج إطار ذلك المركز الموحَّد.

والملاحَظ أن مبادرة "كوفاكس" COVAX، المعنية بإتاحة لقاحات "كوفيد–19" على مستوى العالم، تتحقق فيها بعض عناصر المعاهدات؛ فقد تعهَّدَ عدد من الدول والجهات المموِّلة بالمشاركة في تمويل اللقاحات، وتوفيرها للفئات الأكثر عُرضة لأخطار المرض، في الدول الأشد احتياجًا. وهذه مبادرة مهمة، تهدف إلى ضمان حصول هذه الفئات على اللقاح أولًا. ورغم ذلك، فمن الواضح أن الدول المتبرعة لا توفر الإمدادات للدول المستفيدة من برنامج "كوفاكس"، إلا بعد الانتهاء من تأمين اللقاحات لمواطنيها.

وقد بات من الواضح أنه على الرغم من إعلان الدول التزامها بمبدأ التوزيع العادل، نرى أن ما يحدث على أرض الواقع مختلف تمامًا. وإنْ دلَّ هذا على شيء، فإنما يدلُّ على أن ثمة خطرًا قائمًا، يتمثل في أنه لدى حدوث جائحة أخرى، ستعود الدول إلى التنافس فيما بينها على الإمدادات؛ حتى في ظل وجود معاهدة تُلْزِمها بالتقيُّد بضوابط التوزيع العادل.

رابعًا، إذا تقرَّر وضع معاهدة جديدة، تقوم على تنفيذها منظمة الصحة العالمية، فيتعيَّن على الدول إجراء حوار صريح حول مدى استعدادها لمَنْح هذه المنظمة مزيدًا من الصلاحيات. فقد رأينا كيف أن المنظمة عكفت على تقديم الإرشادات الصحية، حتى قبل إعلانها أن وباء "كوفيد-19" بات يشكل "طارئة صحية عمومية تثير قلقًا دوليًّا"، منذ أكثر من عام مضى. كانت بعض الدول أقدر من غيرها على اتباع تعليماتها، وأحرزَتْ نجاحًا أكبر في القضاء على الفيروس، وهذا ما لم يحدث في حالة دول أخرى. ولكي تنجح معاهدة تُشرِف عليها منظمة الصحة العالمية، سيكون لزامًا على جميع الدول احترام توصياتها.

إثر وقوع الأزمة المالية العالمية في عام 2008، أدرك قادة العالم ضرورة إصلاح بعض الجوانب في هيكل التمويل الدولي. على أنك لا تستطيع إصلاح نظام معيب في وسط الأزمة؛ فالمعاهدة التي من شأنها أن تصلح عيوب اليوم يمكن أن تكون وسيلة ناجعة لمواجهة الجوائح المستقبلية. ولكنْ في ظل الوضع الراهن، إذ لا تزال الدول تتحسس طريقها للخروج من هذه الأزمة، من المهم أن نتذكر أننا لسنا في حاجة إلى قانون دولي لنرفع سماعة الهاتف، ونتبادل الرؤى.