أنباء وآراء

التسخين يجمّد الإلكترونات في الجرافين الملتوي ثنائي الطبقات

تتحرك الإلكترونات في المعتاد بحرية أكبر عند درجات الحرارة المرتفعة، ولكنْ لوحظ الآن أنها "تتجمد" مع ارتفاع درجة الحرارة، في منظومة تتكون من طبقتي جرافين متراكبتين لكنْ مختلفين بعض الشيء في تحاذيهما.

بياو ليان
  • Published online:

تهتزّ الجسيمات في المواد بشكل عشوائي وبقوة أكبر عند درجات الحرارة المرتفعة، وهو ما يؤدي إلى انصهار المواد الصلبة متحوّلة إلى سوائل عند تجاوُزها لدرجة حرارة حرجة. ووفقًا لقوانين علم الديناميكا الحرارية، تميل درجات الحرارة الأعلى إلى تكوين الحالات التي تتسم بقدر أكبر من الإنتروبيا أو القصور الحراري، وهو مقياس للعشوائية. وتتسم الحالة السائلة للمادة عادةً بقصور حراري أكبر من الحالة الصلبة، لأن حركة الذرات فيها تكون أكثر عشوائية. مع ذلك، يحدث استثناء لهذه القاعدة في حال الهيليوم-3، الذي يتجمّد متحولًا إلى الحالة الصلبة مع ارتفاع درجة الحرارة1. ويُطلق على هذا السلوك تأثير بوميرانشوك، وهو يحدث لأن الحالة الصلبة من الهيليوم-3 تتمتع بقصور حراري أكبر من الحالة السائلة منه. وهذه ظاهرة مرتبطة بتذبذب اللفّ المغزلي (الزخم الزاوي) لذرات الهيليوم-3. ويصف يو سايتو وزملاؤه2 وأساف روزين وزملاؤه3 في بحثين نُشرا مؤخرًا في دورية Nature، تأثيرًا مشابهًا يحدث في إحدى منظومات الجرافين، وجدوا فيها أن الإلكترونات "تتجمّد" مع ارتفاع درجة الحرارة.

وتتكون المنظومة موضع الدراسة من لوحين متراكبين من الجرافين، أو طبقتين مفردتين من ذرات الكربون، تشكل فيهما الذرات شبكة سداسية الشكل. ويكون اللوح العلوي ملتويًا، بحيث يخلّ بمحاذاته مع اللوح السفلي. وهذا يؤدي إلى انتظام الذرات في نمط متكرر يُعرف بنمط مواريه (الشكل 1أ). وعندما تساوي زاوية هذا الالتواء درجة واحدة (فيما يُعرف بالزاوية "السحرية")، تصبح نطاقات طاقة الإلكترونات في الجرافين الملتوي ثنائي الطبقات مسطحة تقريبًا4؛ أي إن سرعة الإلكترونات تصبح أبطأ كثيرًا من المعتاد.

الشكل 1 | انتقال طوري في الجرافين الملتوي ثنائي الطبقات ذي الزاوية السحرية. أ، أجرى يو سايتو وفريقه البحثي2 وأساف روزين وفريقه البحثي3 قياسات لانتقال الكهرباء في الجرافين الملتوي ثنائي الطبقات ذي الزاوية السحرية، وهي منظومة تتكون من طبقتين من ذرات الكربون المنتظمة في شكل سداسي. وهاتان الطبقتان متراكبتان بحيث تحيد إحداهما عن محاذاة الأخرى بزاوية التواء مقدارها درجة مئوية واحدة. ب، وقد اكتشف كلا الفريقين البحثيين، أنه عندما يكون ربع واحد من نطاقات الطاقة المسطحة في هذه المنظومة مملوءًا بالإلكترونات، تنتقل الإلكترونات في حالة التسخين من الطور المعدني الذي تخضع فيه الإلكترونات لحركة عشوائية إلى طور العزل حيث تنتظم الإلكترونات في مواضع ثابتة. ويشير التفسير الأكثر منطقية لهذه الظاهرة إلى اللفّات النظائرية (المشار إليها بالأسهم الحمراء)، وهو مفهوم عام يشير إلى اللفّ المغزليّ للإلكترونات (الزخم الزاوي) الذي يكتنف أكثر من ثلاثة أبعاد. ويُشير الفريقان البحثيان إلى أن اللفّات النظائرية في الطور العازل تتحاذى بشكل عام بحيث تسلك اتجاهًا واحدًا، لكن رغم ذلك تكون الإلكترونات فيها حرّة الحركة تقريبًا، في حين يُعتقد أن اتجاهات اللفّات النظائرية في الطور المعدني تنحصر في نطاقات ضيقة، وتحدث على نحوٍ يحيّد تأثير نمط محاذاتها الكلّيّ. ومن ثم، يتسم طور العزل بقصور حراري (عشوائية) أعلى من الطور المعدني، الذي يتشكل في الأغلب عند درجات الحرارة المرتفعة.

الشكل 1 | انتقال طوري في الجرافين الملتوي ثنائي الطبقات ذي الزاوية السحرية. أ، أجرى يو سايتو وفريقه البحثي2 وأساف روزين وفريقه البحثي3 قياسات لانتقال الكهرباء في الجرافين الملتوي ثنائي الطبقات ذي الزاوية السحرية، وهي منظومة تتكون من طبقتين من ذرات الكربون المنتظمة في شكل سداسي. وهاتان الطبقتان متراكبتان بحيث تحيد إحداهما عن محاذاة الأخرى بزاوية التواء مقدارها درجة مئوية واحدة. ب، وقد اكتشف كلا الفريقين البحثيين، أنه عندما يكون ربع واحد من نطاقات الطاقة المسطحة في هذه المنظومة مملوءًا بالإلكترونات، تنتقل الإلكترونات في حالة التسخين من الطور المعدني الذي تخضع فيه الإلكترونات لحركة عشوائية إلى طور العزل حيث تنتظم الإلكترونات في مواضع ثابتة. ويشير التفسير الأكثر منطقية لهذه الظاهرة إلى اللفّات النظائرية (المشار إليها بالأسهم الحمراء)، وهو مفهوم عام يشير إلى اللفّ المغزليّ للإلكترونات (الزخم الزاوي) الذي يكتنف أكثر من ثلاثة أبعاد. ويُشير الفريقان البحثيان إلى أن اللفّات النظائرية في الطور العازل تتحاذى بشكل عام بحيث تسلك اتجاهًا واحدًا، لكن رغم ذلك تكون الإلكترونات فيها حرّة الحركة تقريبًا، في حين يُعتقد أن اتجاهات اللفّات النظائرية في الطور المعدني تنحصر في نطاقات ضيقة، وتحدث على نحوٍ يحيّد تأثير نمط محاذاتها الكلّيّ. ومن ثم، يتسم طور العزل بقصور حراري (عشوائية) أعلى من الطور المعدني، الذي يتشكل في الأغلب عند درجات الحرارة المرتفعة.

كبر الصورة

نتيجة لذلك، يخضع سلوك الإلكترونات إلى تفاعل (كولوم) التنافري، وهو ما يؤدي إلى نشوء أطوار لا توجد في الطبقات المفردة من الجرافين5-8. وعند درجات الحرارة المنخفضة (التي تقل عن نطاق يتراوح بين 5 كلفنات إلى 10 كلفنات)، عندما يتم ضبط عدد الإلكترونات لتملأ رُبعًا واحدًا أو أكثر من هذه النطاقات المسطحة، تكوِّن المنظومة عادةً طورًا عازلًا للكهرباء بسبب التفاعلات بين الإلكترونات. في المقابل، عندما ينحرف عدد الإلكترونات عن العدد اللازم لملء الأرباع، يتحوّل النظام حينها إما إلى معدن (ذي مقاومة كهربائية منخفضة) أو إلى موصّل فائق (ذي مقاومة صفرية).

وبوجه عام، يمكن أن نعُد المعادن الحالة السائلة للإلكترونات، التي يطلق عليها الفيزيائيون حالة سائل فيرمي. في المقابل، يمكن أن نعُد المواد العازلة الحالة الصلبة للإلكترونات، حيث تتجمّد الإلكترونات في مواضعها وتتحاذى في مصفوفات منتظمة. وتتسم الحالات العازلة غالبًا بقصور حراري أقل من الحالات المعدنية، لأن الإلكترونات تكون فيها أكثر تنظيمًا. من ثم، يُتوقع عادةً أن تتحول الحالات العازلة إلى معادن مع ارتفاع درجات الحرارة.

لكن لاحظ سايتو وروزين وفريقاهما ظاهرة مناقضة تمامًا في الجرافين الملتوي ثنائي الطبقات ذي الزاوية السحرية. فمن خلال قياس انتقال الكهرباء في هذه المنظومة، اكتشف كلا الفريقين البحثيين أن الجرافين الملتوي ثنائيَ الطبقات ذا الزاوية السحرية ينتقل من الطور المعدني إلى الطور العازل مع ارتفاع درجة الحرارة، عندما يتم ضبط عدد الإلكترونات بحيث يشغل ربعًا واحدًا تقريبًا من النطاقات المسطحة. ويحدث هذا الانتقال عند درجة حرارة تبلغ 10 كلفنات تقريبًا. أما الطور العازل، فيستمر حتى درجة حرارة تتراوح تقريبًا بين 70 كلفنًا إلى 100 كلفن.

ونستخلص من ذلك أن كلتا التجربتين تكشفان حدوث تأثير بوميرانشوك في الإلكترونات، على نحو مماثل للظاهرة الملحوظة في ذرات الهيليوم-3 1. ولفهم سبب نشأة هذا التأثير، قاس سايتو وروزين وفريقاهما القصور الحراري في جرافين ملتوي ثنائي الطبقات ذي زاوية سحرية، تملأ الإلكترونات أحد أرباعه، واكتشفا أن القصور الحراري لكل إلكترون في الطور العازل الذي ينشأ بارتفاع درجة الحرارة يكون أكبر منه في الطور المعدني الذي ينشأ بانخفاض درجة الحرارة بمقدار يبلغ كسرًا من ثابت بولتزمان (وهو ثابت اختصاره kB، ويبلغ 1.38 × 10–23 جول لكل كلفن)، أي أكبر بما يعادل حوالي 0.2 من هذا الثابت في تجربة سايتو وزملائه، وبما تصل قيمته إلى حوالي 0.8 من الثابت نفسه في تجربة روزين وزملائه. وهذا يكافئ تقريبًا نسبة القصور الحراري في حال اللف المغزليّ لإلكترونات حرة.

وتتسم الإلكترونات في الجرافين الملتوي ثنائي الطبقات بلف مغزلي ودرجة دنيا من الحرية في نطاق الطاقة (حد أدنى من الحرية في موضع معين من هيكل نطاق الطاقة الإلكتروني في الجرافين وحيد الطبقة)، وكلا هاتين السمتين يمكن أن يُنظر إليهما معًا على أنهما تشكلان لفًّا نظائريًا، وهو مفهوم أعم للف المغزلي، يكتنف أكثر من ثلاثة أبعاد لهذا اللف. وبناءً على ذلك، ذهب الفريقان البحثيان إلى أن الطور العازل الذي يحدث في درجة الحرارة المرتفعة هو عزل مغناطيسي حديديّ ذو درجة شديدة الانخفاض من التماسك الإلكتروني في اللفّ النظائري؛ أي إن الإلكترونات بوجه عام تتحاذى في اللف النظائري لها، بحيث تسلك الاتجاه نفسه، لكن هذه المحاذاة لا تنحصر في نطاقات ضيقة (انظر الشكل 1ب). في المقابل، يعتقد الفريقان أن الإلكترونات في الطور المعدني الذي ينشأ في درجة الحرارة المنخفضة تنحصر في نطاقات ضيقة جدًا، بحيث تنتج عددًا متساويًا من اللفّات النظائرية في اتجاهات متقابلة، وبحيث تكون الحصيلة الإجمالية للفات النظائرية صفرًا. من هنا، فإن القصور الحراري الإضافي الناشئ عن اللفّات النظائرية للإلكترونات في الطور العازل يميل إلى تكوين هذا الطور عند درجات الحرارة المرتفعة.

هذه الفكرة مدعومة بتجارب تكشف أنه في حالة استخدام مجال مغناطيسي موازٍ لألواح الجرافين فإنه يستقطب الجزء الدوّار في حركة اللفّ النظائري للإلكترون في الطور العازل، دون التسبب في اضطراب في حركة الإلكترون. وقد لاحظ سايتو وزملاؤه في تجربتهما نشوء عزم مغناطيسي كبير في الطور العازل، في حين اكتشف روزين وزملاؤه أن القصور الحراري في الطور العازل انخفض تقريبًا بمقدار الكمية المتوقع أن تسهم بها اللفّات المغزليّة الإلكترونية الحرة في هذا القصور. وتتفق هاتان الملاحظتان بقدْر كبير مع الفكرة التي تذهب إلى أن تماسُك اللفّ النظائري يكون منخفضًا في هذا الطور، أي إن محاذاة اللفّات النظائرية في الحالة العازلة تتعرض بسهولة للاضطراب بفعل المجال المغناطيسي.

فضلًا عن ذلك، لاحظ سايتو وزملاؤه انخفاضًا في عدد الإلكترونات التي قد تحتل مستوىً معينًا من الطاقة بشكل متزامن عند إضافة مجال مغناطيسي عمودي إلى المنظومة في أثناء انتقالها من الطور المعدني إلى الطور العازل. ولاحظ روزين وزملاؤه وجود ارتفاع حادّ في قابلية الإلكترونات للانضغاط (وهو مقياس لمدى صعوبة زيادة كثافتها) في الظروف نفسها. وتشير هاتان الظاهرتان إلى أن الطريقة التي تشغل بها الإلكترونات منظومة الجرافين يُعاد ضبطها، إذ تنتقل من الطور المعدني الذي ينعدم فيه بوجه عام استقطاب الإلكترونات في أثناء اللفّ النظائري، لتتحول إلى طور العزل المغناطيسي الحديديّ ذي الاستقطاب في أثناء اللف النظائري. ولا يمكن حدوث هذا التغيُّر أو تكوين الطور العازل في غياب التفاعلات بين الإلكترونات.

إن اكتشاف الفريقين لتأثير بوميرانشوك الإلكتروني هنا يلقي الضوء على الأطوار التي تحدث في الجرافين الملتوي ثنائي الطبقات ذي الزاوية السحرية. والآن، توجد حاجة إلى المزيد من القياسات الدقيقة لتماسك اللفّ النظائري من أجل تحديد كمية الطاقة المطلوبة لتحويل اللفّات المغزلية للإلكترونات من الحالة الخالية من الاستقطاب إلى حالة الاستقطاب، واستنباط ما إذا كانت التذبذبات في اللفّ المغزليّ التي تحدث في الطور العازل تحسِّن طور التوصيل الفائق في منظومة الجرافين، أم تضرّ به. وهذا من شأنه أن يعزز فهمنا لآلية التوصيل الفائق في هذه المنظومة وقابليتها للضبط بدقة.

وتجدر الإشارة إلى أن هذه الاكتشافات الجديدة تترك الكثير من الأسئلة عالقة بلا جواب. على سبيل المثال، هل يَفصل بين الطور المعدني الذي ينشأ بانخفاض درجة الحرارة والطور العازل الذي ينشأ بارتفاع درجة الحرارة انتقال طوري من الدرجة الأولى (يتصف بحدوث تغيير مفاجئ في الخواص الديناميكية الحرارية)؟ أم أن هناك انتقالًا (عبورًا) أكثر سلاسة من أحد الطورين إلى الآخر؟ ويتعلق سؤال آخر بالسبب وراء غياب تأثير بوميرانشوك الإلكتروني في الحالات الأخرى التي تشغل فيها الإلكترونات أرباعًا من هيكل نطاق الطاقة في الجرافين الملتوي ثنائي الطبقات ذي الزاوية السحرية (عندما يكون هذا النطاق مشغولًا حتى نِصفه، أو ثلاثة أرباعه، على سبيل المثال)، وذلك بالنظر إلى إمكانية حدوث سلوك مشابه عند مستويات الإشغال هذه. ومن شأن الإجابات عن هذين السؤالين أن تساعد الفيزيائيين على اكتشاف المزيد من حالات المادة المثيرة للاهتمام وتصميمها في هذه المنظومة، وفي العديد من منظومات مواريه الأخرى التي تخضع للدراسة حاليًا.

References

  1. Pomeranchuk, I. Zh. Eksp. Teor. Fiz. 20, 919–926 (1950). 
  2. Saito, Y. et al. Nature 592, 220–224 (2021). | article
  3. Rozen, A. et al. Nature 592, 214–219 (2021). | article
  4. Bistritzer, R. & MacDonald, A. H. Proc. Natl Acad. Sci. USA 108, 12233–12237 (2011). | article
  5. Bistritzer, R. & MacDonald, A. H. Proc. Natl Acad. Sci. USA 108, 12233–12237 (2011). | article
  6. Cao, Y. et al. Nature 556, 43–50 (2018). | article
  7. Yankowitz, M. et al. Science 363, 1059–1064 (2019). | article
  8. Lu, X. et al. Nature 574, 653–657 (2019). | article

بياو ليان: هو أستاذ بقسم الفيزياء، من جامعة برينستون، في برينستون بولاية نيوجيرسي الأمريكية، 08544، الولايات المتحدة الأمريكية.

البريد الإلكتروني: biao@princeton.edu