أنباء وآراء

تبريد المادة المضادة باستخدام ضوء الليزر

استُخدِم شعاع من الليزر لإبطاء ذرات من الهيدروجين المضاد، وهي أبسط الذرات المكوَّنة من مادة مضادة خالصة. وقد تتيح هذه التقنية فحص بعض ظواهر التناظُر الأساسية في الكون بدقةٍ فائقة.

ماساكي هوري

  • Published online:

تُمَيِّز نموذجَ فيزياء الجسيمات القياسي سمةٌ أساسية غريبة، تتمثل في عدم احتمالية أن تتغير أي ظاهرة مجهرية إن طرأ عليها تحوُّلان افتراضيان معينان. ويُطلَق على أحد هذين القيدين الأساسيين المفروضين على تغيُّر الظواهر اسم "تناظر الشحن والتكافؤ، وانعكاس الزمن"، أو اختصارًا (تناظر CPT)، ويُقصد به أنَّنا لو افترضنا أنَّ كل المادة الموجودة في الكون قد حلَّت محلها مادة مضادة، وأنها تحولت في الوقت نفسه إلى نسختها المعكوسة، وأن تدفق الزمن قد انعكس، فسيصير الكون الافتراضي الناتج غير قابل للتمييز عن كوننا الفعلي على المستوى المجهري. وفضلًا عن ذلك، يتنبأ مبدأ التكافؤ الذي تقوم عليه نظرية النسبية العامة لألبرت آينتشتاين بأنَّ المادة والمادة المضادة تسقطان نحو الأرض بتسارع متساوٍ.

وهاتان القاعدتان أساسيتان جدًّا إلى حدِّ أنَّه سيصعب صياغة فَهم متسقٍ للطبيعة بدونهما. ومع ذلك، يجدر بنا اختبار ما إذا كانتا تظلان قائمتين بالفعل لدى استخدام القياسات فائقة الدقة التي تُجرى بأحدث التقنيات، أم لا، لأنَّ أي انحراف، مهما كان صغيرًا، سيجعل العلماء مضطرين إلى إجراء إعادة تفكير جذرية في أساس نظرياتنا عن الفيزياء. ومن هنا، يستعرض الباحث كريستوفر بيكر وفريقه البحثي1 (من أعضاء التعاوُن البحثي المُشرِف على تجربة "ألفا" ALPHA)، في بحث نُشر مؤخرًا في دورية Nature، خطوة كبرى اتُخذت في سبيل تحقيق هذه الغاية، إذ أبطأوا سرعة ذرات من الهيدروجين المضاد – أي نظير الهيدروجين من المادة المضادة – إلى سرعات منخفضة إلى حد غير مسبوق بغمرِ هذه الذرات في شعاع من ضوء الليزر فوق البنفسجي. وقد يُتيح ذلك إجراء القياسات المتعلقة بالذرات بدقة فائقة.

وتجدر الإشارة إلى أنَّ ذَرّة الهيدروجين المضاد هي أبسط ذَرّة مستقرة، ولا تتكون إلَّا من جسيمات مادة مضادة، وتحديدًا بروتون مضاد وإلكترون مضاد (أي بوزيترون). صحيحٌ أنَّ تحديد قياسات الهيدروجين المضاد يُعَد طريقة مثالية لفحص مدى التناظر بين المادة والمادة المضادة، إلا أن إجراء مثل هذه التجارب تواجهه عقبات هائلة. وعلى سبيل المثال، في عام 1995، أنتِجَت 11 ذرة هيدروجين مضاد من تفاعلات في مسرِّع جسيمات لدى المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية (CERN) المعنية بتجارب فيزياء الجسيمات الأوروبية، والواقعة بالقرب من مدينة جنيف السويسرية، حيث دُفِعَت هذه الذرات على طول أنبوب مفرغ، طوله 10 أمتار، بسرعة تبلغ تسعة أعشار سرعة الضوء2. ولم تكد كل ذرة تبقى سوى بضع عشراتٍ من النانوثوان، حتى دُمِّرت بالاصطدام بأحد كاشفات الجسيمات.

تلت هذه التجربة أبحاث أخرى حول الهيدروجين المضاد، وتضمَّن الكثير منها طرقًا جديدة لإنتاج عينات من ذرات تتحرَّك بوتيرة متباطئة. وقد تَحقَّق ذلك في النهاية باحتجاز سُحُب من البروتونات المضادة، والبوزيترونات، ومزجها معًا في مجالاتٍ مغناطيسية كانت بمثابة مصايد أيونات لإنتاج ذرات الهيدروجين المضاد. بعد ذلك، احتُجِزَت هذه الذرات في تشكيلة أخرى معقدة من المجالات المغناطيسية، كانت بمثابة مصيدة ذرات متعادلة الشحنة3، 4. ويستطيع الآن تعاوُن "ألفا" البحثي في منشأة مُبطئ البروتونات المضادة، التابعة للمنظمة الأوروبية للأبحاث النووية، أن يحتجز - بصفة دورية - 1000 ذرة هيدروجين مضاد لساعات عديدة بهذه الطريقة. وقد أتاح ذلك قياس5 التردد الذري للهيدروجين المضاد – الذي يُعادل الطاقة الناجمة عن انتقال إلكتروني معين بين مستويات طاقة الذرة - بدقة طفيفة قيمتها جزءان في 1012. ولم يُرصَد أي انحراف لقيمة هذا التردد عن قيمة تردد الهيدروجين العادي المقابل له. وهذه هي النتيجة المتوقعة بالضبط، بناء على تناظر الشحن والتكافؤ، وانعكاس الزمن.

وهذه التجارب تواجهها عقبة كبرى تنشأ من حقيقة أنَّ ذرات الهيدروجين المضاد التي تُدرَس، وإنْ كانت أبطأ بفارق هائل من مثيلاتها الأولى التي أنتِجَت قبل 25 عامًا، ما زالت تتحرك بعشوائية داخل المصيدة المغناطيسية بسرعات تبلغ 300 كيلومتر في الساعة. ويلزم وجود عينات من ذرات أبطأ لتحقيق دقة قياس أكبر، ولتسهيل التجارب المستقبلية المعنية بدراسة السقوط الحر للهيدروجين المضاد بتأثير قوى الجاذبية. وثمة مشكلات مشابهة تؤثر في بعض مقترحات تصميمات الحواسيب الكمية6، التي يجب أن تبقى فيها الأيونات المحتجزة شبه ساكنة، قبل أن يجري التلاعُب بها باستخدام أشعة الليزر لتخزين بِتات كمية من المعلومات.

صحيحٌ أنَّ بعض ذرات الهيليوم شبه المستقر ذي البروتونات المضادة، التي حلَّ فيها بروتون مضاد محل أحد إلكتروني ذرة الهيليوم، قد أُبطِئ ببساطة بغمره في غازٍ من مادة أبرد7، لكنَّ هذا النهج لن يكون عمليًّا عند تطبيقه على ذرات الهيدروجين المضاد، لأنها ستفنى فورًا في تفاعل بين المادة والمادة المضادة. وعلى النقيض من ذلك، تستطيع أشعة ضوء معينة أن تؤثر ميكانيكيًّا في المادة8-13 والمادة المضادة، دون أن تُسبب فَناء المادة المضادة. ويبعث جهاز توجيه أشعة الليزر الحمراء أو الخضراء، الذي يُحمل باليد عادةً، ما بين 1015 و1016 فوتون ليزريّ في الثانية، لكنَّ زخم الحركة الذي قد يضفيه كل فوتون على الذرات يتسم بأنه ضئيل جدًّا إلى حدٍّ يُصعِّب رصد الضغط الذي يؤثر به هذا الضوء في الأجسام العادية المستخدمة في حياتنا اليومية. ومع ذلك، تُعَد كتلة الذَّرة الواحدة من ذرات الهيدروجين المضادة ضئيلة جدًّا (24-10  × 1.7 جرامًا) إلى حدِّ أن سرعتها يمكن أن تتغير بمقدار 12 كيلومترًا في الساعة كلما امتصت فوتونًا ليزريًّا ذا طول موجي يقع في نطاق الضوء فوق البنفسجي، ويبلغ 121.6 نانومتر. 

وقد استخدم بيكر وفريقه البحثي في دراستهم الحالية ليزرًا ذا طول موجي جرى ضبطه بعناية، بحيث يجعل ذرات الهيدروجين المضاد المحتجزة التي تتحرك نحو الليزر هي فقط التي تمتص الفوتونات وتتباطأ (انظر الشكل 1). وتنشأ انتقائية الامتصاص هذه من تعرُّض الذرات لنوعٍ من تأثير دوبلر9،8، وهو تأثير يُسبب - على ما يبدو - تحوُّل الطول الموجي لأشعة الليزر إلى قيم أصغر. وقد كان الطول الموجي الجديد مناسبًا تمامًا لتحقيق طاقة الفوتونات التي كانت مطلوبة لتمتص الذرات الفوتونات، وارتقى هذا الامتصاص بالذرات من حالتها القاعية إلى حالة مثارة. وبعد ذلك، عادت الذرات تلقائيًّا إلى الحالة القاعية بأنْ أطلقت فوتونًا آخر في اتجاه عشوائي. وقد لاحظ واضعو الدراسة أنَّ بضع عشرات من ظواهر الامتصاص هذه قد أبطأت جزءًا من الذرات في العينة إلى أقل من 50 كيلومترًا في الساعة. وهذا الانخفاض في السرعة يعني أنَّ الذرات قد أصبحت أبرد. 

الشكل 1 | تبريد ذرات من الهيدروجين المضاد بتقنية دوبلر. احتجز بيكر وزملاؤه1 ذرات من الهيدروجين المضاد – وهي أبسط الذرات المستقِرة المكونة من مادة مضادة خالصة – باستخدام مجالات مغناطيسية، حيث تتحرك هذه الذرات بسرعات عالية داخل هذه المصيدة. بعد ذلك، عرَّض واضعو الدراسة هذه الذرات لنبضات ليزرية فوق بنفسجية، جرى ضبط طولها الموجي بعناية. وهذه الذرات ونبضات الليزر ليست موضحة وفق مقياس رسم محدد. أ. تتعرض الذرات التي تتحرك نحو الليزر لتأثير دوبلر، الذي يُقصِّر الطول الموجي الظاهري للضوء الذي يتفاعل مع الذرات، ويناسِب هذا الطول الموجي تمامًا تحقيق طاقة الفوتونات التي يمكن أن تمتصها الذرات، فيُثير امتصاص الفوتونات الذرات، ويُبطئ حركتها (أي يبردها) في آنٍ واحد. ب. تتعرض الذرات التي تتحرك بعيدًا عن الليزر لتأثير معاكس لتأثير دوبلر، وهو ما يزيد قيمة الطول الموجي الظاهري لضوء الأشعة فوق البنفسجية. ولا تستطيع الذرات امتصاص الفوتونات عند هذا الطول الموجي، ولذا، يمر شعاع الليزر خلال الذرات، دون إحداث تسارُع غير مرغوب فيه.

الشكل 1 | تبريد ذرات من الهيدروجين المضاد بتقنية دوبلر. احتجز بيكر وزملاؤه1 ذرات من الهيدروجين المضاد – وهي أبسط الذرات المستقِرة المكونة من مادة مضادة خالصة – باستخدام مجالات مغناطيسية، حيث تتحرك هذه الذرات بسرعات عالية داخل هذه المصيدة. بعد ذلك، عرَّض واضعو الدراسة هذه الذرات لنبضات ليزرية فوق بنفسجية، جرى ضبط طولها الموجي بعناية. وهذه الذرات ونبضات الليزر ليست موضحة وفق مقياس رسم محدد. أ. تتعرض الذرات التي تتحرك نحو الليزر لتأثير دوبلر، الذي يُقصِّر الطول الموجي الظاهري للضوء الذي يتفاعل مع الذرات، ويناسِب هذا الطول الموجي تمامًا تحقيق طاقة الفوتونات التي يمكن أن تمتصها الذرات، فيُثير امتصاص الفوتونات الذرات، ويُبطئ حركتها (أي يبردها) في آنٍ واحد. ب. تتعرض الذرات التي تتحرك بعيدًا عن الليزر لتأثير معاكس لتأثير دوبلر، وهو ما يزيد قيمة الطول الموجي الظاهري لضوء الأشعة فوق البنفسجية. ولا تستطيع الذرات امتصاص الفوتونات عند هذا الطول الموجي، ولذا، يمر شعاع الليزر خلال الذرات، دون إحداث تسارُع غير مرغوب فيه.

كبر الصورة

وعلى النقيض من ذلك، فالذرات التي تحركت بعيدًا عن الليزر تعرَّضت لتأثير معاكس لتأثير دوبلر: إذ بدا أن الطول الموجي للضوء ابتعد عن القيم اللازمة لامتصاص الذرات للفوتونات. ولذا، مرَّ الضوء خلال الذرات المبتعدة مباشرة، متفاديًا بذلك تعريضها لتسارُع غير مرغوب فيه. وفور أن بلغت ذرات الهيدروجين المضاد البرودة المناسِبة، عرَّضها واضعو الدراسة لزوجٍ من شعاعَي ليزر ينتقلان في اتجاهين متعاكسين، من أجل إثارة انتقال إلكتروني معين من مستوى طاقة إلى آخر في الذرات. وبسبب السرعة المنخفضة للذرات، كان الخط الذي يعبر عن هذا الانتقال في الطيف الذري أكثر وضوحًا بأربعة أضعاف من ذاك الذي رُصِد عند استخدام ذرات دون تبريدها بالليزر. وسيسمح هذا للباحثين بإجراء مقارنات مستقبلية بين هذه الانتقالات المميَّزة في مستويات طاقة ذرات الهيدروجين، وذرات الهيدروجين المضاد بدقة أعلى مما أمكن في السابق.

وأحد أوجه قصور الطريقة المذكورة هو صعوبة توليد ضوء ليزري طوله الموجي 121.6 من النانومتر بكثافة كافية لتبريد ذرات الهيدروجين المضاد بفاعلية. وقد استخدم بيكر وفريقه البحثي سلسلة من نبضات ليزرية متتالية، يقع متوسط طاقتها في نطاق النانو وات، وهو ما يعني أنَّ كل ذَرّة احتاجت إلى ساعات عديدة لامتصاص عشرات الفوتونات التي كانت لازمة لإحداث تبريد كبير وملحوظ. لذا، يخطط واضعو الدراسة لزيادة طاقة الليزر التي استخدموها في التجارب المستقبلية من أجل تسريع العملية. وثمة نهج آخر يُمكن اتباعه، يتمثل في استخدام أشعة ليزر متصلة14، بدلًا من النبضات المتقطعة.

 

وأخيرًا، وبالنظر إلى أنَّ التبريد بالليزر يُسفر عن زيادة تركيز الذرات الأبطأ عند أقل قيمة لشدة المجال المغناطيسي في مصيدة الذرات المتعادلة، فقد يسمح بإنتاج سُحُب من الهيدروجين المضاد أشد كثافة ممَّا هو ممكن حاليًّا. وهذا سيضفي مزيدًا من التحسن على دقة قياسات هذا الهيدروجين في التجارب المستقبلية.

 

References

  1. Baker, C. J. et al. Nature 592, 35–42 (2021). | article
  2. Baur, G. et al. Phys. Lett. B 368, 251–258 (1996). | article
  3. Andresen, G. B. et al. Nature 468, 673–676 (2010). | article
  4. Gabrielse, G. et al. Phys. Rev. Lett. 108, 113002 (2012). | article
  5. Ahmadi, M. et al. Nature 557, 71–75 (2018). | article
  6. Lanyon, B. P. et al. Science 334, 57–61 (2011). | article
  7. Hori, M. et al. Science 354, 610–614 (2016). | article
  8. Wineland, D. J. & Dehmelt, H. G. Bull. Am. Phys. Soc. 20, 637 (197  | article
  9. Hänsch, T. W. & Schawlow, A. L. Opt. Commun. 13, 68–69 (1975). | article
  10. Setija, I. D. et al. Phys. Rev. Lett. 70, 2257–2260 (19 | article
  11. Chu, S. Rev. Mod. Phys. 70, 685–706 (1998). | article
  12. Cohen-Tannoudji, C. N. Rev. Mod. Phys. 70, 707–719 (1998). | article
  13. Phillips, W. D. Rev. Mod. Phys. 70, 721–741 (1998). | article
  14. Eikema, K. S. E., Walz, J. & Hänsch, T. W. Phys. Rev. Lett. 86, 5679–5682 (2001). | article

ماساكي هوري

يعمل في قسم التحليل الطيفي بالليزر بمعهد ماكس بلانك للبصريات الكمية، في جارشينج D-85748، ألمانيا.

البريد الإلكتروني: masaki.hori@mpq.mpg.de