افتتاحيات

 حان الوقت لضخ استثمارات ضخمة في تطوير عقاقير «كوفيد»

 أُحرِز نجاح باهر على صعيد تطوير اللقاحات المضادة لـ"كوفيد-19"، لكن كان لا بد من تجهيز ترسانة الأدوية ضد المرض بشكل أفضل.

  • Published online:

ما فرضته جائحة "كوفيد-19" من ارتباك عالمي كان صدمة، ولكنْ ليس مفاجأة، فقد حَذَّر الباحثون منذ سنوات عدة من جائحة يتسبب فيها فيروس فتاك قد يقهر الدول، ويُخْضِعها له. وناشدوا الحكومات وشركات الأدوية بالتعاوُن معًا لتطوير عقاقير مضادة للفيروسات، تكون واسعة الطيف، وقادرة على التغلب على مجموعة متنوعة من هذه الممْرضات، كما طالبوها بضمان تجهيز تلك العقاقير لاختبارها على البشر عند وقوع هذه الكارثة. 

وجدير بالذكر أنه في وقت مضى، كانت فيروسات الإنفلونزا، والكورونا، وفيروسات قريبة تطوريًّا من فيروس "الإيبولا" تُشكل جميعها تهديدات محتملة، لكن عندما ضربت جائحة "كوفيد-19" العالم، كانت ترسانة أدويته لمواجهتها شبه خاوية. وعلى سبيل المثال، كان عقار "ريمديسيفير" Remdisivir أحد العقاقير القليلة المضادة للفيروسات، والجاهزة للاستخدام بشكل فوري، التي أمكن للباحثين الإسراع في اختبار مفعولها على البشر. ومع أن العقار أظهر في الاختبارات المبكرة قدرًا من النجاح في اختصار المدة التي كان مرضى "كوفيد-19" يقضونها في المستشفيات، إلا أن ثمّة دراسات أخرى بينت عدم جدوى استخدامه.

وعلى الرغم من أن تطوير لقاحات لفيروس كورونا حدث جدير بالاحتفاء به، إلا أنه لا ينفي أن العقاقير المضادة للفيروس كان في إمكانها أن تلعب دورًا حاسمًا في إنقاذ الأرواح، بل كانت حتمًا ستسهم بذلك الدور. وكان ينبغي لهيئات القطاع العام أن تتكاتف سريعًا لتطوير هذه العقاقير على غرار ما فعلته فيما يتعلق باللقاحات، لكنّ ذلك لم يتحقق إلى الآن؛ فرغم بدء تضافُر جهود العلماء والشركات في هذا الصدد، نجد أن معظم الحكومات لا تتصدى لتلك المسألة باعتبارها على القدر نفسه من الأهمية والضرورة مثل اللقاحات. وما لم يتغير هذا الوضع، فقد يظل استعداد العالَم لمواجهة الجائحة الفيروسية التالية ضعيفًا حال ما هو عليه.

وقد كانت الإشارات التحذيرية المنذِرة بالوضع الحالي على مدار العشرين سنة الماضية وحدها مدوية وجلية للعيان. وعلى سبيل المثال، أثار انتشار المتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة "سارس" SARS نداءات بتطوير المزيد من العقاقير المضادة للفيروسات. ومع ذلك، لم يبدُر من جهات التمويل أي تحرُّك لتلبيتها، ويُعزى ذلك - في جزء منه - إلى انحسار خطر المرض. وقد دُق ناقوس الخطر مجددًا بعد مرور عقد، في أعقاب انتشار متلازمة الشرق الأوسط التنفسية (MERS). ومرة أخرى، لم تعره الحكومات وصناعة الأدوية سوى القليل من الاهتمام. وانطلق بعض من برامج تطوير العقاقير، لكن دون استثمارات كافية موجَّهَة نحو تحقيق هدف واضح، ألا وهو إنتاج عقاقير سبق اختبار أمانها على أشخاص، ويمكن تجهيزها للخضوع لتجارب إكلينيكية سريعة وحاسمة. 

ويمكن للجائحة الحالية تغيير ذلك الوضع. وثمة العديد من المبادرات التي تجري الآن لتصحيحه، حسبما يفيد تحقيق نُشِر مؤخرًا في دورية Nature. وعلى سبيل المثال، يسعى تحالُف البحث والتطوير المعنِيّ بجائحة "كوفيد"، وهو اتحاد يتألف من أكثر من 20 شركة من شتى أنحاء العالم تختص بعلوم الحياة، واستثمارات رأس المال المُخاطِر، إلى إنشاء منظمة تعمل على إسراع وتيرة تطوير عقاقير مضادة لفيروسات كورونا. ويعتزم هذا الاتحاد، الذي أُسِّس خلال العام الماضي، إعداد 25 عقارًا مرشحة لتجربتها على البشر، حتى يمكن تجهيز بعض منها على الأقل للخضوع لتجارب أوسع نطاقًا، عندما تضرب الجائحة الفيروسية التالية ضربتها.

وفي الوقت الحالي، يهتم تحالُف البحث والتطوير المعني بجائحة "كوفيد"، ومشروع عالمي آخَر يُسمى "المبادرة السريعة الناشئة لتطوير عقاقير مضادة للفيروسات" Rapidly Emerging Antiviral Drug Development Initiative بجمع أموال من قطاعات صناعة الدواء والحكومات. وتعتزم هيئة "معاهد الصحة الوطنية الأمريكية" NIH ضخ قدر هائل من الاستثمارات في تطوير عقاقير لمحاربة فيروس "سارس-كوف-2" SARS-COV-2. لذا، من الضروري أن تحصل على التمويل اللازم لاتخاذ خيارات استراتيجية فيما يتعلق بتطوير عقاقير للتصدي للجائحة التالية.

وعلى النقيض من تلك الجهود، جرت عملية تطوير اللقاحات بسرعة البرق عندما وافقت البلدان الغنية على توفير التمويل اللازم في الوقت الذي كانت فيه اللقاحات لا تزال قيد التطوير، حتى إن بعض البلدان وافق على شراء هذه اللقاحات، حتى لو ثبت عدم فعاليتها. ومن ثمّ، يتوجب التفكير في آلية تمويل مشابِهة، من أجل تطوير عقاقير مضادة للفيروسات، تكون قائمة على استعداد كل من القطاعين العام والخاص لخوض مَخاطر.

وثمّة نماذج لنجاحات في هذا الصدد، فعلى سبيل المثال، كان عقار "ريمديسيفير" شبه مُعَدّ لاختباره، ويرجع الفضل في ذلك إلى مساعي بعض الباحثين التي دعمها "مركز اكتشاف العقاقير المضادة للفيروسات وتطويرها"، وهو أحد مشروعات "معاهد الصحة الوطنية الأمريكية". وقد دُشِن هذا المشروع في عام 2014 لفحص تشكيلة من العقاقير، وفَرْز المحتمَل نجاحه منها في تثبيط عدوى بعض الفيروسات، بما فيها فيروسات الإنفلونزا والكورونا. وقد ثبتت فعالية عقار "ريمديسيفير" في النماذج الحيوانية في عام 2017، كما جرى اختباره على البشر، وظهر أمانه في أثناء تفشي وباء "إيبولا" في جمهورية الكونغو الديمقراطية، وجمهوريتَي ليبيريا وغينيا، وهو ما جعله جاهزًا لاختباره علي البشر على نطاق أوسع، إذا ما اقتضت الحاجة إلى ذلك.

وقد نُبِّه قادة العالم، مرتين على الأقل، إلى ضرورة الشروع في بناء ترسانة طبية من العقاقير المضادة للفيروسات، لكنْ تلاشَى زخم هذه التحذيرات مع انتهاء تفشي الأوبئة السابقة، ومع استمرار الخلاف بين الحكومات وقطاعات صناعة الدواء حول الجهة التي يجب أن تسهم في دفع التكاليف، والحصة التي ينبغي أن يُسهم بها كل طرف.

وقد أظهرت الجائحة خطأ التشبُّث بهذا التفكير، فالحفاظ على الصحة العامة يقتضي ضخ استثمارات في تطوير عقاقير، لمواجهة أية مُمْرِضات قد تُسبِّب وباء أو جائحة في المستقبل، بما في ذلك الأمراض المنقولة عبر الهواء أو البعوض، ولا شك أن نشوء مقاومة للمضادات الحيوية المتاحة لا يزال بدوره يشكل خطرًا. وقد رصدت الحكومات إجمالًا في عام 2020 ما يقرب من 90 مليار دولار أمريكي لتمويل تطوير اللقاحات، وسوف تساعد جهود متلقية لهذا التمويل في التصدي للجوائح المستقبلية. ويجب على الحكومات أن تسلك النهج نفسه فيما يتعلق بالعقاقير المضادة للفيروسات، التي يلزم توزيعها على نحو منصف، فالعالَم لا يستطيع تحمُّل الوقوع في مأزق خلوّ ترسانته من الأدوية مرة أخرى.