أخبار

هل تحطَّم النموذجُ القياسي؟ علماءُ الفيزياء يُشِيدون بإحدى نتائج الميون الكبرى

يُلمِح العلماء إلى أن العزم المغناطيسي لجسيم الميون أكبر مما كان مُتوقعًا، في إشارةٍ منهم إلى وجود جسيماتٍ أولية جديدة في انتظار مَن يكتشفها.

ديفيد كاستلفيتشي
  • Published online:
مغناطيس حلقة التخزين المستخدَم في تجربة "جي – 2" في مختبر فيرميلاب.

مغناطيس حلقة التخزين المستخدَم في تجربة "جي – 2" في مختبر فيرميلاب. 

Credit: Reidar Hahn/Fermilab

تُواصِل الميونات الانحراف عن السلوك المتوقَّع منها. فقد أكدت تجربةٌ أجريت في الولايات المتحدة إحدى النتائج المكتشَفة سابقًا، التي أفادت بأن الميونات - وهي جسيماتٌ ضخمة غير مستقرةٍ، شبيهةٌ بالإلكترونات -  تتميز بمجالٍ مغناطيسي أقوى مما توقعه الباحثون في بداية الأمر. وإذا ثبُتت صحة هذه النتائج، فقد تفرض في النهاية تغيراتٍ كبرى في الفيزياء النظرية، وربما تكشف عن وجود جسيمات أولية جديدة تمامًا.

في السابع من شهر إبريل، سلَّط القائمون على تجربة "ميون جي - 2" في مختبر مُسرِّع فيرمي الوطني (يُعرف اختصارًا باسم "فيرميلاب")، الذي يقع خارج شيكاغو بولاية إلينوي، الضوء على أحدث قياساتهم في بث عبر شبكة الإنترنت، ونشروا تلك القياسات في دورية "فيزيكال ريفيو ليترز" Physical Review Letters1. تصف سوزان جارندر، عالمة الفيزياء في جامعة كنتاكي في ليكسينجتون، النتائج بأنها "مشجعةٌ للغاية" بالنسبة إلى من يأملون في اكتشاف جسيماتٍ أخرى.

كانت المرة الأولى التي أشارت2 فيها تجربةُ "ميون جي - 2" (تُنطَق "جي ناقص 2") إلى أن ثمة انحرافًا ما في سلوك الميون في عام 2001، عندما كانت التجربة تُجرى في مختبر بروكهيفن الوطني في أبتون بولاية نيويورك. قام علماء الفيزياء بقياس قوة العزم المغناطيسي للجسيم، وهي خاصيةٌ تجعل الجسيم يتصرف وكأنه قضيبٌ مغناطيسي بالغ الصغر. ينص النموذجُ القياسي لفيزياء الجسيمات على أن عزم الميون المغناطيسي من المفترض أن يكون رقمًا قريبًا للغاية من 2، ولكنه ليس مساويًا له، وذلك عند استخدام وحدات القياس المناسِبة. وقد نجحت تجربةُ بروكهيفن في قياس ذلك الفرق الضئيل، المعروف باسم "جي - 2"، لكنها اكتشفت أن هذا الفرق يزيد قليلًا عما تنبأ به علماء الفيزياء النظرية.

ويتأثر العزمُ المغناطيسي للجسيمات الأولية بنسخٍ "افتراضية" من جسيماتٍ أولية معروفة تنبثق باستمرار من داخل الفراغ، لتختفي مجددًا في غضون جزءٍ من الثانية. ويجري علماء الفيزياء حساباتٍ مفصلة ومطولة لتأثيرات جميع الجسيمات المعروفة، بحيث إذا اختلفت نتائج التجارب اختلافًا ملحوظًا عن القيمة المتوقعة لـ " جي - 2"، يستنتج العلماء حينها أن ثمة أنواعًا من الجسيمات لم تكن معروفةً في السابق تختبئ بالتأكيد في الفراغ. وقد منحت تجربةُ "ميون جي – 2" الأصلية أملًا للكثير من علماء الفيزياء في إمكانية اكتشاف جسيماتٍ جديدة عما قريب.

التردد السري

أراد الباحثون التحقق من نتائج بروكهيفن، ولذا.. أعادوا تصميم التجربة - التي تُبقِي على حركة الميونات في دوائر حول مغناطيسٍ حلقي فائق التوصيل، يبلغ قطره 15 مترًا - في مختبر فيرميلاب. وقد بدأ الباحثون في جمْع البيانات في عام 2018، وها هم الآن يعرضون النتائج التي توصلوا إليها، استنادًا إلى العام الأول من العمليات.

وتفاديًا لأي نوعٍ من التحيُّز في تحليل البيانات، أغفلت التجربةُ القائمة على جهدٍ مشتركٍ أحد المعايير الضرورية لحساب ثابت "جي - 2"، وهو التردد الدقيق لساعةٍ رقمية ضمن أجهزة القياس التي استخدموها. وقد عُهد إلى اثنين من علماء الفيزياء في مختبر فيرميلاب من غير المشاركين في التجربة بمهة إيجاد المعلومة المفقودة. ونتيجةً لذلك.. تمكَّن الفريقُ من إجراء دراسةٍ مطولة، لكنهم لم يستطيعوا في البداية سوى تمثيل نتائجها على مخططٍ بياني، كان المحوران فيه ذَوَي مقاييس غير مؤكدة بعض الشيء.

وفي وقتٍ لاحقٍ، وتحديدًا في يوم الخامس والعشرين من فبراير، انعقد مؤتمرٌ عن بُعد، شارك فيه أغلبُ أعضاء الفريق، الذين يتجاوز عددهم 200 عضو، حيث فتح عضوان بارزان من أعضاء التجربة مظروفًا اشتمل على تردد الساعة السري. وعندما أدخلوا الرقم إلى حواسيبهم، كشف عن القيمة الحقيقية لقياس "جي - 2"، وتبيَّن للفريق على الفور أن النتيجة كانت مطابِقة لتلك التي سجلتها تجربة بروكهيفن، قبل أكثر من 20 عامًا.

يقول لي روبرتس، من جامعة بوسطن بولاية ماساتشوستس، وأحد أعضاء فريق "ميون جي – 2" الأصلي: "كانت درجة التطابق ممتازة. راح الجميع يصفقون ويقفزون بحماس، بقدر ما أتاح لهم ذلك تطبيق "زوم"." ومن جانبها تقول برين ماكوي، عالمة الفيزياء في جامعة واشنطن في سياتل إن ردود الفعل المبتهجة كانت واضحة، رغم أن "ميكروفونات الكثيرين منا كانت مغلقة". ويرى روبرتس أن النتيجة تُبرهِن على صحة فرضية التجربة الأصلية.

ويوافقهما الرأي فيزيائيون آخرون، إذ يوضح جِينو إزيدوري، عالم الفيزياء النظرية في جامعة زيورخ في سويسرا، أن الإعلان الأخير يقدم "إجابة جيدة وواضحة" للُّغز الذي طرحته النتائج السابقة. ويضيف قائلًا: "كانت التجربة صائبة".

ورغم اتساع الفجوة بين النتائج النظرية والتجريبية من حيث الدلالة الإحصائية، لا يمكن اعتبارها بعد دليلًا دامغًا على وجود جسيماتٍ جديدة. يقول إزيدوري: "الأرجح أن هذا لن يضع حدًّا لشكوك المتشككين". ويضيف قائلًا: "في هذه المرحلة، أضحت الكرة في ملعب علماء الفيزياء النظرية".

حساب تأثير الكوارك

نشر مجتمع الفيزياء النظرية في العام الماضي في ورقة بحثية "توافقية"3 رقمًا يُشكِّل التنبؤ الأوسع قبولًا لعزم الميون المغناطيسي، لكن دراسة أخرى نُشِرَت هذه المرة في دورية Nature4 في السابع من إبريل أشارت إلى أن الفجوة بين النظرية والتجربة قد لا تكون ضخمة كما يُعتقَد.

ويُمثِّل حسابُ تأثير الكواركات - وهي المكونات الأساسية للبروتونات والنيوترونات - الجزء الأصعب من العملية، ولذا، جرت عادة علماء الفيزياء على استكمال حساباتهم ببياناتٍ من تجارب المصادمات.  

في الدراسة المنشورة في دورية Nature، قام زولتان فودور، من جامعة ولاية بنسلفانيا في يونيفرسيتي بارك، والمتعاونون معه بإعادة حساب تأثيرات الكواركات من البداية، وذلك باستخدام أسلوب محاكاة يُطلَق عليه "الديناميكا اللونية الكَمِّية الشبكية" lattice QCD. ولم يسبق استخدام هذا الأسلوب في تنبؤات "جي - 2"، نظرًا إلى أنه لم يكن متطوِّرًا بما يكفي لإعطاء نتائج عالية الدقة. تمكَّن فودور وفريقه من تحسين مستوى الدقة، ووجدوا أن "جي - 2" أكبر من القيمة التوافقية، وأقرب كثيرًا في الوقت ذاته إلى القياس التجريبي. وحسبما تقول عايدة الخضرة، عالمة الفيزياء النظرية في جامعة إلينوي في إربانا-شامبين، تعمل فِرقٌ أخرى تستخدم أسلوب "الديناميكا اللونية الكَمِّية الشبكية" على مضاهاة تلك الدقة، بحيث يتسنى لها استخدام هذا الأسلوب في حسابات القيمة التوافقية. وتنوِّه الخضرا قائلةً: "ثمة جهود بحثية مشتركة تعمل أيضًا على تقليل أخطائها، وهو ما يتطلب موارد حاسوبية كبيرة".

تحديث الفيزياء

يعكف فريق "ميون جي - 2" في الوقت الحالي على تحليل بعض البيانات الأحدث عهدًا، بالإضافة إلى جمع المزيد من البيانات. ويتوقع الباحثون في نهاية المطاف أن تتحسن دقة حساباتهم بأربعة أضعاف ما كانت عليه. وإذا اتضح بالفعل أن هذا التفاوت في الحسابات حقيقي، فسوف يتطلب الأمر تحديث النموذج القياسي، بحيث يتضمن الجسيمات الجديدة. ومن بين المشكلات التي تواجه هذا الإجراء أنه منذ عام 2001، استبعدت تجاربُ أخرى الكثير من الجسيمات المرشَّحة المحتملة، التي كان من الممكن أن تُضخِّم قيمة عزم الميون المغناطيسي. وأغلب هذه التجارب أُجرِيَ في مصادم الهدرونات الكبير، الواقع خارج مدينة جنيف السويسرية.

ولا تزال نظريات كثيرة من تلك التي قد تفسر "ميون جي - 2" قائمةً، غير أن الباحثين يعتبرونها مُختلَقة. وفي هذا الصدد، يقول دومينيك شتوكينجر، عالم الفيزياء النظرية في جامعة دريسدن للتقنية في ألمانيا، وعضو "ميون جي - 2": "أعتقد أنه لا يوجد تفسيرٌ واحد يتميز بكونه أكثر براعةً أو إقناعًا من أي تفسير آخر".

اجتاز النموذجُ القياسي، منذ تصميمه في سبعينات القرن العشرين، جميع الاختبارات، وظل على حاله تقريبًا دون تغيير، غير أن علماء الفيزياء على قناعة بأن النموذج غير مكتملٍ حتمًا، ويأمل البعضُ منهم أن تكشف الميونات عن أول إخفاقاته. ويتوقع روبرتس قائلًا: "إذا أثبتنا وجود اختلاف مع النموذج القياسي، سنكون بذلك قد نجحنا في الوصول إلى الشيء الذي ظل العلماء يبحثون عنه على مدار 50 عامًا".

References

  1. Abi, B. et al. Phys. Rev. Lett. 126, 141801 (2021). | article
  2. Bennett, G. W. et al. Phys. Rev. D 73, 072003 (2006). | article
  3. Aoyama, T. et al. Phys. Rep. 887, 1–166 (2020). | article
  4. Borsanyi, Sz et al. Nature https://doi.org/10.1038/s41586-021-03418-1 (2021). | article