أنباء وآراء

فك شفرة ديناميات الدوامات في المواد الفروكهربائية

لوحظ أن دوامات الاستقطاب الكهربائي تهتز بترددات عالية للغاية في مواد تُوصف بأنها فروكهربائية. ويمكن التحكُّم في هذه الحركة مباشرة عن طريق حقول كهربائية لمعالجة فائقة السرعة للبيانات. 

إيجور لوكيانشوك، وفاليري إم. فينوكور
  • Published online:

رأى الفيلسوف اليوناني القديم ديموقريطوس أن الدوامات الدوارة في المواد، إلى جانب الذرات، هي مكونات أساسية للكون. وفي الوقت الحاضر، تُلاحَظ هذه الدوامات في شتى نطاقات الحجم، بدءًا من المجرات الحلزونية والدوامات المائية، إلى الأمثلة المجهرية في الموصلات الفائقة والسوائل الكمية. وفضلًا عن ذلك، تَبيَّن أن هذه الدوامات تؤثر بشكل كبير على خصائص العديد من المواد، بما في ذلك الموصلات الفائقة، والمغانط الحديدية (وهي مواد تُظهِر المغناطيسية المألوفة في الحديد)، والمواد الفروكهربائية (النظائر الكهربائية للمغانط الحديدية). وفي بحث نُشر مؤخرًا في دورية Nature، أفاد تشيان لي وزملاؤه1 بأن دوامات الاستقطاب الكهربائي في المواد الفروكهربائية يمكن أن تهتز بترددات في نطاق التيراهيرتز (1 تيراهيرتز يساوي 1012 هرتز). ومن المحتمل أن تتيح الديناميات الكلية لمثل هذه الدوامات منصة تُحفَّز بالمجالات الكهربائية لمعالجة البيانات بسرعة فائقة.

وتتسم المواد الفروكهربائية باستقطاب كهربائي متأصل، ينتج عن تحرك نسبي طفيف للأيونات فيها، سواء من الأيونات ذات الشحنة الموجبة، أَم السالبة، في اتجاهين متعاكسين. وعلى النطاق النانومتري في المواد الفروكهربائية، لا تتفاعل هذه الأيونات مع المجال الكهربائي المستخدَم فحسب، بل تنتج أيضًا مجالًا كهربائيًّا داخليًّا كبيرًا، بسبب الشحنات الناشئة على سطوح هذه المواد. ومن خلال هذا المجال الداخلي، يولِّد التفاعل الذاتي الناتج للأيونات الكثير من أنماط الاستقطاب، مثل الدوامات، وهياكل معقدة تسمى السكيرميونات، والهوبفيونات. وحتى الآن، استُنتِجت ديناميات أنماط الاستقطاب هذه2-5، لكن لم تُثبَت تجريبيًّا.

ولتدارُك هذا القصور، استخدم لي وزملاؤه بِنْية تسمى بالشبيكة الفروكهربائية الفائقة، وهي تتكون من أغشية مكدسة متناوبة بين مادة فروكهربائية تارة، ومادة عازلة للكهرباء تارة أخرى. وجدير بالذكر أنه منذ فجر فيزياء الجوامد7،6، بات معروفًا أن الأغشية المغناطيسية تحتوي على مجالات تتغير وتتكرر بانتظام، وتتبدل وتتعاكس اتجاهات مغنطتها، بيد أنه لم يُدرك أن مجالات استقطاب مماثلة تنشأ في المواد الفروكهربائية، إلا في العقود القليلة الماضية. ويكون نمط الاستقطاب في الشبيكات الفروكهربائية الفائقة أكثر تعقيدًا منه في المواد الفروكهربائية المعزولة، ويتغير تدريجيًّا بين المجالات8. وفضلًا عن ذلك، فقد ثبت تجريبيًّا أن هذا النمط يتطور إلى نسق متكرر ومتغير بانتظام من الدوامات والدوامات المضادة (دوامات تدور في الاتجاه المعاكس للدوامات)9.

وقد استخدم واضعو الدراسة نبضات فائقة القصر من إشعاع بتردد في نطاق التيراهيرتز لتوليد حركة دوامية في الأغشية الفروكهربائية للشبيكة الفائقة. بعد ذلك، استخدموا تقنية تُعرف باسم حيود الأشعة السينية فائق السرعة، لاستكشاف ديناميات هذا النسق المتكرر والمتغير بانتظام، الذي يتحرك في هيئة دوامات ودوامات مضادة. وسمحت هذه الأساليب التجريبية الحديثة للي وزملائه بتحفيز الحركة الكلية لدوامات الاستقطاب هذه مباشرة على نطاقات زمنية تُقدَّر بالبيكو ثانية، وتحليلها (البيكو ثانية يساوي 10-12 من الثانية). واكتشف واضعو الدراسة نمط اهتزاز مفردًا عند نطاق 0.08 تيراهيرتز، ومجموعة من أنماط الاهتزاز عند نطاق يتراوح ما بين 0.3 و0.4 تيراهيرتز.

ومن حيث الديناميات، يشبه نسق الدوامات والدوامات المضادة (في الشكل 1أ) سلسلة خطية من الكرات المتصلة عن طريق زنبركات مرنة، حيث تضطلع التفاعلات الكهروستاتيكية بين الأيونات بدور قُوَى مرنة، وتحافظ على تجدُّد تكوُّن الدوامات. ويمكن لهذا النسق أن يشتمل على نوعين من الاهتزازات الكلية، أحدها يتمثل في حركة صعودًا وهبوطًا (حركة مستعرضة)، (كما في الشكل 1ب)، والآخر في حركة من جانب إلى آخر (حركة طولية)، (كما في الشكل 1ج).

الشكل 1 | دوامات الاستقطاب في غشاء فروكهربائي. أ: غشاء من مادة توصف بأنها فروكهربائية، يحتوي على مجالات تَفْصِلها حدود تسمى "جدران المجالات". وتحمل المجالات المتجاورة شحنات متعاكسة(يشار إليها برموز الموجب والسالب) على سطح الغشاء. وفي حالة التوازن، يكون مقدار هذه الشحنات الموجبة والسالبة متساويًا. ونمط الاستقطاب الكهربائي (كما هو موضح بالسهام) هو نسق متغير ومتكرر من الدوامات والدوامات المضادة (دوامات تدور في الاتجاه المعاكس للدوامات). وقد درس لي وزملاؤه1 ديناميات هذا النسق، الذي يمكن نمذجته في هيئة سلسلة من الكرات المتصلة من خلال زنبركات. ب: ويمكن أن يخضع نسق الدوامة والدوامة المضادة لاهتزازات مستعرضة (مشار إليها بالأسهم السوداء)، حيث لا تتحرك جدران المجالات، وتظل مقادير الشحنات السطحية متوازنة. ج: وقد يخضع النسق أيضًا لاهتزازات طولية (مشار إليها بالأسهم السوداء)، حيث تؤدي عمليات الإزاحة في جدران المجالات إلى اختلاف مقدار الشحنات السطحية الموجبة والسالبة.

الشكل 1 | دوامات الاستقطاب في غشاء فروكهربائي. أ: غشاء من مادة توصف بأنها فروكهربائية، يحتوي على مجالات تَفْصِلها حدود تسمى "جدران المجالات". وتحمل المجالات المتجاورة شحنات متعاكسة(يشار إليها برموز الموجب والسالب) على سطح الغشاء. وفي حالة التوازن، يكون مقدار هذه الشحنات الموجبة والسالبة متساويًا. ونمط الاستقطاب الكهربائي (كما هو موضح بالسهام) هو نسق متغير ومتكرر من الدوامات والدوامات المضادة (دوامات تدور في الاتجاه المعاكس للدوامات). وقد درس لي وزملاؤه1 ديناميات هذا النسق، الذي يمكن نمذجته في هيئة سلسلة من الكرات المتصلة من خلال زنبركات. ب: ويمكن أن يخضع نسق الدوامة والدوامة المضادة لاهتزازات مستعرضة (مشار إليها بالأسهم السوداء)، حيث لا تتحرك جدران المجالات، وتظل مقادير الشحنات السطحية متوازنة. ج: وقد يخضع النسق أيضًا لاهتزازات طولية (مشار إليها بالأسهم السوداء)، حيث تؤدي عمليات الإزاحة في جدران المجالات إلى اختلاف مقدار الشحنات السطحية الموجبة والسالبة.

كبر الصورة

وقد عزا لي وزملاؤه التردد البالغ 0.08 تيراهيرتز الذي رصدوه إلى هذه الاهتزازات المستعرضة. وتشير هذه الحركة الدوامية التي كانت غير مرئية سابقًا إلى عدم استقرار يصاحب تحولًا هيكليًّا إلى حالة تُشكِّل فيها مراكز الدوامات سلسلة متعرجة. وبالمقارنة بنمط الاهتزاز البالغ تردده 0.08 تيراهيرتز، ترتبط الاهتزازات الموجودة عند التردد الذي يتراوح بين 0.3 و0.4 تيراهيرتز بديناميات حركة دوامية أكثر تعقيدًا، ويصعب بدرجة أكبر أن تُعزى إلى نوع معين من الاهتزاز.

ولتبيُّن الصورة الكاملة لديناميات الدوامات، يجب أن تُميِّز الأبحاث المقبلة بين الحركة بين الدوامات، والحركة داخل الدوامات نفسها، وانحناءات هذه الدوامات. وفضلًا عن ذلك، يجب اكتشاف طبيعة النمط الطولي للاهتزاز. ويرتبط هذا النمط بسلسلة من عمليات الإزاحة المتناوبة لجدران المجالات (الحدود بين المجالات)، وله خصائص ملحوظة تنشأ من الديناميات الخاصة بالشحنات السطحية.

وجدير بالذكر أنّ الشحنات السطحية في المعادن تتذبذب عند الترددات المقابلة لتردد الضوء فوق البنفسجي (حوالي 1015 هرتز)، وتُعرف هذه التذبذبات المشتركة بالبلازمونات. وبالمثل، في أي غشاء فروكهربائي، يتسبب النمط الطولي من الاهتزاز في تذبذُب الشحنات السطحية عند الترددات في نطاق التيراهيرتز، ويمكن اعتبار هذه التذبذبات المشتركة بمثابة بلازمونات استقطاب. وفي هذه الأغشية، كما هو الحال في المعادن، يكون ثابت العزل سالبًا عندما يكون تردد المجال الكهربائي المستخدم أقل من تردد تذبذب البلازمونات. ومما يبعث على الدهشة أنّ ثابت العزل في الغشاء الفروكهربائي يظل سالبًا عندما يقارب تردد المجال المستخدَم الصفرَ. وهو ما يؤدي إلى نشوء تأثير السعة السالبة5، وهي ظاهرة تبشر بخفض استهلاك الطاقة في الجيل التالي من الأجهزة الإلكترونية النانوية.

وقد شهد العقد الماضي تقدمًا ملحوظًا في تطوير الأجهزة التي تستخدم أشباه الموصلات، والتي تعمل بتردد في نطاق التيراهيرتز، أي في نطاق تردد يتراوح بين تردد موجات الراديو، والأشعة تحت الحمراء. وتشمل التطبيقات المحتملة لهذه الأجهزة: أجهزة الإرسال اللاسلكي، التي تبث كميات هائلة من البيانات، وأجهزة رصد التهديدات الأمنية البعيدة، وأجهزة الجيل السادس (6G) من التقنيات اللاسلكية، وأساليب التصوير الشعاعي الطبي غير الباضعة. ومن شأن اكتشاف لي وزملائه لإمكان اهتزاز دوامات الاستقطاب في الأغشية الفروكهربائية النانوية بترددات في نطاق التيراهيرتز أن يساعد في تصغير الأجهزة التي تعمل بترددات في نطاق التيراهيرتز إلى أحجام نانوية، وتحقيق معالجة بيانات عالية السرعة وعالية الكثافة تُحفَّز بالمجالات الكهربائية. وقد يمكِّننا هذا التقدُّم من تطوير الإلكترونيات البصرية والأجهزة البلازمونية (الأجهزة الفوتونية القائمة على البلازمونات) التي تعمل بترددات في نطاق التيراهيرتز، وتقنيات تبادل البيانات فائق السرعة، وتقنيات الاتصال المدمجة في الرقاقات في دوائر الحاسوبات الجديدة.

References

  1. Li, Q. et al. Nature 592, 376–380 (2021). | article
  2. Zhang, Q., Herchig, R. & Ponomareva, I. Phys. Rev. Lett.107, 177601 (2011). | article
  3. Gui, Z. & Bellaiche, L. Phys. Rev. B 89, 064303(2014). | article
  4. Hlinka, J., Paściak, M., Körbel, S. & Marton, P.Phys. Rev. Lett. 119, 057604 (2017). | article
  5. Luk’yanchuk, I., Sené, A. & Vinokur, V. M. Phys. Rev. B 98,024107 (2018). | article
  6. Landau, L. D. & Lifshitz, E. M. Phys. Z. Sowjet. 8, 153–169(1935). 
  7. Kittel, C. Phys. Rev. 70, 965–971 (1946). | article
  8. De Guerville, F., Luk’yanchuk, I., Lahoche, L. &El Marssi, M. Mater. Sci. Eng. B 120, 16–20 (2005). | article
  9. Yadav, A. K. et al. Nature 530, 198–201 (2016). | article

يعمل إيجور لوكيانشوك في مختبر فيزياء المواد المكثفة بجامعة بيكاردي، 80039 أميان، فرنسا، وفي كلية الفيزياء بالجامعة الفيدرالية الجنوبية، في مدينة روستوف على نهر الدون، روسيا.

وتعمل فاليري إم. فينوكور في شركة "تيرا كوانتوم العامة المحدودة"Tera Quantum AG ، 9400رورشاخ، سويسرا.