تحقيق إخباري

علاجات جينية لأمراض دماغية

تنعقد آمال عريضة على فئة من العقاقير التي يمكنها أن تعالج حالات التنكس العصبي، لكن تجربة إكلينيكية حديثة عرقلت الجهود الماضية في ذلك الطريق.

ديانا كوون
  • Published online:
إيفي لويس مع والديها إليوت وجانيل. تتلقى إيفي جرعة من العلاج الجيني كل بضعة أشهر لعلاج الضمور العضلي نخاعيّ المنشأ.

إيفي لويس مع والديها إليوت وجانيل. تتلقى إيفي جرعة من العلاج الجيني كل بضعة أشهر لعلاج الضمور العضلي نخاعيّ المنشأ.

Kim Raff for Nature

كانت سوزان لا تزال طفلة عندما اشتبهت للمرة الأولى في مرض والدتها. ففي كثير من الأحيان، كانت الأم عندما تقدم طعام العشاء، أو تغسل الأطباق، يسقط من بين يديها كوب، أو طبق، عن غير قصد، ويتحطم على الأرض. وحول ذلك، تقول سوزان: "كان من الممكن أن تصف أمي نفسها بأنها "خرقاء"، لكنها في الحقيقة لم تكن كذلك. كانت يداها تتحركان على نحو بديع وساحر، وأُدْرِك الآن أنه كان عَرَضًا مبكرًا للإصابة بمرض هنتنجتون".

يمكن تعريف مرض هنتنجتون (HD) على أنه حالة وراثية تؤدي إلى تدهور واسع النطاق في وظائف الدماغ، وشل القدرة على التفكير، واضطراب السلوك والشعور والحركة. وهو يبدأ عادةً في منتصف العمر، بتغيرات طفيفة، مثل تقلبات المزاج، وصعوبة التركيز. ومع تقدم المرض، يُصاب المريض بالخَرَف، وعدم القدرة على الكلام أو الحركة.

طلبت سوزان عدم ذكر اسم عائلتها، حمايةً لخصوصيتها، وهي تذكر بوضوح ذلك اليوم الذي علمت فيه بإصابة والدتها بذلك المرض. حدث ذلك في ربيع عام 1982. حينئذ، كانت الأم قد أُودِعت أحد المستشفيات، نتيجة إصابتها بحالة من الإجهاد الشديد، وتكرُّر سقوطها إلى الأرض، واضطراب حركاتها. ولم يكن ثمة اختبار وراثي يمكن إجراؤه للكشف عن هذا المرض آنذاك. لذا، خضعت الأم لسلسلة من التقييمات، ثم جَمَع طبيب الأعصاب المعالِج لها أفراد أسرتها بالكامل في غرفة، لكي ينبئهم بالخبر. وتستحضر سوزان تلك التجربة قائلة: "أخبرنا الطبيب أن والدتنا مصابة بمرض هنتنجتون، وأنه مرض عُضال، ويمكن القضاء عليه تمامًا في جيل واحد فقط، إذا امتنعنا عن إنجاب أطفال".

كان لتلك الكلمات التي خلت من كل تنميق وَقْع عميق في حياة سوزان، وأشقائها. وعلى سبيل المثال، قرر أخوها ألا يتزوج أبدًا، واختارت أختها أن تلجأ إلى التعقيم، لكيلا تنجب أطفالًا، لكنّ تلك الخيارات كانت غير متاحة لسوزان آنذاك؛ فقد كانت حبلى عندما تلقّت ذلك الخبر.

وتقول سوزان إنها وزوجها "لم يتمكنا من اتخاذ قرار بشأن التصرف الأمثل الذي ينبغي القيام به" في حالتهما. ومن بين ما خطر ببالهما تحديدًا أنهما "إذا أنجبنا ذلك الطفل، فسوف يتحتم عليه اتخاذ القرار نفسه عندما يكبر"، وتضيف قائلة: "بدا لنا هذا مؤلمًا للغاية". وفي النهاية، اتخذ الزوجان قرارًا مؤلمًا بإسقاط الجنين.

يُسمَّى الجين الذي يسهم في الإصابة بمرض هنتنجتون "HTT"، وهو يُرمِّز بروتينًا يُسمى هنتنجتِن. وفي النسخة المعيبة من هذا الجين، يتكرر لمرات عديدة جزء قصير من تسلسله، يُعرف بمجموعة السيتوزين والأدينين والجوانين. وعلى عكس بعض الحالات الوراثية، التي لا ينشأ فيها المرض إلا عندما يكون لدى الشخص نسختان معيبتان من جين معين، فإن نسخة واحدة فقط من الطفرة في جين "HTT" تكفي للتسبب في الإصابة بمرض هنتنجتون، واحتمالية انتقال المرض من الأشخاص الحاملين للطفرة إلى أطفالهم تبلغ نسبة قدرها 50%. وعلى سبيل المثال، بعد سنوات من وفاة والدة سوزان، اكتشف الأشقاء الثلاثة أنهم جميعًا قد ورثوا المرض.

ولا توجد علاجات متاحة لكبح تطور مرض هنتنجتون أو إبطائه، على الرغم من أن الأسباب الوراثية الكامنة خلف المرض قد اتضحت منذ عام 1993. كذلك لا توجد علاجات فعالة لمعظم الأمراض التنكسية العصبية الأخرى. ومع أن الأسباب الجينية لهذه الأمراض أقل وضوحًا من تلك الخاصة بمرض هنتنجتون، فقد اكتُشف منذ عقود كثير من الجينات المرتبطة بأمراض معينة، مثل مرض العصبون الحركي (التصلب الجانبي الضموري، أو اختصارًا ALS)، ومرض ألزهايمر، ومرض باركنسون. أما الآن، فقد بدأ الحظ يحالف جهود علاج هذه الأنواع من الأمراض. ويراود الأمل عديدًا من الباحثين بشأن ما يُسمى بالعقاقير "قليلة النيوكليوتيدات المضادة لاتجاه النسخ"، التي تتمثل في خيوط قصيرة من حروف الحمض النووي، أو الحمض النووي الريبي، صممت بحيث تتشبث بتسلسلات معينة من الحمض النووي الريبي التي تصنعها الجينات المعيبة، وتعيد التوازن إلى مستويات البروتينات التي تنتجها تلك الجينات، وهو ما يُشار إليه بتعزيز إنتاج البروتينات المفقودة، أو القضاء على البروتينات المعيبة (انظر الشكل "تبديل البروتينات المعيبة").

كبر الصورة

Credit: Nik Spencer/Nature

وقد اعتمدت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) أول العقاقير قليلة النيوكليوتيدات المضادة لاتجاه النسخ (ASO) من أجل علاج مرض عصبي في عام 2016. ومنذ ذلك الحين، انبثقت فورة من الأبحاث في هذا المجال، الذي لم يعد مجرد مسرح لقليل من التجارب الإكلينيكية التي أُجريت على مدار العقدين الماضيين، بل بات يشهد في الوقت الحالي ما يقرب من عشرات التجارب، التي تتصدى لمجموعة متنوعة من الأمراض التنكسية العصبية، والقليل منها وصل إلى المراحل النهائية منه.

وقد اتسع نطاق دراسات باحثين آخرين متخصصين في تطوير العقاقير قليلة النيوكليوتيدات المضادة لاتجاه النسخ، بحيث لم يعد مقتصرًا على الأمراض التي تتحدد بطفرة مفردة، وبات يشمل كذلك حالات مرضية تنطوي على أسس جينية أكثر تعقيدًا. وهذا التطور الأخير بعث حالة من التفاؤل بشأن مستقبل هذه التقنية في نفوس كثيرين ممن يعملون في المجال. وعلى سبيل المثال، يرى دون كليفلاند، وهو عالِم أعصاب من جامعة كاليفورنيا في سان دييجو (UCSD)، ويُعَد من أوائل العلماء الذين بحثوا إمكانية استخدام هذه العقاقير لعلاج الأمراض العصبية، أن تلك فقط هي مجرد بداية، إذ "سيطرأ المزيد من التطورات الأخرى"، حسبما يقول.

لكنّ التقدم المُحرز في هذا المجال لم يجرِ دائما بسلاسة تامة. فعلى سبيل المثال، في نهاية الشهر الماضي، توقفت تجربة كبيرة من تجارب المرحلة الثالثة فجأة، لأن الباحثين وجدوا أن العقار الذي تناولته التجربة لا تفوق فوائده مخاطره لصحة المرضى. وبالإضافة إلى ذلك، لطالما حث بعض الباحثين على توخي الحذر بشأن العقاقير قليلة النيوكليوتيدات المضادة لاتجاه النسخ، نظرًا إلى أن فعاليتها في العديد من الحالات غير معروفة، وأن طريقة إعطائها – التي تكون غالبًا عن طريق الحَقْن في العمود الفقري – تتطلب تدخلًا جراحيًّا.

وعلى الرغم من أن نتيجة تلك التجربة كانت مخيبة للآمال، يقول كريس بوشوف، وهو مدير لمشروع علمي يشرف على العلاجات الجينية في المعهد الوطني الأمريكي للاضطرابات العصبية والسكتات الدماغية في بيثيسدا بولاية ميريلاند: "لا أعتقد أن ذلك مدعاة لليأس. ولا يزال هناك ما يدفعنا إلى أن نتحلى بالتفاؤل، ونتطلع بحماس إلى ما يمكن لهذا النهج تحقيقه."

طفرة في علاجات مرض نادر

وُلد بلاكلي، وهو الطفل الأول للزوجين إليوت وجانيل لويس، في عام 2011، مُصابًا بمرض تنكسي عصبي نادر ووراثي، يُعرف باسم الضمور العضلي نخاعي المنشأ (SMA). ويكون لدى المصابين بهذا المرض شكل طافِر من الجين SMN1، وهو جين مسؤول عن إنتاج بروتين يسمى "بروتين بقاء العصبونات الحركية" (المعروف اختصارًا ببروتين SMN). ويمنع نقص هذا البروتين، نتيجة لهذه الطفرة، الدماغ من التواصُل بشكل فعال مع الجسم، وهو ما يؤدي إلى ضعف العضلات وضمورها، على نحو يتفاقم بمرور الوقت. وثمة أربعة أنواع من الضمور العضلي نخاعي المنشأ، أكثرها شيوعًا هو الضمور العضلي نخاعي المنشأ من النوع الأول (SMA1)، وهو أيضًا الأكثر حدة. وتظهر عادةً الأعراض على الأشخاص الذين يعانون ذلك النوع الأول من المرض بعد الولادة بفترة وجيزة، ولا يبقى الكثير منهم على قيد الحياة بعد سن الثانية.

توصل الأطباء إلى تشخيص مرض بلاكلي وهو في عُمْر ثلاثة أشهر. وحول ذلك، يقول إليوت: "لقد حطمتنا تلك التجربة معنويًّا إلى حد كبير". وجدير بالذكر أنه آنذاك لم يكن هناك علاج متوفر للمرض، ومن ثمَّ تُوفي بلاكلي في عمر 21 شهرًا.

في ربيع عام 2017، أنجب الزوجان ابنة أخرى، أطلقا عليها اسم "إيفي". كانت أيضًا مصابة بضمور عضلي نخاعي المنشأ، لكنها كانت أكثر حظًّا من شقيقها الراحل، فقبل بضعة أشهر من ولادتها، اعتمدت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية عقارًا يُسمَّى "نوسينيرسين" nusinersen، وهو العلاج الأول على الإطلاق المُعدِّل لمسار مرض الضمور العضلي نخاعي المنشأ. وقد تلقت إيفي الجرعة الأولى منه عندما كان عمرها اثني عشر يومًا فقط.

فَطِن1 العلماء للمرة الأولى إلى قدرة العقاقير قليلة النيوكليوتيدات المضادة لاتجاه النسخ على استهداف الحمض النووي الريبي في عام 1978، لكن البرهنة على إمكاناتها الإكلينيكية استغرقت عدة عقود. فمنذ وقت مبكر، عرقلت بعض المشكلات، مثل السُميَّة، وضعف المفعول، تطوير هذه الأدوية. وبالتالي، فقدت شركات أدوية عديدة اهتمامها بإنتاجها، بيد أن الباحثين في إحدى الشركات، وهي شركة "أيونيس" للمستحضرات الدوائية (المُسمَّاة في الأصل إيزيس للمستحضرات الدوائية)، التي يقع مقرها في كارلسباد بولاية كاليفورنيا، أدخلوا تعديلات رئيسة على الأساس الكيميائي لهذه العقاقير، مما عزز قوة مفعولها واستقرارها، وأتاح لها الفرصة للوصول إلى المناطق التي تستهدفها في الجسم، دون أن تتعرض للتحلل.

بدأ العمل البحثي الذي أثمر عن دواء "نوسينيرسين" قرب عام 2000 في مختبر كولد سبرينج هاربور في نيويورك، حيث كان اختصاصي الكيمياء الحيوية والوراثة الجزيئية أدريان كرينر يبحث في الآليات التي تجعل الجين SMN2، وهو جين آخر يُرمِّز بروتين SMN، يُنتج في العموم بروتينًا أقل قدرة على البقاء من نظيره SMN1. واستنتج باحثو المختبر أنهم إذا تمكنوا من أن يجعلوا الجين SMN2 ينتج مزيدًا من البروتين SMN، فإن ذلك قد يعوض عن نقص الجين SMN1 لدى الأشخاص الذين يعانون طفرة في ذلك الجين. كما أدركوا من خلال أعمال باحثين آخرين أن سبب هذا الخلل في الجين SMN2، لدى جميع المصابين تقريبًا بهذا المرض، كان حدوث خطأ في أثناء عملية التضفير الجيني، وهي عملية يتم خلالها قص شرائط الحمض النووي الريبي، ومعالجتها لتتحول إلى تعليمات لصنع البروتينات. ويؤدي ذلك الخطأ إلى تفويت جزء من الشفرة الجينية الخاصة بالجين SMN2.

ركز فريق كرينر على دراسة البروتينات التي ترتبط بشريط الحمض النووي الريبي، وتؤدي إلى تفويت ذلك الجزء، أملًا في أن ينجحوا في منعها من التدخل في عملية إنتاج بروتينات  SMNكاملة. وفي عام 2004، بدأ كرينر في التعاون مع فرانك بينيت، وهو اختصاصي في علم الصيدلة، وأحد الأعضاء المؤسسين لشركة "أيونيس" للمستحضرات الدوائية. وحدد الباحثان معًا بدقة عقارًا قليل النيوكليوتيدات مضادًا لاتجاه النسخ، يمكنه أن يرتبط بالشريط، وأن يخفي ذلك الجزء عن البروتينات التي قد تؤدي إلى إسكات التعبير عنه، وهو ما يتيح إنتاج بروتينSMN 2 فعّال.

أُدرج ذلك المركّب (نوسينيرسين) في التجارب الإكلينيكية في عام 2011. وكانت النتائج واعدة ومبشرة بصورة كبيرة إلى حد أن تجارب المرحلة الثالثة التي أُجريت على الرضع المصابين بالضمور العضلي نخاعي المنشأ قد انتهت في وقت مبكر عن موعدها، إذ كان المرضى الذين تلقوا جرعات الدواء أقدر على تحقيق أهدافهم الحركية، والبقاء على قيد الحياة من نظرائهم ممن تلقوا عقارًا وهميًّا3.

وحتى الآن، تلقى أكثر من 10 آلاف شخص في شتى أنحاء العالم عقار نوسينيرسين (سبينرازا)، الذي منحت شركة "أيونيس" ترخيصه في عام 2016 لشركة إنتاج الأدوية المعروفة باسم "بيوجين" Biogen، والتي يقع مقرها في كامبريدج بولاية ماساتشوستس. وقد نجح العقار في تغيير مسار تطور مرض الضمور العضلي نخاعي المنشأ بشكل جذري، فلم يعد الرضع المصابون بالمرض الذين يتلقون العقار بعد ولادتهم بفترة قصيرة يموتون خلال السنوات الأولى من أعمارهم. وعلى حد قول راسل باترفيلد، وهو طبيب أعصاب أطفال من جامعة يوتاه في سولت ليك سيتي (تلقى مدفوعات مالية من شركة" بيوجين"، مقابل خدماته الاستشارية)، لم تعد "المناقشات [التي يجريها الأطباء مع الآباء] حاليًّا تنتهي ببساطة بعبارة "سنبذُل قصارى جهدنا، لكن طفلكما لن يتمكن من البقاء على قيد الحياة". وعوضًا عن ذلك، صارت تلك النقاشات تأخذ الصيغة التالية: "لدينا عقار جديد مذهل للغاية. ونحن بحاجة إلى إعطائه لطفلكما في أقرب وقت ممكن".

وتتلقى إيفي لويس، التي تبلغ من العمر الآن أربع سنوات، جرعة من عقار "سبينرازا" عن طريق البَزْل القَطَنِيّ كل بضعة أشهر، وقد حصلت مؤخرًا على الجرعة الخامسة عشرة. وعلى الرغم من أن الطفلة لا تزال تواجه بعض المشكلات، مثل الاضطرار إلى تناوُل الطعام من خلال أنبوب تغذية، فإ قادرة على المشي، والجري، والتسلق، وهو ما لم يستطع بلاكلي أن يفعله قط، كما يقول والدها إليوت.

سلسلة حافلة بالأحداث

بعد نجاح عقار "نوسينيرسين"، بدأ الباحثون في علاج أمراض أخرى مرتبطة بطفرات جينية واضحة المعالم، مثل مرض هنتنجتون. وأدى ذلك إلى ابتكار عقار "تومينيرسين" tominersen، الذي طورته شركة "أيونيس"، وحصلت شركة "روش" Roche للأدوية - التي يقع مقرها في بازل بسويسرا - على ترخيص بإخضاعه للتجارب الإكلينيكية. ويُعتقَد أن طريقة عمل ذلك العقار تقوم على استهداف تكرارات مجموعة السيتوزين، والأدينين، والجوانين على شريط الحمض النووي الريبي التي تنتجها جينات HTT السوية والمعيبة على حد سواء، ووسم تلك التكرارات من أجل تدميرها من خلال إنزيم يُسمَّى "RNase H1". وقد كشفت نتائج نُشرت في عام 2019، خاصة بتجربة إكلينيكية في المرحلتين الأولى والثانية، أن عقار "تومينيرسين" قد أسهم في خفض تركيزات النسخة الطافرة من بروتين "هنتنجتِن" في السائل الدماغي الشوكي، دون أن يسفر ذلك عن أية آثار جانبية خطيرة4.

وقد جذب النجاح المبكر الذي أحرزته تلك التجربة انتباه الباحثين في أمراض التنكس العصبي، لأن تشابك البروتينات سمة أساسية في كثير من تلك الاضطرابات. وعلى سبيل المثال، تقول سارة التبريزي، وهي طبيبة أعصاب في كلية لندن الجامعية، قادت المرحلتين الأولى والثانية من تجربة عقار تومينيرسين: "أثار هذا الكثير من الحماس، لأنه في الحقيقة فتح الباب أمام إجراء تجارب على العقاقير المضادة لاتجاه النسخ لعلاج أمراض تنكسية عصبية أخرى، يكون لتراكم البروتين الطافر السام دور في حدوثها".

 غير أن إعلانًا مفاجئًا صدر في نهاية شهر مارس الماضي وَجَّهَ ضربة كبيرة للمرضى المصابين بداء هنتنجتون. فقد أُنهيت المرحلة الثالثة من تجربة تُجرى على عقار "تومينيرسين"، وشملت 791 مشاركًا من 18 دولة في وقت مبكر، بناءً على نصيحة لجنة مستقلة تضم في عضويتها عددًا من الخبراء الذين أجروا مراجعة مُقرَّرة لبيانات التجربة. وذكر بيان صادر عن شركة “روش" أنه لم تظهر مخاوف جديدة تتعلق بأمان العقار، لكن وُجد أن الفوائد المحتملة له لا تفوق المخاطر الناتجة عنه. وإلى حين نشر مزيد من التفاصيل عن التجربة، لا يمكن تحديد ماهية المشكلة التي تَسبَّب فيها العقار، على حد قول سارة التبريزي.

ولا تزال الأدوية التي تعمل بطريقة مشابهة لعقار "تومينيرسين" تُستخدَم في علاج اضطرابات أخرى ذات أسباب مماثلة. وعلى سبيل المثال، تَنتُج بعض حالات التصلب الجانبي الضموري عن كم كبير من بروتين طافر، كما أن حفنة من العقاقير قليلة النيوكليوتيدات المضادة لاتجاه النسخ، والمُستخدَمة لعلاج بعض صور هذا المرض لا تزال في طور التجارب الإكلينيكية. ولعل العقار الأكثر إحرازًا لتقدُّم على طريق تطويره من بين هذه العقاقير هو عقار "توفيريسين" tofersen، الذي طورته شركة "أيونيس" لعلاج شكل وراثي من التصلب الجانبي الضموري.  ويخضع هذا العقار حاليًّا للاختبار في المرحلة الثالثة من تجربة تجري برعاية شركة "بيوجين".

وتقول كلوديا تيستا، وهي طبية أعصاب من جامعة فرجينيا كومنولث في مدينة ريتشموند الأمريكية، إنه مقارنةً بتعزيز إنتاج بروتين مفقود، وهو ما يفعله عقار "نوسينيرسين"، فثمة تحديات فريدة من نوعها تتأتى لدى خفض مستويات بروتين طافر، وهو المفعول الذي يحققه عقارا "تومينيرسين"، و"توفيريسين". وفي الواقع، تعمل استراتيجيات عديدة لخفض البروتينات الطافرة على تقليل مستويات كل من النسخ السليمة والمعيبة من هذه البروتينات. ولا يزال العلماء يجهلون الآثار طويلة المدى لتلك العملية على الأمراض المعنية. وليس من الواضح ما إذا كانت هذه هي المشكلة التي وقعت في المرحلة الثالثة من تجربة عقار "تومينيرسين". أما عقار علاج الضمور العضلي نخاعي المنشأ، فهو يحدث مفعولًا مغايرًا تمامًا، و"لذا" لا يمكن أن يخدم في التنبؤ بفعالية علاج الأمراض الأخرى، وهذه حقيقة مؤلمة"، كما تقول تيستا.

ولتجنب هذه المشكلة، تستهدف بعض العقاقير قليلة النيوكليوتيدات المضادة لاتجاه النسخ البروتينات الطافرة بشكل مباشر. وعلى سبيل المثال، تختبر حاليًّا شركة "ويف لايف ساينسيز" Wave Life Sciences للتقنيات الحيوية، التي يقع مقرها في كامبريدج بولاية ماساتشوستس، استراتيجية تستهدف الطفرات الصغيرة التي تحدث أحيانًا جنبًا إلى جنب مع تكرارات مجموعة السيتوزين، والأدينين، والجوانين على النسخة الطافرة من الجين HTT. ويتمثل الهدف من ذلك في إبقاء معدلات بروتين هنتنجتين السليم، دون تغيير نسبيًّا، إلا أن مفعول العقار قد يظهر فقط لدى مجموعة فرعية من الأشخاص المصابين بمرض هنتنجتون ممن يحملون تلك الطفرات. وفضلًا عن ذلك، لا يمكن اكتشاف حدوث ذلك الاختلاف، إلا من خلال طريقة مضنية لتعيين لتسلسل الجيني، لا تُجرى في المعتاد في العيادات، على حد قول تيستا (التي تلقّت أتعابًا مالية من شركة "ويف لايف ساينسيز" مقابل خدماتها الاستشارية).

نسخة سامّة من بروتين HTT الذي يقف وراء الإصابة بمرض هنتنجتون، تشكل كتلًا (باللون الأخضر الزاهي).

نسخة سامّة من بروتين HTT الذي يقف وراء الإصابة بمرض هنتنجتون، تشكل كتلًا (باللون الأخضر الزاهي).

Credit: K. W. Drombosky et al./Neurobiol. Dis.

وفي الآونة الأخيرة، شرع الباحثون في اختبار قدرة العلاجات القائمة على العقاقير قليلة النيوكليوتيدات المضادة لاتجاه النسخ في حالات أكثر شيوعًا من التنكس العصبي، مثل مرض باركنسون، ومرض ألزهايمر. وجدير بالذكر أن الغالبية العظمى من هذه الحالات لا ترتبط بطفرة جينية محددة. كما تتميز هذه الاضطرابات بأنها أكثر انتشارًا من الأمراض الوراثية. ويهدف علاج مرض أَلزهايمر بالعقاقير قليلة النيوكليوتيدات المضادة لاتجاه النسخ إلى خفض مستويات البروتين "تاو" tau، الذي يتراكم في شكل تشابكات سامة في الدماغ. أما فيما يخص مرض باركنسون، فيستهدف العلاج خفْض مستويات بروتين "ألفا-سينوكلين"α-synuclein ، الذي يتجمع في شكل تكتلات مرضية تُعرف باسم "أجسام ليوي".

ومن المُرجَّح أن تُسهم شبكةٌ تضم جينات عديدة في الإصابة بمثل هذه الأمراض التنكسية العصبية، وفقًا لما قاله كيفين تالبوت، وهو طبيب أعصاب من جامعة أكسفورد بالمملكة المتحدة، من المزمع أن يشارك في تجربة وشيكة على عقار قليل النيوكليوتيدات مضاد لاتجاه النسخ من أجل علاج التصلب الجانبي الضموري. ويقول كذلك إنه ليس واضحًا كيفية تأثير تغيير في جين واحد داخل تلك الشبكة على بقية الجينات. (وقد عمل تالبوت سابقًا في المجالس الاستشارية العلمية لشركتَي "روش"، و"بيوجين").

وثمة مشكلة أخرى، حسبما يقول تالبوت، تتمثل في أن تلك العقاقير يجب حاليًّا إعطاؤها باستخدام عمليات بَزْل قَطَنِيّ متكررة، للوصول إلى أهدافها في الجهاز العصبي المركزي. وقبل استخدام العقاقير قليلة النيوكليوتيدات المضادة لاتجاه النسخ في علاج مجموعة أكبر من الأمراض، سوف يكون من المهم إيجاد وسيلة لتمكين تلك العقاقير من تجاوُز الحاجز الدموي الدماغي، حتى يمكنها الوصول إلى أهدافها بطرق تتطلب إجراءات باضعة أقل، على حد قول تالبوت، الذي يضيف قائلًا: "ثمة قائمة كاملة بإجراءات ينبغي القيام بها، قبل أن نحتفل بالنصر".

تغيير هوية الخلايا

تشير الدراسات التي أجريت على الفئران إلى أن العقاقير قليلة النيوكليوتيدات المضادة لاتجاه النسخ يمكن أن تكون لها منافع أكبر في الدماغ مستقبلًا، وبالتحديد في مجال تعويض فقدان الخلايا العصبية.

وعلى سبيل المثال، في العام الماضي، أوضح شيانج-دونج فو، وهو متخصص في بيولوجيا الخلايا من جامعة كاليفورنيا، وزملاؤه أنه من الممكن استخدام العقاقير قليلة النيوكليوتيدات المضادة لاتجاه النسخ في تحويل خلايا الدماغ غير العصبية المُسمَّاة بالخلايا النجمية إلى خلايا عصبية5، إذ قام الفريق بحقْن أحد هذه العقاقير في منطقة محددة بأدمغة الفئران، فُقدت منها الخلايا العصبية من جرّاء الإصابة بمرض باركنسون. وبمجرد وصول العقار إلى تلك المنطقة، نجح في تنشيط شبكة من الجينات التي تُحفِّز تحوُّل الخلايا النجمية إلى خلايا عصبية. كما وجد الفريق أنّ الذي تلقَّى العلاجَ من نماذج الفئران المصابة بمرض باركنسون أظهر تحسنًا في سلوكيات معينة.

وكان كليفلاند، الذي شارك في تجربة فو، يستخدم عقارًا قليل النيوكليوتيدات، مضادًا لاتجاه النسخ، قدمته شركة “أيونيس" لاختبار صحة هذه الفكرة في مناطق أخرى من الدماغ. وحول ذلك، يقول: "هذا حقًّا هو المجال الذي أعتزِم أن أستثمر فيه ما تبقى لي من عمر في هذه المهنة. وأنا على يقين من أننا فتحنا للتو بابًا واحدًا من العلاجات المحتملة."

ولا تزال العقاقير قليلة النيوكليوتيدات المضادة لاتجاه النسخ، التي تقوم بتحويل الخلايا النجمية إلى خلايا عصبية، في مرحلة مبكرة من رحلة تطويرها. وينبه فو إلى أنه قبل نقل هذه التقنية إلى العيادات، ينبغي اختبارها على الرئيسيات من غير البشر، لأن أدمغتها أقرب إلى أدمغتنا، من أدمغة الفئران.

وفي الوقت الحالي، ينتظر الباحثون بصبر فارغٍ النتائج التي سوف تسفر عنها تجارب المرحلة الثالثة لاختبار فعالية عقار" توفيريسين" في علاج مرض التصلب الجانبي الضموري، كما يترقبون الحصول على مزيد من المعلومات بشأن الأسباب الحقيقية وراء إيقاف تجربة" تومينيريسين" الخاصة بمرض هنتنجتون.

وقد شاركت سوزان، وهي ممرضة متقاعدة في منتصف الستينات من عمرها، في التجربة التي أجريت على عقار "تومينريسين" منذ المرحلة الأولى منها. وقد ذكرت أن نبأ إيقاف التجربة أصابها بخيبة أمل، لكنها في الوقت ذاته تشعر بالامتنان بسبب الرعاية التي تلقّتها وقت مشاركتها في التجربة، إذ تقول: "كنت محظوظة للغاية لمشاركتي في هذه التجربة منذ اليوم الأول. والآن، الأمر رهن الصبر وجهود المراجعة، ولا يوجد بديل سواهما، أليس كذلك؟"

References

  1. Stephenson, M. L. & Zamecnik, P. C. Proc. Natl Acad. Sci. USA 75, 285–288 (1978). | article
  2. Hua, Y., Vickers, T. A., Okunola, H. L., Bennett, F. & Krainer, A. R. Am. J. Hum. Genet. 82, 834–848 (2008). | article
  3. Finkel, R. S. et al. N. Engl. J. Med. 377, 1723–1732 (2017). | article
  4. Tabrizi, S. J. et al. N. Engl. J. Med. 380, 2307–2316 (2019). | article
  5. Qian, H. et al. Nature 582, 550–556 (2020). | article

ديانا كوون

صحفية علمية مستقلة تقيم في برلين.