رؤية كونية

المتدينون حلفاء في المعركة ضد تغير المناخ

إذا تعاون العلماء مع الجماعات الدينية، فبإمكانهم أن يشكِّلوا معًا جبهة قوية في المعركة الرامية إلى بقاء كوكبنا مكانًا صالحًا للعيش.

توبياس مولر 

  • Published online:

TOBIAS MÜLLER

أصبحتُ معتادًا نظرات الرِّيبة التي يرمقني بها العلماء عندما أتحدث إليهم عن عملي مع الجماعات الدينية. ولديهم أسبابهم التي تدفعهم إلى الاعتقاد بأن العِلْم مهدَّد من قِبَل المتعصبين، والأمثلة على هذا التهديد كثيرة: بدءًا من المعاملة التي تعرَّض لها جاليليو جاليلي، وصولًا إلى الإحجام عن تلقي اللقاح. وربما يكون لدى الجماعات الدينية، هي الأخرى، من الأسباب ما يجعلها تُبادِل العلماء الشعور نفسه. ومع ذلك، فحتى وإنْ كانت ثمة خلافات بين هذه الجماعات والعلماء حول قضايا جوهرية، فلا تزال هناك إمكانية – بل وحاجة – إلى التعاون بين الجانبين في التعاطي مع بعض القضايا المُلحّة، ومنها قضية تحوُّل مساحات كبيرة من الأرض إلى مناطق غير صالحة للعيش. ومن وجهة نظري، سيكون عيد القيامة هذا العام، أو عيد الفصح، أو شهر رمضان بمثابة فرصة سانحة لإطلاق هذا التعاون.

أعمل باحثًا في مجال العلوم السياسية، وأعكف على دراسة الآليات التي تتعامل بها الجماعات الدينية مع القضايا المختلفة: بدايةً من الأزمات البيئية، مرورًا بالعنف المنزلي، ووصولًا إلى قضية العنصرية. ومنذ عام 2013، عملتُ جنبًا إلى جنب مع باحثين آخرين، بعضهم متديِّنون، والبعض الآخر من غير المتديّنين، بهدف مساعدة الجماعات الدينية على التعرُّف على علم المناخ.

ولقد لمستُ بنفسي مدى فعَّالية هذا التوجُّه. فعلى سبيل المثال، التزمَتْ حوالي 1200 مؤسسة بسَحْب استثماراتها من شركات الوقود الأحفوري، بإجمالي 14.5 تريليون دولار أمريكي. شكَّلت المؤسسات الدينية نسبة الثلث من بين تلك المؤسسات، وكان على رأس الكثير منها علماء، ومنها المؤسسة الخيرية المسمَّاة "أوبيريشن نوه" Operation Noah. وبالمثل، أسست جماعة "مسلمون متمردون ضد الانقراض" Extinction Rebellion Muslims شبكة عابرة للحدود، تضم علماء ونشطاء مقيمين في كينيا، وجامبيا، والمملكة المتحدة، وغيرها من البلدان؛ حيث يرعَى هؤلاء العلماء والنشطاء سلسلة ندوات بعنوان: "رمضان الأخضر" Green Ramadan. وقد أسهمت جهودهم في تعطيل خطط إنشاء منتجع سياحي فاخر، كان بناؤه سيؤدي إلى تدمير أجزاء من حديقة نيروبي الوطنية في كينيا. وإضافةً إلى ذلك، جرى تعيين إحدى الناشطات المشارِكات في الحملة، وهي نكامونو باتيتا، من زعماء قبيلة "الماساي" Maasai، ضمن فريق عمل حكومي مكلَّف بوضع خرائط لرصد مسارات هجرة الحيوانات والطيور البرية، وسيقدم المشورة للحكومة بشأن خطط التنمية المستقبلية.

غير أنني قد رأيتُ أيضًا حالاتٍ كثيرة لتعثُّر فرص للتعاون بين المجموعات الدينية والعلماء من حينٍ إلى آخر، بسبب ما يحمله كل طرف من افتراضات خاطئة عن الآخر، وغياب التواصل الكُفؤ بين الطرفين؛ الأمر الذي دفعني إلى صياغة بعض الاستراتيجيات، منها استراتيجية تُعنَى بالعمل على إيجاد أُطُر مشتركة للتفاهم، بُغية المساعدة على تعزيز هذه الفرص.

لقد نشأت في مجتمع مسيحي محافظ، كان الاهتمام بالبيئة بالنسبة إليه في ذيل قائمة الأولويات، مقارنة بالاستعداد لعودة المسيح. ولكنْ بعدما التحقتُ بالجامعة، وصرتُ على دراية بدور تغير المناخ في قطع سُبُل العيش لآلاف الأشخاص، داهمني حزنٌ عميق، وتساءلت: كيف أسهمنا - نحن المسيحيين، الذين نتخذ من محبة الجيران واجبًا مقدسًا - في تدمير خلق الله؟

ولمّا كان الأمر كذلك، فما إنْ علمتُ بأن اثنين من العلماء في كنيستي قد أسَّسا مبادرة تحت عنوان "رعاية الخلق" Creation Care ، تهدف إلى الربط بين العِلْم، وتعاليم الكتاب المقدس، والرعاية الكَنَسية، حتى هُرِعتُ إلى الانضمام إليها على الفور. وكان من ثمرة ورش عملنا المصغَّرة أن وُجِّهَتْ إلينا الدعوة للمشاركة في وضع استراتيجية الاستدامة الخاصة بمؤتمر دولي للشباب، كان المتوقَّع أن يحضره 40 ألفًا. 

ولكن، للأسف، رفض المنظمون معظم مقترحاتنا. أعتقد أنهم كانوا سيكونون أكثر تقبُّلًا لأفكارنا، لو أننا قدَّمنا أطروحاتنا ضمن إطار يراعي وجهات النظر المسيحية. فبدلًا من الخروج على قادة الكنيسة بحلول "راديكالية"، من قبيل تقديم الطعام النباتي فقط، كان ينبغي علينا أن نمُدَّ يد العون إلى أعضاء الكنيسة، الذين كانت تواجههم بالفعل مشكلات عدة، مثل مشكلة التصحر، والفيضانات، وغيرها من الآثار المترتبة على تغيُّر المناخ.

من شأن هذه المعالَجة للقضايا العلمية أن تكون فعّالة عند التعامل مع معظم الجماعات الدينية، بالنظر إلى أن أفراد هذه الجماعات يدركون أن تغير المناخ يؤثر تأثيرًا بالغًا على عديد من أقرانهم من المتديّنين في مناطق شتّى، مثل منطقة جنوب آسيا، حيث يعيش كثيرٌ من المسلمين والهندوس، وأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، حيث يعيش عدد كبير من المسيحيين. والحقُّ أن معتقدات السكان الأصليين، والمجموعات الدينية المحلية، طالما لعبَتْ دورًا محوريًّا في حماية كوكب الأرض.

وفي الوقت الراهن، أسعى إلى إقناع العلماء بوضع الماضي جانبًا، وأخْذ المجموعات الدينية على محمل الجد، والتعامل معها بوصفها حليفًا في المعركة الدائرة ضد تغير المناخ. في نوفمبر الماضي، نَظَّمْتُ مؤتمرًا (انظر: go.nature.com/3tp2) حول الدين وتغيُّر المناخ، وذلك بالتعاون مع معهد وولف، وهو مركز لأبحاث الأديان في كامبريدج بالمملكة المتحدة. حضر المؤتمر نحو 250 شخصًا من أكثر من 20 دولة، أعقبه توجيه دعوات إلى علماء ممن ظهروا في المؤتمر، للمشاركة في فعاليات أقامتها الجماعات الدينية. وبالتعاون مع منظمة "كامبريدج زيرو" Cambridge Zero، وهي منظمة تابعة لجامعة كامبريدج، ترعى أبحاث المناخ، وكذلك مع الجماعات الدينية في جميع أنحاء العالم، تعكف كلية اللاهوت بالجامعة على تنظيم قمة لمناقشة قضية العلم والدين، ضمن وقائع المؤتمر السنوي السادس والعشرين لأطراف اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، الذي يُشار إليه اختصارًا بمؤتمر "COP26"، المزمع انعقاده في شهر نوفمبر المقبل في مدينة جلاسجو بالمملكة المتحدة.

وخلال مسيرتنا هذه، تعلَّمنا عددًا من الممارَسات الفعَّالة التي يمكن للعلماء الأخذ بها عند مخاطبة المجموعات الدينية بشأن تغير المناخ.

احرص على التعاون مع العلماء المتدينين، وقادة المجتمعات المحلية. لن تكاد تجد جماعة دينية، مهما بلغَتْ درجة محافظتها، إلا وتضم ​​علماء يدافعون عن العمل المناخي. ابحث عنهم، وتعرَّف على حُججهم، واستشهِدْ بنصوص من الكتب المقدسة، من شأنها أن تلقى صدًى لدى أتباعها، ولْتجعلها جزءًا من حوارك معهم.

القصص أبلغ أثرًا من الرسوم البيانية. الأرقام وحدها لن تنصر قضيتك، فحريٌّ بك أن تركز على جموع المصلِّين، وأقرانهم من المتديّنين، في المناطق الأكثر تضررًا من تغير المناخ. كما أن الكُتب المقدسة تزخر بقصص مروّعة عن الآثار المدمرة للجفاف؛ ففي إمكانك أن توضح كيف أن الدمار الذي تصفه هذه القصص لا يُقارَن بالدمار الذي يمكن أن يخلِّفه تغير المناخ.

ابحث عن المساحات المشتركة بينك وبين جمهورك. يرى قطاع عريض من المتدينين أن العِلْم يهدد قيمهم الراسخة، فكُن مستعدًا لسماع الحُجج الدينية المضادة، وتجنَّب الخوض في المناظرات التي تضع العلم في كفة، والدين في الكفة الأخرى. وعوضًا عن ذلك، يحسُن بك تناوُل الأمور ذات الاهتمام المشترك، مثل: رفاهية مجتمعك، على اعتبار أنه العالَم الذي سينشأ فيه أطفالك. لقد تبيَّن لي أن تركيز النقاش على السؤال: "كيف أكون سلفًا جيدًا للأجيال القادمة؟" يخلق مساحات مدهشة من الأرضية المشتركة.

وإذا كنتَ متدينًا، توجه إلى القسّ، أو الإمام، أو الحاخام، أو أي زعيم محلي آخر، وسَلْه إنْ كان بإمكانك إلقاء محاضرة حول تغير المناخ. وإذا لم يتسنَّ لك ذلك، فإن عيد القيامة، وعيد الفصح، ورمضان تمثل مناسباتٍ مواتية لزيارة الكنيسة، أو المعبد اليهودي، أو المسجد في المنطقة التي تقيم فيها. حبَّذا لو تتمنَّى للحضور عطلة سعيدة، وتدعوهم إلى تناول قدحٍ من الشاي، ثم تسألهم عما إذا كانوا يرغبون في معرفة تداعيات أزمة المناخ على مجتمعهم.

ومن هنا، يمكننا بناء تحالف من القوة بحيث يمكن أن يُعيد كتابة التاريخ.

 

توبياس مولر

مُحاضِر مشارك في جامعة كامبريدج بالمملكة المتحدة، وباحث ما بعد الدكتوراة في جامعة ليدن بهولندا، متخصص في السياسة، والدين، وتغير المناخ.

البريد الإلكتروني: tm498@cam.ac.uk