افتتاحيات

إعادة الاعتبار للمرأة في تاريخ العلوم

كثيرًا ما أغفلت أدبيات تاريخ العلوم تسليط الضوء على إنجازات الكثير من الباحثات، ولا سيما اللواتي ينحدرن من فئات مهمَّـشة، ولكنّ جيلًا صاعدًا من المؤرخين يسعى لتغيير هذه السردية التاريخية.

  • Published online:

أطلقت وكالة ناسا، في شهر فبراير الماضي، اسم الراحلة ماري دبليو جاكسون على مبنى مقرّاتها الرئيسة بالعاصمة الأمريكية واشنطن. كانت جاكسون هي أول مهندسة سوداء عرفتها الوكالة، فضلًا عن كونها خبيرة ملاحة جوّية تخصصت في دراسة كيفية تدفق الهواء حول المركبات الجوّية، إلا أن لحظة التكريم هذه لم تخلُ من شجن؛ إذ جاء هذا الاعتراف بجهود جاكسون بعد مرور أكثر من عقد على وفاتها في عام 2005. وفي الواقع، يمكن القول بأن إنجازات جاكسون لم تكن لتحظى بمثل هذا الاهتمام، لولا صدور كتاب "شخصيات مطموسة" Hidden ‎Figures لمارجوت لي شيترلي في عام 2016، مصحوبًا بفيلمٍ مستوحى عنه صدر في العام نفسه. تدور أحداث كل من الكتاب والفيلم حول مجموعة من عالمات الرياضيّات السود، من بينهن جاكسون، عملنْ في مركز لانجلي للبحوث في مدينة هامبتون بولاية فيرجينيا الأمريكية.

إن إطلاق اسم جاكسون على أحد المباني الحكومية في العاصمة واشنطن هو خطوة لا يستهان بها، ولكنه يظل مجرد خطوة وحيدة نحو التصدي للمشكلات الأكبر في مجال دراسة تاريخ العلوم والهندسة. وبعد انتهاء "شهر تاريخ المرأة" Women’s History Month، لا يسعنا إلا الإقرار بما نعاينه من إخفاق أدبيات تاريخ العلوم، بما في ذلك الكثير من أدبيات أرشيف دورية Nature، في تسليط الضوء على إنجازات الباحثات، ولا سيما اللواتي ينتمين منهن إلى فئاتٍ مهمَّـشة. لطالما طُمس عمل هؤلاء الباحثات، بل وحُذف ذكرهن من السجلات، ولكن بدأت تظهر في وقتنا الحالي مبادراتٍ تسعى إلى تصحيح هذا الخطأ.

وكما هو الحال في معظم المجالات، فإن الرجال، وهم غالبًا من البيض، وآخرون من المنتمين إلى مؤسساتٍ في بلدان مرتفعة الدخل، يهيمنون على مجتمع مؤرخي العلوم، كما يحظون بنصيب الأسد من الدراسات التي تُصْدِرها دوريات تاريخ العلوم. وفي ظل جائحة "كوفيد-19"، تزايدت ظاهرة استبعاد المؤرخات من الصورة. فعلى سبيل المثال، شهدت مجلة "آيزس" Isis، التي تُعنى بتاريخ العلوم، انخفاضًا حادًّا في عدد النساء اللواتي قدمن أوراقًا بحثية للنشر في المجلة. ففي يناير وفبراير من عام 2020، تساوت أعداد المؤلفين من الإناث والذكور ممن قدموا أوراقًا بحثية، إلا أنه بدايةً من شهر مارس من العام نفسه، كان عدد المؤلفين يتجاوز عدد المؤلفات بنسبة تزيد على ثلاثة إلى واحد، الأمر الذي قد يُعزى إلى أن عددًا أكبر من النساء، مقارنة بالرجال، أخذن على عاتقهن تأدية مهام الرعاية والاضطلاع بالمسؤوليات المنزلية منذ بدء فترة الإغلاق.

ومع ذلك، فهناك جيل صاعد من مؤرخي العلوم يحمل رؤى جديدة تُبشّر بكسر هذه القوالب النمطية. وقد تحدثت دورية Nature إلى العديد من هؤلاء الباحثين، رجالًا ونساءً، حيث أشاروا خلال حديثهم إلى جذور بعض هذه المشكلات، كما سلطوا الضوء على عدد من الجهود المبذولة التي تسعى إلى جعل تاريخ العلوم أكثر تنوعًا، وشموليةً، وعالمية.

أعاد الباحثون التأكيد على أن أدبيات العلوم والهندسة تتمحور بدرجة كبيرة حول سردية "البطل العالم العظيم"، وبطل هذه السردية عادة ما يكون رجلًا يحقق الانتصارات العلمية منفردًا، مدفوعًا برؤية فريدة من نوعها، أو بنبوغ فردي. وحتى حين تشير السجلات التاريخية إلى وجود عمل مشترك، فإن هذا العمل يوصف عادة بكونه تعاونًا بين الرجال. وليس هذا بالأمر الجديد، ولا المفاجئ. فالعلم مجال يعج بالعنصرية والتمييز على أساس نوع الجنس. وقد واصل العلم مسيرته على مر التاريخ، وفي جميع أنحاء العالم، بينما كانت النساء تُحرم من فرص التعليم، ومن العمل داخل المختبرات، ومن الأعمال الميدانية، وكذلك يُمنعن من الانخراط في المؤسسات الأكاديمية، والنشر العلمي، والمجتمعات العلمية. إن الإسهامات العلمية للنساء، خاصة غير البيضاوات، غالبًا ما كانت تتعرض للتعتيم، إنْ لم تُمح تمامًا عن عمد. 

تروي المؤرخة هبة عبد الجواد، المقيمة في القاهرة والباحثة بكلية لندن الجامعية، قصة تعود إلى ثمانينات القرن التاسع عشر، عن مُنَقِّبة آثار عملت بجانب عالم المصريات وأخصائي تحسين النسل، فلندرز بيتري، ولكن هويتها للأسف ستظل سرًّا إلى الأبد؛ إذ لم تورد السجلات التاريخية سوى اسم والدها: محمد حسن. آنذاك، كان يتعين على هذه المُنَقِّبة أن تسجّل اسم والدها، كي تحصل على وظيفة، وهي ممارسة لا زالت قائمة في بعض البلدان. وتروي عبد الجواد بأن بيتري هو الآخَر لم يكلف نفسه يومًا عناء سؤال زميلته عن اسمها الحقيقي. 

مصادر غير تقليدية

في مجال تاريخ العلوم، تُعتبر المخطوطة الأرشيفية أحد أهم مصادر الأدلة التي تستند إليها الأبحاث، بل وحيوات مهنية بأكملها. وبمعايير اليوم، تُعتبر هذه الوثائق مساوية لمقال في مجلة علمية، أو مونوجرافيا أكاديمية. ولذا، فعلى المؤرخين الذين يطمحون إلى اتباع نهج أكثر شمولية في البحث أن يوسعوا دائرة المصادر التي يستقون منها أدلّتهم، وذلك من خلال البحث عن الأصوات العلمية التي أُسكتت، وكذلك تسليط الضوء على الإسهامات التي لم يعترف أحد بها، وكلها ممارسات بدأ مؤرخو اليوم في تبَنِّيها بالفعل.     

تقول سارة قدوائي، المؤرخة بجامعة تورنتو في كندا، إن التواريخ المُتَناقَلة شفهيًّا بمختلف لغاتها، وكذلك المتعلقات الشخصية، يمكن اعتبارها مصادر للمعلومات، ومن ثَمَّ ضمها إلى الأرشيفات التاريخية. وفي هذا الصدد، فالعمل جارٍ على نشر موسوعة تتكون من خمسة مجلدات، هي في الواقع مجموعة من المصادر الأولية لمواد تعود إلى عالمات، تضم فيما بينها مصادر مكتوبة، وصورًا، وروابط لمقاطع صوتية، وغيرها من المواد. ومن المرتقب أن تصدر الموسوعة في السنوات القليلة القادمة. يحمل هذا العمل عنوانًا مؤقتًا هو "النوع، والاستعمارية، والعلوم، ما بين 1750 و1950" Gender, Colonialism, and Science, 1750 – 1950 ، ويتولى تحريره دونالد أوبيتز، المؤرخ في جامعة دي بول في شيكاغو بولاية إلينوي الأمريكية، وبانو سوبرامانيام، عالمة الأحياء ودراسات نوع الجنس في جامعة ماساتشوستس في أمهيرست.

تقول إميلي ريس، التي يتمحور عملها البحثي حول النساء والتكنولوجيا في جامعة ليدز بالمملكة المتحدة، إن السبيل الوحيد للكشف عن العالمات المطموسات في تاريخ العلوم هو توسيع نطاق الأرشيف التاريخي. وتسعى ريس وزملاؤها لتحقيق هذا الهدف من خلال مشروع "نساء لامعات" Electrifying Women، الذي يعملون فيه على تمشيط أرشيفات المؤتمرات وغيرها من المصادر غير المستكشَفة جيدًا، بحثًا عن معلومات حول إسهامات المهندسات من خارج أوروبا وأمريكا الشمالية.

وبالتزامن مع ذلك، بدأت المؤسسات صاحبة الدور القيادي في مجال تاريخ العلوم في اتخاذ خطوات نحو الهدف نفسه. ففي يوليو الماضي، عقدت الجمعية البريطانية لتاريخ العلوم مهرجانًا رقميًّا عالميًّا، تناول قضايا بعينها، مثل كيفية تمييز الأصوات المُهمَّشة في المواد الأرشيفية. أما الجامعات، فقد شهدت تشكيل مبادرات تعاون بين أعضاء هيئات التدريس، والطلاب، مثل مشروع "العلم خارج حدود الغرب" Science Beyond the West ذي القيادة الطلابية في جامعة بنسلفانيا بمدينة فيلادلفيا الأمريكية.

يتطلب كل هذا العمل وقتًا، وتنظيمًا، وتمويلًا، واعترافًا بأهمية إدماج وجهات نظر الباحثين الذين عانوا التهميش لفترة طويلة. ولن يتمخض هذا بالضرورة عن قائمة جديدة من "العباقرة المجهولين"، تضاف أسماؤهم إلى سردية البطل العالِم العظيم. فالسير الذاتية للعالمات، كما لاحظت باتريشيا فارا، المؤرخة بجامعة كامبريدج في المملكة المتحدة، بإمكانها أن ترسخ القوالب النمطية. إن علوم التاريخ بمختلف مجالاتها تمر الآن بعملية إعادة نظر وتغيير. ولا بد لتاريخ العلوم أن يمر بالعملية نفسها إذا أردنا أن تحصل المرأة على التقدير الذي تستحقه.