رؤية كونية

مكافحة المعلومات الزائفة تتطلب "الجزرة مع العصا"

ينبغي على منصات التواصل الاجتماعي أن تكافئ مستخدميها الذين يكتبون منشوراتٍ دقيقة وموثوقة.

تالي شاروت
  • Published online:

MICHAEL LIONSTAR

خلال عام 2020 وحده، تضاعف حجم التفاعل الذي حظيت به الأخبار المضَلِّلة على منصات التواصل الاجتماعي من إعجاب، ومشارَكة، وما شابه، ليصل إلى 17% من إجمالي التفاعل. ولهذا، النمو الهائل تبِعات، تتمثل في الاستقطاب السياسي، والتطرف العنيف، والعنصرية، ومقاومة جهود مكافحة تغيُّر المناخ، واللقاحات أيضًا. وقد خَطَت شركات منصات التواصل الاجتماعي بضع خطواتٍ في سبيل مكافحة المعلومات المغلوطة، ولجأت في ذلك إلى التحذيرات، وإلى استخدام سياسة "العصا"، وذلك بحذف بعضٍ من المستخدمين الذين يضطلعون بدور نشط في نشر هذه المعلومات السامة المزيفة، وبإضافة تحذيراتٍ إلى المحتوى المضلِّل. كما تتيح منصتا "فيسبوك" و"إنستجرام" لمستخدميهما أن يُبلغوا عن المنشورات المثيرة للقلق، أمَّا منصة "تويتر"، فتطلب من مستخدميها قراءة المقالات قبل إعادة نشرها على المنصة.

صحيحٌ أنَّ نِقاشًا يجري حاليًّا حول التحسينات التي ينبغي أن تُدْخِلها منصات التواصل الاجتماعي على خوارزميات الاقتراحات فيها، كي تكبح تداول المعلومات المغلوطة، إلَّا أنَّ جانبًا مهمًّا يغيب عن هذا النقاش، وهو يتعلق بكيفية تحسين المحتوى الذي يرغب المستخدمون في مشاركته ونشره. ففي الوقت الحالي، ليست هناك حوافز واضحة ومباشِرة تدفع المستخدمين إلى الاهتمام بالدقة. ولذا، تحتاج منصات التواصل الاجتماعي -بجانب استخدام سياسة "العصا"- إلى اللجوء إلى سياسة "الجَزَرة" أيضًا، بمنح المكافآت لمن ينشرون الحقائق.

وبوصفي باحثةٍ في علم الأعصاب، تدرس الدوافع واتخاذ القرارات، رأيتُ كيف يؤدي حتى أبسط المكافآت إلى تغييرٍ ملموس في السلوك. تأَمَّلْ -على سبيل المثال- شعور أغلب القراء بتقدير الذات عندما تحظى منشوراتهم بإعجاب الآخرين. وهذا التفاعل يجلب لهم كذلك بعض "المتابِعين"، وهو ما يعزز فرصهم في إبرام تعاقداتٍ مربحة.

ومن ثَمّ، عندما يستحِث نوعٌ من المحتوى تفاعلًا كبيرًا من بعض مستخدمي المنصات الإلكترونية، فإنَّ هذا من شأنه أن يحفز مستخدمين آخرين على نشر محتوى مشابه. وتلك هي المعضلة؛ فالأخبار المغلوطة تحظى بعدد أكبر مما تحوزه الأخبار الموثوقة من إعجاب و"تغريدات"، وهو ما يجعلها تنتشر بمعدلٍ أسرع بست مرات إلى عشرين مرة. ويرجع ذلك -بدرجةٍ كبيرة- إلى أنَّ ذلك النوع من المحتوى يجذب الانتباه، ويكرس معتقدات قائمة. وبالإضافة إلى ذلك، ينشر المستخدمون المعلومات، حتى حين لا يثقون فيها.  ففي إحدى التجارب (G. Pennycook et al. Nature https://doi.org/10.1038/s41586-021-03344-2; 2021)، وجد الباحثون أنَّ المستخدمين عندما عُرِضَت عليهم أخبارٌ كاذبة، لكنْ تتفق مع انتماءاتهم السياسية، مال 40% منهم إلى مشاركتها، رغم أنَّ 20% منهم فقط ظنُّوها صحيحةً ودقيقة.

وفي الوضع الحالي، يُكافَأ المستخدمون عندما تحوز منشوراتهم إعجاب عددٍ كبيرٍ من الناس، حتى حين تفتقر إلى الدقة. فماذا لو كافأنا المستخدمين على الالتزام بالدقة والأمانة فيما ينشرون؟ على حد علمي، لا يقدِّم أي نظام على منصات التواصل الاجتماعي الكبرى مكافآت مباشرة وواضحة للمستخدمين نظير تحريهم الدقة فيما ينشرون. ونُظُم كهذه ستستغل النزوع البشري الطبيعي لتفضيل السلوكيات التي تفضي إلى الحصول على أكبر قدر من المكافآت. ومن ثم، قد تعزز سلوكيات المستخدمين التي تنتج محتوى موثوقًا ودقيقًا، وتُعلِم أيضًا غيرهم بأنَّ هذا المحتوى جديرٌ بثقتهم.

"ماذا لو كافأنا المستخدمين على الالتزام بالدقة والأمانة فيما ينشرون؟".

نجح تطبيق أنظمة المكافأة هذه من قبل. ففي السويد، مُنِحَت هدايا للسائقين الذين يلتزمون بحدود السرعة المُقرَّرة، وأدى ذلك إلى انخفاض متوسط السرعة على الطرق بنسبة 22%. وفي جنوب أفريقيا، قررت شركة تأمينٍ صحي أن تمنح عملاءها نقاط مكافأة كلما اشتروا خضراوات أو فاكهة من متاجر البقالة، أو ارتادوا صالات الألعاب الرياضية، أو خضعوا للفحوص الطبية. وأُتيح للعملاء أن ينفقوا هذه النقاط للحصول على بعض الأغراض، كما كانت تلك النقاط تظهر للمشاركين في برنامج التأمين الصحي، وللأفراد في دوائرهم الاجتماعية. وقد تغير سلوك المشاركين نتيجة لهذا، إلى درجةٍ قللت زياراتهم للمستشفيات.

إنّ تطبيق نظامٍ كهذا على منصات التواصل الاجتماعي سيواجه تحديات، أحدها يتعلق بكيفية تقييم دقة المواد المنشورة. وأحد الخيارات المطروحة لحل هذه المشكلة هو أنْ نضيف زِر "ثقة" للمنشورات، ونعرض عدد النقرات على هذا الزر لكل منشور. صحيحٌ أنَّه ستكون هناك حاجة إلى اتخاذ بعض الاحتياطات لمنع التلاعب بهذه الخاصية، لكنَّ ميزة كهذه ستوفر للمستخدمين وسيلةً للتفاعل مع المواد المنشورة، ومن ثمَّ فهي تناسب نموذج العمل الذي تنتهجه شركات منصّات التواصل الاجتماعي.  كما أنَّها ستدفع المستخدمين إلى التفكير في مسألة الدقة. ففي الدراسة التي أشرتُ إليها أعلاه، وجد الباحثون أنَّه عند حث المستخدمين على التحقق من دقة ولو معلومةٍ واحدة، صار هؤلاء المستخدمون أقل ميلًا إلى مشاركة الأخبار الزائفة.

ولدينا أمثلة ناجحة لفكرة التقييمات المعتمِدة على آراء المستخدمين. ففي نظام تصنيف مراجعي جودة المنتجات على موقع شركة "أمازون"، تدعو الشركة المراجعين أصحاب التقييمات المفيدة -حسب نظام التصنيف- للاشتراك في برنامج "أمازون فاين" Amazon Vine، الذي يقدم لهم بعض المزايا، بيد أن تقييمات المستخدمين على منصات التواصل الاجتماعي ستكون مدفوعةً جزئيًّا بالنزعة المعروفة في علم النفس باسم "الانحياز التأكيدي"، التي تجعل الناس يميلون إلى جمع المعلومات والأدلة التي تؤكد معتقداتهم السابقة فقط، إلَّا أنَّ دراسةً واعدة صدرت مؤخرًا تفيد بأنَّ متوسط تقييمات الدقة التي توفرها مجموعةٌ ضخمة من المستخدمين يقترب بدرجةٍ كبيرة من متوسط التقييمات التي يوفرها مدققو الحقائق المحترفون، وإنْ كان هذا يتطلب مجموعة مستخدمين، يتوازن فيها توزيع أصحاب الانتماءات السياسية المختلفة (J. Allen et al. Preprint at https://doi.org/fz4j; 2020).  ولعل جودة محتوى موقع "ويكيبيديا" دليلٌ على إمكانية تصميم بيئةٍ كهذه، تٌوكَل فيها مهمة تقييم الدقة إلى عموم المستخدمين بالفعل، طالما يخضع ذلك التقييم لإشراف المستخدمين الموثوقين، أو المدققين. وتعيِّن مواقع التواصل الاجتماعي بالفعل مثل هؤلاء المدققين. ولذا، فبإمكانها مثلًا أن تمنحهم الصلاحيات لحذف زر "ثقة" من المنشورات المضللة، ولإضافة "نجمةٍ ذهبية" للمواد الموثوق في دقتها. وقد يمكن تحقيق ذلك أيضًا باستخدام نظام تقييمٍ آلي، يُقيِّم المحتوى مثلًا بمقارنته بمصادر الإنترنت المُدعَّمة بالأدلة.

وأيًّا كانت طريقة تقييم الدقة التي ستسلكها هذه النظم، فربما يكون في الإمكان مكافأة المستخدمين الذين يحلون في ترتيبٍ مرتفع بصورة منتظمة، بمَنْحهم -على سبيل المثال- شارة "المستخدِم الموثوق"، وهي (الشارة الزرقاء التي يضيفها موقع "تويتر" حاليًّا بجانب بعض الحسابات التي تؤكد فقط صحة هوية أصحاب الحسابات المرتبطة بالشؤون العامة).

وقد يحاجج البعض بأنَّ تأثير الحوافز لن يكون قويًّا بما يكفي لتعزيز نشر المعلومات الدقيقة، في مقابل تأثير الخوارزميات الهادفة إلى زيادة التفاعل مع المنشورات إلى أقصى حد ممكن، ونزوعنا كبشر إلى ترويج الأخبار المغلوطة، لكنَّه نهجٌ علينا أن نجربه، فالعصا لا تُستَخدم حاليًّا إلا في نطاقٍ ضيق للغاية. ففي الأسبوعين السابقين للانتخابات الأمريكية في شهر نوفمبر الماضي، لم ينوه موقع "تويتر" إلى وجود محتوًى مضلل سوى في 0.2% من التغريدات المتعلقة بالانتخابات. وفي المقابل، فإنَّ فكرة الحوافز سيمكن تطبيقها على أغلب المستخدمين، في صورة تقييمات الدقة، وشارات الثقة، والنجوم الذهبية.

وتفاصيل نظام المكافأة هذا ينبغي أن تُطوَّر بعناية، وأن تخضع لاختباراتٍ صارمة. وسنحتاج في هذا إلى الجمْع بين خبرات علماء الشبكات، والمتخصصين في علوم الحاسوب، وباحثي علم النفس، والاقتصاديين، وغيرهم. فمثل هذه الحوافز ضرورية لإرساء منظومة معلومات صحية على هذه المنصات.

تالي شاروت

أستاذة في علم الأعصاب الإدراكي من جامعة يونيفرسيتي كوليدج لندن، حيث ترأس مختبر "الآليات الدماغية العاطفية".

البريد الإلكتروني: t.sharot@ucl.ac.uk