أنباء وآراء

الذكاء الاصطناعي: تقنية للمجادَلة قادرة على خوض المناظرات في مواجهة البشر

تمكَّن باحثون من تطوير نظام حاسوبي مستقل تمامًا، قادر على مواجهة البشر في مناظراتٍ حية. وتبشِّر النتائج بإمكانية الاستعانة بتقنيات الذكاء الاصطناعي مستقبلًا في صياغة الحجج المعقدة، وتفسيرها.

كريس ريد

  • Published online:

لدراسة الحُجج المنطقية تاريخٌ أكاديمي طويل، يضرب بجذوره في حضارة الإغريق، وروافدُ معرفية شتَّى، تشمل الفلسفة النظرية، والهندسة الحوسبية. ويُعَد تطوير أنظمة حاسوبية قادرة على تمييز الحُجج في اللغة البشرية الطبيعية، والاستجابة لها، واحدًا من أصعب التحديات التي تواجه باحثي الذكاء الاصطناعي.

وفي بحثٍ نُشِرَ مؤخرًا دورية Nature، أفاد الباحث نوام سلونيم، وزملاؤه1، بتمكُّنهم من إحراز تقدُّم هائل في هذا المجال، يتمثل في تطوير نظام "بروجيكت ديباتر" Project Debater، وهو نظام ذكاءٍ اصطناعي قادر على مواجهة البشر في المناظرات التنافسية. وتُزيح النتائج التي توصَّل إليها الباحثون الستار عن التقدم البحثي الكبير في هذا المضمار، وتؤكد أهمية التصميمات الهندسية المُحكَمة -التي تجمع بين عناصر مختلفة، يتولى كل منها مهمةً معينة- في تطوير تقنياتٍ قادرة على تمييز الحُجج المنطقية في المناظرات، بل وعلى إنتاج هذه الحُجج، وتفنيدها.

قبل أقل من عشر سنوات، لم يكن في مقدور أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي تحليل الخطاب البشري من أجل تحديد أساليب جلب الأدلة لتأييد الاستنتاجات، وهي العملية التي باتت تُعرف بعملية استنباط الحجج2. ومنذ ذلك الحين، شهد مجال الذكاء الاصطناعي عدة قفزات مهمَّة، تُضاف إلى التطور المتسارع الذي تشهده التصميمات الهندسية لتقنيات الحِجاج، في الوقت الذي زاد فيه الطلب التجاري على تلك التقنيات. وقد تضافرَتْ هذه العوامل جميعًا لإحداث نمو سريع في هذا المجال. ففي الوقت الحالي، يعكف أكثر من 50 مختبَرًا حول العالم على إجراء أبحاث ذات صلة، من بينها فِرَقٌ تحتضنها كُبريات شركات البرمجيات حول العالم.

ولهذا النمو السريع أسبابٌ مختلفة، منها أنَّ التطبيقات المباشِرة لأنظمة الذكاء الاصطناعي، القادرة على تمييز مظاهر الانتظام الإحصائي في استعمال اللغة في النصوص الضخمة، أحدثت تحولًا كبيرًا في كثيرٍ من استخدامات الذكاء الاصطناعي (انظر المرجع رقم 3، على سبيل المثال)، لكنَّها وحدها لم تحقق النجاح ذاته في مجال استنباط الحجج. وإنما يُعزَى ذلك إلى أنَّ بِنَى الحجج تتميز بدرجةٍ كبيرة من التنوع والتعقيد، وتنطوي على فروق دقيقة فيما بينها، وكثيرًا ما تكون مُبهمة إلى الحدّ الذي يصعُب معه تمييزها بالسهولة ذاتها التي يمكن بها تمييز بِنْية الجُمل مثلًا. ومن هنا، قرر سلونيم وفريقه خوض تحدٍّ كبير، هو تطوير نظام مستقل تمامًا، قادر على المشارَكة في المناظرات الحية مع البشر. ويُعَدُّ نظام "بروجيكت ديباتر" ثمرة هذه الجهود.

وأول ما ينبغي الإشارة إليه أنَّ هذا النظام يُعتبر إنجازًا هندسيًّا مذهلًا. فهو يستحدث أساليب جديدة لاستنباط الأفكار المرتبطة بالحجج المنطقية من النصوص، وفهْم هذه الأفكار، كما يستعين بمنهجيات لإصلاح بِنَى الجُمل (تُمكِّنه من إعادة توظيف أجزاء الجمل المستنبَطة عند عرض حُججه، ولهذه التقنية دور لا يتعرَّض مؤلفو الدراسة لتبيان مدى أهميته، من باب التواضع). وإلى جانب هذه المكونات، يستعين النظام بمعلوماتٍ سبق إعدادها من جانب البشر، وهي مُصنَّفة في مجموعاتٍ حسب موضوعاتها الرئيسة، لتُتيح له المعلومات، والحُجج، والردود (أو الحجج المضادة) في طائفةٍ واسعة من القضايا. وتتكامل مع هذه القاعدة المعلوماتية نصوصٌ مُعدَّة سلفًا (أجزاء من جُمل وضعها البشر)، يمكن للنظام أن يلجأ إليها لصياغة أفكاره وعرضها أثناء المناظرات.

إننا أمام مشروع طموح إلى حد استثنائي، سواء باعتباره نظامًا من أنظمة الذكاء الاصطناعي، أم تحديًا من تحدياته الكبرى كحقلٍ علمي. وكما هو الحال في أغلب أبحاث الذكاء الاصطناعي التي تضع لنفسها أهدافًا طموحة، واجهَت هذا المشروع عقبات، لعلَّ من أهمِّها الحصول على ما يكفي من البيانات، للوصول إلى حلّ فعال للتحدي الذي يواجهه4. وقد تصدَّى المشروع لهذه العقبة بانتهاج مقاربةٍ تنقسم إلى شقين؛ فقد ضيَّق نطاق تركيزه إلى حوالي مئة من موضوعات المناظرات، كما أنَّه يستخلص عناصره الأولية من مجموعات بيانات تتميز بضخامتها، حتى وفقًا لمعايير الأنظمة الحديثة لمعالجة اللغات.

شكل 1| نظام "بروجيكت ديباتر" يتغلب على خصمٍ بشري. طوَّر سلونيم وزملاؤه1 هذا النظام، وهو نظام ذكاءٍ اصطناعي قادر على مواجهة البشر في منافسات المناظرات.

شكل 1| نظام "بروجيكت ديباتر" يتغلب على خصمٍ بشري. طوَّر سلونيم وزملاؤه1 هذا النظام، وهو نظام ذكاءٍ اصطناعي قادر على مواجهة البشر في منافسات المناظرات.

Credit: Jason Henry/NYT/Redux/eyevine

وفي سلسلةٍ من الجولات التي قام بها الفريق في عامي 2018 و2019، نجح النظام في التغلب على مجموعةٍ من المناظِرين البشر البارزين، ممَّن يُشهَد لهم بالحذق والموهبة (شكل 1)، وكان أداؤه يخضع لتقييم المشاهدين بصورةٍ غير رسمية. في هذه المناظرات، يعتمد النظام على أساليبه الحِجاجية، ومجموعات البيانات التي عالجها، وينتج مداخلةً مدتها أربع دقائق، يفتتح بها المناظرة حول موضوعٍ من الموضوعات التي يغطيها، ثم يرد عليه الخصم البشري. بعدئذٍ، يأتي دور النظام من جديد، فيرد على النقاط التي طرحها خصمه بإنتاج مداخلة ثانية مدتها أربع دقائق، ويرد الخصم عليه بمداخلة تفنيد تستغرق 4 دقائق أخرى، ثم تُختَتَم المناظرة بمداخلة ختامية لكل من المشاركَين، مدة كل مداخلة دقيقتان.

ولعلَّ أظهَر جوانب القصور في هذا النظام يتمثل في الصعوبة التي يواجهها ليحاكي الترابط المنطقي، والاسترسال، اللذين يميِّزان مداخلات مُناظِرِيه من البشر، وهي مشكلة تتعلق بالمستوى الأعلى من وظائفه، الذي يمكن عنده لعمليات المعالجة لديه أن تنتقي الحُجَج، وتجرِّدها، وتصوغها. غير أن هذا القصور لا يقتصر على نظام "بروجيكت ديباتر"؛ فرغم مرور ألفي عام من البحث في هذا الاتجاه، ما زلنا غير مُلمِّين الإلمام الوافي ببِنْية الحُجج المنطقية. والخصائص التي تطرحها الأبحاث باعتبارها ضروريةً في النماذج المترابطة لمهارات الجدال والتفكير المنطقي تتباين فيما بينها تباينًا شديدًا5، تبعًا لمنطلَق البحث: هل هو منطلَق لغوي، أم إبستيمولوجي (يستند إلى نظرية المعرفة)، أم إدراكي، أم منطقي؟  

ولذلك، تتنوع النماذج المحدِّدة لماهية الحُجة القوية تنوعًا هائلًا6، بينما النماذج التي تحدد خصائص المناظرة الجيدة لا تعدو كونها مجرد بديهياتٍ مصُوغة بوضوح (ومع ذلك، يُلاحَظ أن الفروع المعرفية التي توضع فيها معايير واضحة لتقييم جودة المناظرات متقدمةٌ في هذا الصدد، ومنها المناظرات القانونية، مثلًا، وكذلك مناظرات العلوم السياسية، وإنْ بدرجةٍ أقل). فلا عجب، إذَن، في أنَّه عندما طُلب من المتابعين تقييم أداء ذلك النظام، رأوه مقبولًا في حوالي ثلثي الموضوعات التي ناظَر البشر فيها.

وثمة تحدٍّ أخير تواجهه تقنيات الحِجاج على جملتها، يتمثل فيما إذا كان ينبغي التعامل مع تلك المناظرات بوصفها أجزاء خطابية متعلقة بموضوعاتٍ معينة، وتؤثر فيها مجموعةٌ بعينها من الاعتبارات، أم ينبغي أن تُعامَل باعتبارها جزءًا من البِنْية الواسعة المعقدة لفعل الحِجاج في السياقات المجتمعية المختلفة. ترتبط هذه المسألة، إلى حدٍ بعيد، ببِنْية المشكلة المطلوب حلها، لا ببِنْية الحل نفسه. فمن خلال وضع حدودٍ مسبقة للجدال، يصبح من الممكن تبسيط المسألة من الناحية النظرية. ولهذا فوائد حوسبية كبيرة؛ فعلى سبيل المثال، يصبح تحديد "الحُجة الرئيسة" مهمةً واضحة المعالم، يمكن للآلة أن تنفذها بدقةٍ تكاد تضاهي دقة البشر8.

المشكلة إنما تكمُن في أنَّ البشر أنفسهم لا يجيدون هذه المهمة على الإطلاق، والسبب في ذلك يعود إلى أنَّها مهمةٌ مُصطَنعة. ففي النقاشات المفتوحة، يمكن للمداخلة أن تكون حُجةً في سياق، وفرضيةً في آخَر.

أضِف إلى ذلك أنَّ العالَم الواقعي لا يعرف الحدود الواضحة للنقاشات؛ فما يجري منها خارج قاعات المناظرات ليس منفصلًا عن غيره، بل يتصل بشبكةٍ من الإحالات، والتشبيهات، والأمثلة، والتعميمات. والأفكار المتعلقة بكيفية تعامُل أنظمة الذكاء الاصطناعي مع هذه الشبكة طُرِحَت في صورة نظريات9، وطُبِّقَت باستخدام أنظمة البرمجيات، ومنها نظام "ديبايت جراف" DebateGraph (انظر: go.nature.com/30g2ym4)، وهو منصة على شبكة الإنترنت، توفر أدواتٍ حوسبية لتمثيل شبكات الأفكار المعقدة والمترابطة، ومشاركتها. غير أنَّ هناك تحدياتٍ نظرية جسيمة، ومشكلاتٍ تقنية اجتماعية كبيرة تواجه هذه التطبيقات؛ إذ يصعُب تطوير أساليب مقْنِعة لاجتذاب قطاعاتٍ كبيرة من المشاهدين إلى مثل هذه الأنظمة. وهذا الاعتبار يضاهي في صعوبته عملية تصميم الآليات المباشِرة، التي تُمكِّن هؤلاء المشاهدين من التفاعل مع هذه الشبكات المعقدة من المناظرات.

يُعَد نظام "بروجيكت ديباتر" خطوةً بالغة الأهمية على الطريق المؤدي إلى تطوير تقنيات المناظرات، والتعامل مع النقاشات باعتبارها ظواهر منفصلة. وقد أصاب هذا النظام نجاحًا يقدم لنا لمحةً مشوِّقة عن الكيفية التي يمكن بها لأنظمة الذكاء الاصطناعي التعامل مع شبكة الحُجج، التي يفهمها البشر بمثل هذه السهولة الجلية. وبالنظر إلى طوفان الأخبار المزيفة الذي ينهال علينا، وحالة الاستقطاب التي يشهدها الرأي العام، وتفشِّي ظاهرة الكسل في التفكير والاستدلال، فلنا أن ننظر إلى هذه السهولة على أنها سهولةٌ خادعة، تُخفِي وراءها حاجتنا الماسة إلى الدعم في صياغة الحجج المعقدة، ومعالجتها، وفهمها، ومشاركتها؛ وهو الدعم الذي ربما يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقدمه. وهكذا، فرغم أنَّ المشروع يتصدى لتحدٍّ هائل، يجتذب اهتمام العاملين في مضمار البحث العلمي، فإنَّه يمثل أيضًا خطوة على الطريق نحو تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على مساعدتنا على التفكير، والاستدلال البشري. وهذه الأنظمة، حسبما يرى سلونيم وزملاؤه، تتجاوز التطبيقات التقليدية لتقنيات الذكاء الاصطناعي المعمول بها في الوقت الراهن.

 

References

  1. Slonim, N. et al. Nature 591, 379–384 (2021). | article
  2. Lawrence, J. & Reed, C. Comput. Linguist. 45, 765–818 (2020). | article
  3. Devlin, J., Chang, M.-W., Lee, K. & Toutanova, K. Preprint at https://arxiv.org/abs/1810.04805 (2018). 
  4. Feigenbaum, E. A. Proc. 5th Int. Joint Conf. Artif. Intell. 1014–1029 (Morgan Kauffman, 1977). | article
  5. van Eemeren, F. H. et al. Handbook of Argumentation Theory (Springer, 2014).  | article
  6. Hahn, U. Trends Cogn. Sci. 24, 363–374 (2020). | article
  7. Levy, R., Yonatan, B., Hershcovich, D., Aharoni, E. & Slonim, N. Proc. COLING 2014, 25th Int. Conf. Comput. Linguist. Tech. Pap. 1489–1500 (2014).  | article
  8. Trautmann, D., Daxenberger, J., Stab, C., Schütze, H. & Gurevych, I. Proc. AAAI Conf. Artif. Intell. 34, 9048–9056 (2020). | article
  9. Rahwan, I., Zablith, F. & Reed, C. Artif. Intell. 171, 897–921 (2007). | article

كريس ريد

يعمل في مركز تكنولوجيا المناظرات، التابع لجامعة دندي، دندي DD1 4HN، المملكة المتحدة.

البريد الإلكتروني: c.a.reed@dundee.ac.uk