أخبار

علماء: فَلْنُعْطِ المشاركين في الأبحاث الأفريقية مزيدًا من التحكم في بياناتهم 

تَصاعُد حدة الخلاف بشأن القواعد المنظِّمة للتبرع بالعينات والبيانات البيولوجية البحثية. 

ليندا نوردلينج

  • Published online:
التوجيهات الأخلاقية قد تخدم احتياجات الجهات المموِّلة، لا المشاركين في الأبحاث.

التوجيهات الأخلاقية قد تخدم احتياجات الجهات المموِّلة، لا المشاركين في الأبحاث.

Credit: Hugh Sitton/Getty

يُطلَب من المشاركين في العديد من دراسات الجينوم البشري التوقيع على استمارةٍ لا تتيح لهم إلا درجة بسيطة من التحكم المباشر في طرق استخدام بياناتهم، بيد أن لجنةً من الباحثين في أفريقيا وجدت أن هذه الممارَسة تعزز انعدام الثقة بين الباحثين والمشاركين في الدراسات، وأن هذا الوضع ينبغي أن يتغير.

تأتي هذه الرسالة الصارمة ضمن تقرير بعنوان "توصيات بشأن إدارة البيانات والعينات البيولوجية في أفريقيا"، أصدرته لجنة مؤلَّفة من 13 عالمًا أفريقيًّا، تشكلت بطلبٍ من الأكاديمية الأفريقية للعلوم، الكائن مقرها في نيروبي، ووكالة الاتحاد الأفريقي للتنمية، ومقرها أديس أبابا. وقد كُلِّفت اللجنة بإعداد هذا التقرير، استجابةً لمخاوف بشأن تضخم نفوذ وكالات تمويل الأبحاث الدولية، والباحثين من الدول مرتفعة الدخل، في عملية تحديد الأولويات البحثية، ووضع قواعد مشاركة البيانات في قارة أفريقيا.

ومِن الممارَسات المقبولة حاليًّا في أبحاث الجينوم أن تضطلع لجان معنية بالوصول إلى البيانات (مجموعات تتألف من خبراء مستقلين عن الباحثين وجهات التمويل) بتحديد الجهات التي يتسنى لها الاطلاع على بيانات الجينوم، وكيفية استخدام هذه البيانات. ويرغب واضعو التقرير سالف الذكر أن تُتاح للمشاركين في الأبحاث في أفريقيا مساحةٌ أكبر للإسهام في اتخاذ القرارات المتعلقة ببياناتهم، لا سيما لتجنب ما يُطلق عليه "الموافقة العامة"، التي تسمح للباحثين بإعادة استخدام بيانات المشاركين للإجابة عن أسئلة بحثية جديدة، وفق لوائح تنظِّم الوصول إلى البيانات.

يقول جودفري تانجوا، الفيلسوف والمتخصص في أخلاقيات علم الأحياء، من جامعة ياوندي في الكاميرون، وأحد واضعي التقرير: "أصبح طلب الموافقة العامة مبدأً راسخًا لدى ممولي الأبحاث". ويضيف تانجوا أنّ ممولي الأبحاث يعطون الاعتبارات الأخلاقية أولويةً بالفعل في أبحاثهم، لكن التوجيهات الأخلاقية التي يضعونها تخدم مصالحهم عادةً، لا المشاركين في الأبحاث.

وقد كتب واضعو التقرير أنه ينبغي على جهات التمويل الدولية، "لا سيما تلك التي تنفق من الأموال العامة، أنْ تقدِّم مخرجات ملموسة للبلدان التي أخذت على عاتقها تمثيلها، وأنْ تشكل العينات والبيانات بصورة متزايدة هذه المخرجات". ويحاجج واضعو التقرير بأن جهات التمويل هذه يتاح لها وضع التوجيهات الأخلاقية للأبحاث، في الوقت نفسه الذي تموِّل فيه هذه الأبحاث، وهو ما قد يؤدي إلى نشوء تضارب بين مصالح هذه الجهات.

ويضيف التقرير: "يعمل الباحثون في أفريقيا تحت وطأة قيودٍ مالية خانقة. ونتيجةً لذلك.. يظلون -في كثير من الأحيان- مدينين بالفضل لجهات التمويل الأجنبية. "وهذا يسفر عن علاقة غير متكافئة، تكون لجهات التمويل الأجنبية فيها اليد العليا، وهذا يسمح لها بالتأثير -دون وجه حق- على قدرة الباحثين الأفريقيين على إجراء أبحاثهم، أو طريقة إجرائهم لهذه الأبحاث".

ومن بين الجهود المبذولة لتعزيز القدرة على إجراء الدراسات الجينومية في أفريقيا.. مشروع بميزانية قيمتها 180 مليون دولار أمريكي، يُطلق عليه "مبادرة الوراثة البشرية والصحة في أفريقيا" H3Africa. وهذا المشروع، المموَّل من المعاهد الوطنية الأمريكية للصحة (NIH)، ومؤسسة "وِيلْكَم"Wellcome  -وهي جهة بريطانية لتمويل الأبحاث الطبية البيولوجية- يقدم الدعم للباحثين المقيمين في أفريقيا من أجل دراسة الأسباب الجينومية للأمراض في القارة السمراء.

لكن حتى عندما يقود باحثون أفريقيون هذه المشروعات الممولة دوليًّا، فقد لا يشعرون بامتلاكهم صلاحيات تكفل لهم معارضة جهات التمويل، على حد تعبير تانجوا، الذي يعقِّب على ذلك بقوله: "يخشى الجميع إزعاج جهات التمويل، أو مضايقتها، ولذا، يلزم الكل الصمت".

ويوصي التقرير بأن تتبنى المشروعات البحثية فكرة الموافقات "المتدرجة"، التي تتيح للمشاركين في الأبحاث أن يحددوا من خلال قائمة اختياراتٍ ما يوافقون عليه من أوجه استخدام بياناتهم. فعلى سبيل المثال.. يمكنهم اختيار عدم السماح باستخدام بياناتهم، إلا لأغراض الدراسة التي جُمعت هذه البيانات لأجلها، أو يمكنهم -بدلًا من ذلك- السماح باستخدام هذه البيانات في دراسات مستقبلية ذات صلة بمرضٍ معين. أما المستوى الثالث من الموافقة، فقد يسمح للباحثين باستخدام البيانات في أي دراسات مرتبطة بالصحة. وسيكون هذا الخيار مشابهًا للموافقة العامة، لكنْ مع اختلاف جوهري، وهو أنه يتيح للمشاركين حرية الاختيار في هذه المسألة.

بيد أن اختيار عدم فَرْض إعطاء الموافقة العامة على المشاركين قد يجعل البلدان الأفريقية تناقِض بلدانًا أخرى يشيع فيها تطبيق هذا الشرط فيما يتعلق بأبحاث الجينوم. ويمكن لذلك أيضًا أن يعقِّد تخزين العينات في البنوك البيولوجية المجهزة لمشارَكة العينات والبيانات المستقاة منها، على اعتبار أنها مَورِد بحثي يمكن استخدامه لعقود، أو حتى لقرون مقبلة.

وحول ذلك، في حديث مع دورية Nature، قالت جينيفر تروير، مديرة برنامج المعاهد الوطنية الأمريكية للصحة في "مبادرة الوراثة البشرية والصحة في أفريقيا"، إنّ البرنامج يوصي بإعطاء الموافَقة العامة، كي يمكن تضمين البيانات الجينومية الأفريقية في التحليلات العالمية. وتعلل تروير لهذا بقولها إنه من دون الحصول على الموافقة العامة الخاصة بالمشاركين، قد تُستثنى هذه البيانات من التحليلات المستقبلية. وتضيف قائلة: "هذا سيزيد الفجوة المعرفية عن المجتمعات التي لا تحظى بتمثيل كاف في مجموعات البيانات المتاحة".

ويقول أمبرواز وونكام، عالِم الجينات من جامعة كيب تاون في جنوب أفريقيا، وعضو اللجنة التي وضعت التقرير، إن خبراته تؤكد أن أغلب المشاركين في الدراسات سيختارون الدرجة الأرحب من درجات الموافقة. فالفكرة وراء الموافقات المتدرجة ليست الحد من استخدام البيانات، بل خَلْق منظومة تفاعُل تعزز بناء علاقة قائمة على الثقة مع المشاركين في الدراسات. ويُردِف وونكام، وهو رئيس مشارك في ائتلاف "مبادرة الوراثة البشرية والصحة في أفريقيا" وباحث مشارك في أحد مشروعات المبادرة، قائلًا: "إذا تواصلنا حقًّا مع المرضى، وأشركناهم في اتخاذ القرارات، فسنجد أنهم مهتمون بمشاركة بياناتهم". ويضيف أنّ اللجنة لا تعارِض الوصول المفتوح إلى البيانات العلمية، بل في واقع الأمر تتبنى موقفًا مغايرًا تمامًا لذلك.

ويؤكد وونكام على ذلك بقوله: "لا أظن أنّ أيًّا منا يملك أي رغبة في منع الوصول إلى البيانات العلمية"، لكنّ هذا الانفتاح لا يمكن أن يأتي على حساب الأبحاث التي يثق فيها المشاركون ويدعمونها، وهي مسألة يرى وونكام أنها بالغة الأهمية في أفريقيا في ضوء تاريخ القارة مع الاستعمار.