موجزات مهنية

كيف تصقِل دراسة الفنون المهارات العلمية؟

 الأنشطة الإبداعية يمكنها تحفيز الأفكار المبتكرة الجريئة، وشحذ قدرتك على التركيز، وتعزيز قدرتك على الاحتمال والمثابرة في عملك البحثي.

آمبر دانس

  • Published online:
"الغابة المرجانية" Coral Forest.. عمل فني من خيوط مغزولة، مقدَّم من معهد الأشكال في لوس أنجيليس بكاليفورنيا، يصور تأثيرات التغير المناخي على المرجانيات.

"الغابة المرجانية" Coral Forest.. عمل فني من خيوط مغزولة، مقدَّم من معهد الأشكال في لوس أنجيليس بكاليفورنيا، يصور تأثيرات التغير المناخي على المرجانيات.

Credit: Stephanie Veto/Lehigh University Art Galleries

لطالما أَخْفَت جانيت ماكلاود شغفها بالحِرف اليدوية، فباعتبارها عالمة رياضيات، كانت أحيانًا تغدو السيدة الوحيدة في القاعة التي تعمل فيها مع فريق عملها. ولذا، لم ترِد أن يراها مَن حولها تمارس نشاطًا قد يعدّونه سخيفًا، أو تافهًا.

 وفي عام 2014، حدث أنْ أعلنت إحدى زميلاتها في جامعة كانتربري في نيوزيلندا حَمْلها، فعزمت ماكلاود، إلى جانب عالمة أخرى من عالمات الرياضيات اللاتي مثلن فئة قليلة في القسم الذي عملت به، على أن تصنعا للطفل المنتظَر بطانية مُحاكَة بطريقة الكروشيه. وبدلًا من حياكة البطانية بأكملها بمفردهما، استعانتا بأعضاء القسم كافة لصنع مربعات منفصلة، وكان أغلبهم من الرجال الذين لم يزاولوا الحياكة بهذه الطريقة قط. وعَلَّمَت ماكلاود زملاءها طريقة هذه الحياكة خلال استراحات الغداء، وفي حانةٍ يلتقون فيها بعد العمل.

وقد أبدى زملاؤها الراغبون في تعلُّم الكروشيه حماسًا. تقول ماكلاود وهي تتذكر هذه التجربة: "انتهى بنا المطاف إلى حياكة 60 مربعًا لهذه البطانية. وكانت ضخمة". ومِن هنا، ذاع سر ماكلاود. وبحلول عام 2016، كانت قد اشتهرت في قِسْمها بأنها عالمة رياضيات بارعة الأنامل، تستمتع بالخياطة والحياكة، ومزاولة أعمال الكروشيه، فضلًا عن دراسة نظرية المخططات. وأسست ماكلاود في العام نفسه مبادرة "ماث كرافت نيوزيلاند" Math Craft Newzealand، وهي مبادرة غير ربحية تهدف إلى نقل المتعة والتسلية اللتين تتحققان بإعداد شرائط "موبيوس" والسطوح الزائدية وغيرهما من التصميمات إلى الجمهور، عن طريق المنسوجات والحرف الورقية.

وتلاقي هذه الفكرة حاليًّا رواجًا. ففي عام 2018، أوصت الأكاديميات الوطنية الأمريكية للعلوم والهندسة والطب بأن تغطي دراسة هذه المجالات العلوم الإنسانية، والفنون، والحرف اليدوية، والتصميم. وفي الواقع، يُتوقع أن ينضم حرف A (الدال على الفنون) إلى الحروف المكونة لاختصار STEMM (الذي يرمز إلى دراسات العلوم، والتكنولوجيا، والهندسة، والرياضيات، والطب)، ليصبح الاختصار STEAMM.

غير أن مزايا ضم الفنون إلى الدراسات العلمية لا تنحصر في قاعات الدراسة، بل يمتد تأثيرها ليمس المسارات المهنية الأكاديمية. ورغم أن بعض الباحثين تقتصر اهتماماتهم على العلوم، فثمة آخرون يسعون إلى إشباع شغفهم بمجالات أخرى متنوعة، كالحرف اليدوية، والمسرح، وتعلُّم اللغات، والموسيقى. وترى هذه الفئة الثانية أن هذه الهوايات لا تشغلهم عن العلم، بل تساعدهم على بناء مهارات تنعكس على وظائفهم اليومية. ويضيف أفراد هذا الفريق أن الفنون تمثل مصدر إلهام مباشر لهم في تناوُل بعض القضايا العلمية. كما أن اتساع نطاق هواياتهم يتيح لهم في أحيان أخرى الفرصة لصقل مهارات، كالإبداع، والمثابرة، والبراعة اليدوية. ولا يعني ما سبق أنه يجب على العلماء تبَنِّي هواية فنية ما لمجرد الوصول إلى هذه الفوائد، لكن الباحثين المحبين لمزاولة أعمال الكروشيه، أو كتابة الشعر، أو عزف موسيقى الجاز، عليهم ألا يُخْفُوا ما يمضونه من وقت في مزاولة تلك الأنشطة.

"الطبيعة المصغرة داخل سمكة الشِفنين العقابي".. عمل فني مُعَد بتلوين خليط من الخمائر على مادة الآجار.

"الطبيعة المصغرة داخل سمكة الشِفنين العقابي".. عمل فني مُعَد بتلوين خليط من الخمائر على مادة الآجار.

Credit: Isabel Araque and Jenny Onate/ASM

وقد أجرى روبرت روت-بِرنستاين، عالِم الأحياء من جامعة ولاية ميشيجن، الواقعة في مدينة إيست لانسينج الأمريكية، بحثًا يدعم هذه الفكرة، فوجد أن أنجح العلماء يكونون أكثر ميلًا من غيرهم إلى مزاولة هوايات فنية، أو موسيقية1. وفضلًا عن ذلك، فإن عدد الباحثين الحاصلين على  جوائز نوبل، وأعضاء الأكاديميات الوطنية الأمريكية المنخرطين في إشباع اهتمامات معينة، كالفنون، أو المسرح، أو الكتابة الإبداعية أكبر نسبيًّا منه بين الباحثين الآخرين2. وتجدر الإشارة أيضًا إلى أن خريجي برنامج التميز الأكاديمي التابع لجامعة ولاية ميشيجن في تخصصات العلوم، والتكنولوجيا، والهندسة، والرياضيات، والطب ممن يهوون الفنون أو الحرف اليدوية كانوا غالبًا ما يحصدون براءات اختراع، ويؤسسون شركات خاصة بهم أكثر من نظرائهم3.

وقد أخبر كثير من هؤلاء الباحثين روت-بِرنستاين أن هواياتهم كان لها تأثير مباشر على أدائهم الأكاديمي في تخصصات العلوم، والتكنولوجيا، والهندسة، والرياضيات، والطب، فعند وصولهم إلى طريق مسدود خلال وظائفهم اليومية، يساعدهم الانصراف إلى نشاط آخر على الاسترخاء. ومن ثم، تظهر فجأة الحلول. ويعلِّق روت-برنستاين على هذا قائلًا: "إنها استراتيجية لخلق الأفكار".  

مبادرات إبداعية

ويحكي روت-بِرنستاين أنه خلال نشأته لم يسبق أن أشار أحد له إلى وجود فروق بين الفنون والعلوم، فوالدته متخصصة في علم النفس وفنانة، ووالده كان مبرمجًا ونحاتًا. لذلك، عندما شرع في إعداد رسالة الدكتوراة الخاصة به حول تاريخ العلم بجامعة برينستون في ولاية نيو جيرسي الأمريكية، كانت في انتظاره صدمة، فحسبما يذكر، قال رئيس الجامعة لطلاب الدراسات العليا الجدد: "يجب ألا تلتفتوا إلى أي شيء آخر، وأن تعكفوا على شيء واحد فقط لبقية حياتكم".

وعندما كان روت-بِرنستاين يُجْري أبحاثه حول أطروحته المتعلقة بأصول علم الكيمياء الفيزيائية، اكتشف أن كثيرًا من العلماء الناجحين لم يسلكوا هذا النهج، ومن بينهم –على سبيل المثال- رائد علم الكيمياء والأحياء الدقيقة، لويس باستور، الذي درس الرسم في صغره، وظل شغوفًا بالفنون طوال مسيرته العلمية، بل قيل إن ذائقته الفنية ساعدته على اكتشاف خاصية انعدام التناظر المرآتي في الجزيئات4.

وعقب حصول روت-برنستاين على درجة الدكتوراة، درس علم الأحياء، لكنه لم يهجر قط شغفه القديم بالتاريخ، فباعتباره عالمًا، دائمًا ما يرجع إلى أولى الأوراق البحثية التي نُشرت في أي صدد، ويجد أحيانًا معلومات قَيِّمة يغفل عنها مَن يُقْصِرون أبحاثهم على الأدبيات الحديثة.

ومن الأمثلة الدالة على ذلك أن علماء الأعصاب عندما بدأوا البحث عن مستقبلات أشباه الأفيونيات في الدماغ واجهوا صعوبات جمة، لأن هذه الأشباه ترتبط بعدد كبير جدًّا من المواقع في الدماغ، لكنهم نجحوا -في نهاية المطاف- في تعيين مستقبلاتها، ومضى هذا الميدان العلمي قدمًا، بيد أن روت-بِرنستاين تساءل عن السر وراء ارتباط أشباه الأفيونيات بهذا العدد الكبير من أجزاء الدماغ، وهو المبحث الذي قاده إلى اكتشاف وجود علاقة تفاعل متصالب بين أشباه الأفيونيات، والإبينيفرين، ومركّبات مشابِهة من ناحية، ومستقبِلات هذه المواد من ناحية أخرى5.

كذلك يرى ألكس مكبراتني، المتخصص في علم التربة بجامعة سيدني الأسترالية أن اهتماماته بالعلوم الإنسانية تحفِّز أحيانًا جهوده البحثية. فقد اكتشف الشعر قبل اكتشافه العِلْم بزمن طويل، وظَلّ أعز ما يملكه في حياته هو شهادة نالها من مدرسته الابتدائية لبراعته في إلقاء الشعر.

ويذكر أنه لدى قراءة قصيدة بعنوان "محركات الاستبانة" Engines of Resolution، تأمل طبيعة الزمان والمكان، وكتب قائلًا: "لا بد أن نبني محركات ذكية"، لفك غموض هذا المفهوم. وأصبحت هذه القصيدة فيما بعد مصدر إلهامٍ دفعه لدراسة تفاوُت التربة في شتى النطاقات المكانية.

ويعلَّق على ذلك قائلًا: "البحث العلمي السليم هو عملية إبداعية. ولا أراه -كعملية إبداعية- مختلفًا تمامًا عن نَظْم قصيدة بديعة، أو تأليف رواية رائعة، أو "إبداع" تحفة فنية".

شجاعة الإخفاق

الشجاعة يمكن أن تُصقَل أيضًا بالفنون، حسبما يرى ستيفان أليكساندر، عالِم الكونيات من جامعة براون، الواقعة في بروفيدنس بولاية رود آيلاند الأمريكية. وهو يمارس عزف موسيقى الجاز على آلة الساكسفون منذ الحادية عشرة من عمره، وكان يعمل ليلًا ضمن ثنائي لموسيقى الجاز يُسمى "جاد بارتيكل" God Particle، بل إنه فكر في أن يعمل موسيقيًّا، قبل أن يقرر أن وظيفة في مجال العلوم ستكون أكثر استقرارًا بالنسبة إليه.

ويُعَد الارتجال عنصرًا أساسيًّا في موسيقى الجاز، فقد كان أليكساندر عند عزف نغمة خاطئة يسارع بتدارك خطأه ومواصلة العزف. وهو يؤكد أن هذا المبدأ متحقق أيضًا في مجال العلوم، ويشير إلى ذلك قائلًا: "لدى إجراء أبحاثي في الفيزياء النظرية، يتيح لي الارتجال وتدربي عليه أن أكون أكثر جرأة في أفكاري، دون أن أتعلق بالنتائج تعلقًا مفرطًا".

وعلى سبيل المثال، أثناء إجرائه أبحاث ما بعد الدكتوراة في مختبر مسرِّع ستانفورد الخطي الوطني "سلاك" SLAC، الواقع في مدينة مينلو بارك بولاية كاليفورنيا الأمريكية، أمضى أسابيع في محاولة تصوُّر الكون الآخذ سريعًا في الاتساع. ويصف تجربته هذه قائلًا: "انتهى بي المطاف إلى تصوُّر خاطئ، لكنه قادني إلى اتجاه مختلف". وقد مضى في هذا المسار الجديد، وتمكن من تطوير نموذج يفسر احتواء الكون على كمية من المادة تفوق تلك التي يمتلكها من المادة المضادة6.

يصدُق الأمر ذاته على عالِم الفيزياء الحيوية، أندرو بيلينج، فهو لا يخشى الخروج بأفكار جريئة. وقد تضمن تعلّمه للفنون في بداياته ممارسة الغناء والرقص أمام جمهور. وعن هذا يقول: "إنّ هذا يُكْسِبك القدرة على تحمُّل الانتقادات". لذلك، عندما التحق بجامعة أوتاوا، سعى إلى تناوُل القضايا البحثية التي تثير اهتمامه، بصرف النظر عن آراء الآخرين. ويضم فريقه البحثي مع العلماء والمهندسين فنانين ومصممين.

وقد قرر فريقه البحثي ذات مرة استخدام قلب ثمرة تفاح، أزيلت منه الخلايا النباتية، ليخدم كسقالة لزراعة خلايا ثديية. ويتذكر بيلينج هذه التجربة قائلًا: "لا أستطيع أن أصف مقدار ما شهدناه من انتقادات لاذعة وكراهية لإجرائنا بحث غير تقليدي كهذا"، لكنه لم يبالِ، وتُوِّجَت تجارب الفريق بالنجاح7. ويذكر بيلينج أن ثمة مختبرات أخرى كررت استخدام هذه التقنية، وتسعى لتطبيقها.

وقد شارك بيلينج في تأسيس شركة تسمى "سبايدروورت" Spiderwort (نسبةً إلى أحد النباتات الشائعة التي تنمو في بساتين التفاح). وقد شرعت هذه الشركة في إجراء تجارب من المرحلة الأولى، والأمل يحدوها في أن تتمكن بفضل هذه التقنية من علاج إصابات الخلايا اللينة والحبل الشوكي في البشر.

عالِم الفيزياء الحيوية، أندرو بيلينج، يعيد توظيف المعدات المعملية القديمة، لتطوير نماذج أولية سريعة ومبتكرة.

عالِم الفيزياء الحيوية، أندرو بيلينج، يعيد توظيف المعدات المعملية القديمة، لتطوير نماذج أولية سريعة ومبتكرة.

Credit: Colin Rowe

بالإضافة إلى ذلك، في بعض الأحيان، يؤثِّر شغف الباحث بالفنون على مساره العلمي تأثيرًا مباشرًا. وعلى سبيل المثال، بدأ برنارد تان -من الجامعة الوطنية بسنغافورة- مشواره كمتخصص في فيزياء أشباه الموصلات، لكنه كان عاشقًا للموسيقى منذ نعومة أظافره، ودرس العزف على البيانو، واعتاد الغناء في فرق الكورال، وعلَّم نفسه بنفسه التلحين. ومع تطوُّر مساره المهني، غيَّر تان منحى دراسته العلمية لكي تلائم هوايته، فدرس علم الصوتيات والتخليق الصوتي. ويعقب على ذلك قائلًا: "الموسيقى هي أكثر الفنون اصطباغًا بالطابع الرياضي".

كما أن للتدريب الموسيقي فوائد أخرى، ليست مباشرة بالقدر نفسه، حسبما تقول تشيا-جونج تساي، المتخصصة في علم النفس الاجتماعي بكلية لندن الجامعية، التي درست العزف على البيانو في أحد البرامج قبل الجامعية التابعة لمدرسة جوليارد، وهي معهد موسيقي يقع في مدينة نيويورك. وجدير بالذكر أن ساعات التدريب المطلوبة للوصول إلى مستويات عالية من الأداء تعوِّد الدماغ على الاجتهاد والصبر. وتصف تساي الموسيقيين بأنهم "يتعودون تمامًا جني الثمار متأخرًا"، مشيرةً إلى أن مثل هذا المنظور مناسب لخوض مشوار مهني في مجال العلوم، حيث تتسم حركات الترقي وعملية نشر الأوراق البحثية بالبطء.

ومن مزايا التدريب والعمل الموسيقي أنه يصقل قدرة المرء على التركيز، حسبما ترى إلين بيرر، الملحنة المرموقة وعالمة الأعصاب -من جامعة نيومكسيكو، الواقعة في مدينة ألباكركي- التي توضح هذا قائلة: "عندما تعزف الموسيقى فإنك تركز على هذا فقط، وتكرس كل طاقتك الذهنية لذلك. وعندما تسلك النهج نفسه في العلوم، فإنك تتقنها حق الإتقان".

أنامل ذهبية

إنّ الاشتغال بالموسيقى والحِرَف اليدوية يمنحك الفرصة لاستخدام مهارات يديك، وهو ما تصفه زوي لافلن، مديرة معهد الإنتاج التابع لكلية لندن الجامعية -وهو نادٍ متعدد التخصصات- قائلة: "تختلف نظرتك عندما تقوم بالأشياء بنفسك، بدلًا من القراءة أو الكتابة عنها".

وقد يؤدي الاشتغال بالحرف اليدوية أيضًا إلى فهْم مختلفٍ للأشياء، فعندما بدأت لافلن دراستها للحصول على درجة الدكتوراة في تخصص المواد، عقب تَدرُّبها في مجالات ذات صلة بالفنون والتصميم وإبداع المنسوجات، وجدت نفسها تفهم طبيعة المواد بصورة حدسية، خلافًا لبعض أقرانها. وعلى سبيل المثال، أدركت -حتى وإن افتقرَتْ إلى المصطلحات والمعادلات التي يستخدمها المهندسون لوصف العمليات الفيزيائية- أن المعادن التي يتم تشكيلها على نحو أسرع من اللازم سوف تتعرض للتصدع. أضف إلى ذلك، تَمَتُّعها بالمهارات التي تؤهلها للتعامل مع شتى المواد. فقد فوجِئت في أثناء تدريسها للطلاب الجامعيين أن القليل منهم فقط يجيد استعمال المطرقة مثلها، رغم حصول كثير منهم على تقديرات مرتفعة في الاختبارات.

وخلال رحلتها للحصول على درجة الدكتوراة، اتجهت لافلن إلى صنع مكعبات من مواد مختلفة، شكلت في مجموعها معرضًا فنيًّا، وكذلك "مكتبة" يمكن لطلابها من خلالها دراسة خواص هذه المواد. كما درست لافلن كيفية تأثير المعادن المختلفة على أصوات الشوكات الرنانة، وعلى مذاق الملاعق. وتعلّق لافلن على هذا المسعى البحثي بقولها: "لم تتناول أبحاث قط مذاق المعادن". وعلى سبيل المثال، كان مذاق النحاس والزنك مرًّا، بينما لم يكن للذهب مذاق تقريبًا، ولهذه العوامل تأثير على نكهات الأطعمة المأكولة بهذه الأدوات. تقول لافلن: "لم أذق شيئًا قط يشبه مذاق حلوى المانجو المثلجة على ملعقة من ذهب".

وبالإضافة إلى كل ما سبق، يمكن للفنون القائمة على العِلْم أن تكون وسيلًة لنشر رسالة معينة. وعلى سبيل المثال، شاركت مارجرت فيرتهايم -الكاتبة المتخصصة في تدريس العلوم، التي درست الفيزياء والرياضيات- في تأسيس معهد الأشكال، وهو هيئة غير هادفة إلى الربح في لوس أنجيليس بكاليفورنيا، تُعنى بدراسة الأبعاد الجمالية للعِلْم، والرياضيات، والهندسة. وتتضمن مشروعات هذا المعهد معرض الشعاب المرجانية المُعَد بالكروشيه (انظر: go.nature.com/cr-coral )، الذي يهدف إلى التوعية بتأثير التغير المناخي على المرجانيات، وتوضيح مفهوم الفضاء الزائدي في عالم الأحياء.

وينوِّه ألان سبيفي -عالِم الكيمياء العضوية التخليقية من كلية إمبريال كوليدج لندن- إلى أن الطلاب المتفوقين في الاختبارات ليسوا دائمًا الأكثر مهارةً داخل المختبرات. وتُعَد البراعة اليدوية عنصرًا بالغ الأهمية في أغلب التجارب، ولهذا السبب قد يختلف العلماء فيما يتوصلون إليه من نتائج، رغم اتباعهم البروتوكول ذاته، الأمر الذي يسهم في صعوبة تكرار نتائج التجارب العلمية، حسبما يرى روجر نيبون، الذي يعمل في كلية إمبريال كوليدج أيضًا. وهو يمزج –باعتباره عالِم فيزياء، وعازفًا هاويًا لآلة الهاربسيكورد- بين اهتماماته، من خلال تولي إدارة مركز عِلْم المحاكاة والممارسة إلى جانب مركز علم الأداء، التابعَين للكلية.

إذًا، هل يمكن أن تساعد الخبرة في مجال الحرف اليدوية -وما شابهه- العلماءَ على أداء المهام المعملية بمزيد من الكفاءة؟ شَكَّلَ كل من نيبون وسبيفي مع الطاهي جوزيف يوسف فريقًا، من أجل تصميم مختبر تمهيدي لطلاب الكيمياء، داخل مطبخ. وقبل أن يبدأ الطلاب في مزج الأحماض والقلويات، دائمًا ما يعدون جبنًا، يكون في الأغلب جبن الماعز اللين. ويتعلمون الدقة من خلال سلق البيض، حيث تختلف النتائج لو تغيرت درجة الحرارة بمقدار نصف درجة فقط.

ويقول سبيفي إن هذه الدورة بدأت في أواخر عام 2019، وأن الاستطلاعات تشير إلى أن خريجيها يكونون أكثر ثقةً بالفعل في مهاراتهم.

وربما يبدو أن الرياضيات البحتة لا تتطلب أكثر من تفكير عميق ولوحٍ للكتابة، لكن مكلاود وجدت أن الحِرف اليدوية تتيح مدخلًا مشجعًا إلى الرياضيات. وقد نظمت مبادرة "ماث كرافت نيوزيلاند" في أول فعالية ضخمة لها مهرجانًا دام يومين في متحف أوكلاند في عام 2016. وقد اجتذب المهرجان أكثر من 1800 زائر، وهو أكبر حشد استضافه المتحف منذ إنشائه، حسبما تقول مكلاود، لكن سرعان ما تحطم هذا الرقم القياسي في العام التالي عندما زار المهرجان 3400 شخص.

وتتعاون العائلات خلال المهرجانات في صنع أشكال متعددة الأوجه بفن الأوريجامي، أو يجرب أفرادها استخدام شرائط موبيوس الورقية، أو يحيكون مسطحات زائدية منتفشة بفن الكروشيه. ويدركون بعد ذلك أنه لم يكن هناك وجود للمعادلات، وهذا بالضبط ما هدفت إلى تحقيقه مكلاود، التي تقول: "الرياضيات يسهل للجميع فهمها، ويمكن لأي شخص تعلُّمها".

وقد بدأت مكلاود في أبحاثها الخاصة الجمْع بين مهاراتها في التصميم والرياضيات، لدراسة الخصائص الرياضية المميِّزة للتصميم اليوناني الرئيس الشائع في المصنوعات الفخارية بمنطقة البحر المتوسط. وتقول إنه من اللافت أن ثمة سبع طرق فقط لتشكيل هذا النوع من التصميمات.

وبعد أن انكشف عشق ماكلاود للحِرف اليدوية، الذي أَخْفَتْه لوقت طويل، يُزين مقطع فيديو عن فن الأوريجامي من مبادرة "ماث كرافت" الصفحةَ الإلكترونية للأبحاث الخاصة بكلية الرياضيات والإحصاء، التابعة لجامعة كانتربري. وهكذا، فإن سر مكلاود لم ينتقص مطلقًا من مكانتها العلمية، بل عززها.

References

  1. Root-Bernstein, R. S., Bernstein, M. & Garnier, H. Creat. Res. J. 8, 115–137 (2010). | article
  2. Root-Bernstein, R. et al. J. Psychol. Sci. Tech. 1, 51–63 (2008) | article
  3. LaMore, R. et al. Econ. Dev. Q. 27, 221–229 (2013). | article
  4. Gal, J. Nature Chem. 9, 604–605 (2017). | article
  5. Root-Bernstein, R., Turke, M., Tiruttani Subhramanyam, U. K., Churchill, B. & Labahn, J. Int. J. Mol. Sci. 19, 272 (2018). | article
  6. Alexander, S. H. S., Peskin, M. E. & Sheikh-Jabbari, M. M. Phys. Rev. Lett. 96, 081301 (2006). | article
  7. Modulevsky, D. J., Lefebvre, C., Haase, K., Al-Rekabi, Z. & Pelling, A. E. PLoS ONE 9, e97835 (2014). | article