تعليقات

مشروعُ توصيف ثلاثة ملايين جينوم أفريقي

علينا توصيف النطاق الكامل للتنوُّع الجيني، كي نُحسِّن خدمات الرعاية الصحية، ونعزز العدالة، وندعم البحوث الطبية على مستوى العالم.

أمبرواز وونكام

  • Published online:
Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit, sed do eiusmod tempor incididunt ut labore et             dolore magna aliqua.

Credit: ACEGID

بعد مرور عقدين على اكتمال مشروع الجينوم البشري (HGP)، ما زال علينا أن نحقق الكثير، لضمان خدمة علوم الجينوم للصالح العام على مستوى العالم. فالتركيز على سكان البلدان ذات الدخول المرتفعة أضر بمحاولاتنا لفهم أسباب الصحة والمرض، التي كانت ستصب في مصلحة العالَم أجمع، فالجينومات الأفريقية حتى الآن تقل نسبتها عن 2% من إجمالي الجينومات البشرية التي جرى تحليلها1، على الرغم من أنَّ أفريقيا، التي كانت مهد البشرية، تتفوق في التنوع الجيني على باقي قارات العالم. كما أنَّ البلدان النامية ومنخفضة الدخل لم تستفد سوى بقدرٍ ضئيل من المعارف والتطبيقات التي أثمر عنها علم الجينوم، وذلك بسبب تدهور أنظمة الرعاية الصحية فيها، مقارنةً بغيرها، وقلة العاملين في مجال البحث العلمي بها، ونقص التمويل.

ولهذا، ففي عام 2003، تأسست الجمعية الأفريقية لعلم الجينات البشرية (AfSHG)، التي أديرها حاليًّا، لتساعد في مواجهة انعدام المساواة، وتُحسِّن التعليم، وتعزِّز العلاقات بين الباحثين، وتطوِّر القدرات البحثية في قارة أفريقيا (www.afshg.org). ورغم ما تحقَّق مؤخرًا من تقدمٍ في هذا الصدد، وما ضُخَّ من استثمارات لهذه الغاية، فإنَّ جزءًا كبيرًا جدًّا من الأبحاث الجينومية التي أُجريت في القارة قام عليه باحثون أوروبيون وأمريكيون2. وهذه مشكلة، لأنَّ أولوياتهم قد تكون بعيدةً عن احتياجات سكان القارة ورغباتهم. وعلى سبيل المثال، لو جرَّب هؤلاء الباحثون في دراساتهم علاجاتٍ جديدة، ستزداد فرصهم في نشر أوراقٍ بحثية تحظى بمزيدٍ من الاهتمام، ومن ثمَّ تساعدهم على التقدم في حياتهم المهنية الأكاديمية، في حين أن تجربة وسائل أكثر فعالية لتوفير العلاجات الحالية، تكون -في الأغلب- أقدر على إنقاذ حيوات البشر، والتخفيف من معاناتهم.

وإضافةً إلى هذا، تفتقر التسلسلات الجينومية المرجعية التي عُيِّنَت من خلال مشروع الجينوم البشري إلى الكثير من المتغيِّرات الجينية التي تحتوي عليها جينومات ذوي الأصول الأفريقية، إذ قدَّرت دراسةٌ أُجريت في عام 2019 أنَّ الجينوم المُمثِّل للحمض النووي الخاص بالأفريقيين يزيد في حمضه النووي على التسلسل المرجعي الحالي بنسبة 10% تقريبًا3. وفي العام الماضي، كشفت تحليلاتٌ أُجريت على تسلسلات الجينومات الكاملة لعددٍ بلغ 426 شخصًا فقط من 50 مجموعة إثنية لغوية في أفريقيا عن أكثر من ثلاثة ملايين متغيِّرٍ جيني، لم تكن معروفةً من قبل4.

حُدِّدَت هذه المتغيِّرات في إطار مبادرة اتحاد الوراثة البشرية والصحة في أفريقيا (H3Africa)، المستمرة منذ عشر سنوات بميزانيةٍ بلغت 180 مليون دولار أمريكي (https://h3africa.org). وتدعم هذه المبادرة معاهد علمية في 30 بلدًا أفريقيًّا، وتقوم على تسيير شؤونها الجمعية الأفريقية لعلم الجينات البشرية، بالتعاون مع وكالة معاهد الصحة الوطنية الأمريكية (NIH)، وصندوق «وِيلْكَم» التمويلي للطب الحيوي في المملكة المتحدة. وبما أنَّ المبادرة على وشك اختتام أعمالها، فقد حان الوقت للتفكير في الخطوات المقبلة.

ويذهب أحد التقديرات التقريبية إلى أنَّ توصيف النطاق الكامل للتنوُّع الجيني في أفريقيا يتطلب تحديد التسلسلات الجينومية لحوالي ثلاثة ملايين فرد، مختارين بعناية من مختلف أنحاء القارة السمراء، بحيث يتضمنوا المجموعات الإثنية اللغوية، والإقليمية، وغيرها في القارة. لهذا، نهدف إلى إطلاق مشروعٍ كهذا، اسمه "ثلاثة ملايين جينوم أفريقي" Three Million African Genomes، (أو اختصارًا 3MAG). وسيركز هذا المشروع على بناء قدرات القارة في مجال البحوث الجينومية وتطبيقاتها، وفي مجال الحوكمة أيضًا. ومن المتوقع لنتائج هذا المشروع أن تقدم فوائد للعالَم أجمع، بعضها يصعب تصوره. فعلى سبيل المثال، أنتجت لنا فاشيات فيروس الإيبولا خلال السنوات القليلة الماضية كثيرًا من المعلومات والخبرات التي استعنَّا بها خلال جائحة "كوفيد-19"، بدءًا من التواصل مع الناس، حتى مشاركة العينات والبيانات البيولوجية.

ومن المرجح أن يستغرق تطوير هذا المشروع حوالي عشر سنوات. وتتوقع تقديراتنا أنْ تحتاج أنشطته الأساسية إلى تمويلٍ مقداره حوالي 450 مليون دولار أمريكي سنويًّا (حوالي 1500 دولار لكل مشارك في المجمل). وسيغطي هذا المبلغ جهود تجهيز المستودعات الحيوية وتشغيلها، وتطوير تقنيات البيانات وبِناها التحتية. ونعتزم تحديد التسلسلات والأنماط الظاهرية لحوالي 300 ألف جينوم أفريقي في العام الأول من المشروع.

ولعل مَن يرون هذا المشروع مجازفةً صعبة ينسون الطموح الذي تَطَلَّبه إطلاق مشروع الجينوم البشري، حيث استغرق ذلك المشروع 13 عامًا، وجعل علم الجينات يتداخل مع جميع مجالات الرعاية الصحية. واليوم، تبلغ تكلفة تحديد تسلسل الجينوم الواحد أقل من ألف دولار، مع أنَّ تعيين النسخة المبدئية لأول جينوم مرجعي تَكَلَّف حوالي 300 مليون دولار (انظر: go.nature.com/3pfy2kh). أضِف إلى هذا أنَّه قبل 30 عامًا، وقت بدء انطلاق مشروع الجينوم البشري، وزَّع المعهد الوطني لبحوث الجينوم البشري بالولايات المتحدة حوالي 95% من إجمالي تمويل معاهد الصحة الوطنية الأمريكية على مشروعات بحوث الجينوم البشري. أمَّا في العام الماضي، فقد بلغت تلك النسبة 10% فقط، لأنَّ جميع معاهد الصحة الوطنية الأمريكية الأخرى تدعم بدورها بحوثًا متخصصة قائمة على علم الجينات5.

وسيهدف مشروع "ثلاثة ملايين جينوم أفريقي" إلى تحديد تسلسلات عددٍ كافٍ من الجينومات من مختلف أنحاء أفريقيا، لوضع جينوم بشري مرجعي يمثل القارة، ولتأسيس بنك حيوي أفريقي شامل لجميع بلدان القارة، يتضمن عيِّنات ومعلومات إكلينيكية. ولتوضيح أهمية هذه الخطوة، عليك أن تعرف أنَّ البنك الحيوي البريطاني قد قطع منتصف الطريق نحو إتمام مشروعٍ تبلغ مدته 27 شهرًا، يهدف إلى تحديد تسلسلات 500 ألف جينوم (انظر: go.nature.com/3ciohcj)، وإنْ كان تعداد سكان المملكة المتحدة يبلغ حوالي 5% من تعداد سكان قارة أفريقيا.

الفوائد البحثية للمشروع

يمكن للجينومات الأفريقية أن تكشف جيناتٍ ومُتغيِّرات جديدة تسهم في الصحة والمرض، لم تكتشفها الدراسات السابقة التي ركَّزت على الأوروبيين (من ناحيةٍ أخرى، هناك فوائد لدراسة مجموعاتٍ سكانية أوروبية معينة من تلك المجموعات التي انحدرت من عددٍ صغير من الأسلاف، مثل مجموعات أيسلندا، وذلك لأسبابٍ مختلفة، منها أنَّ التجانس الجيني يمكن أن يساعدنا في كشف العوامل البيئية، وتغيرات الجينات المفردة التي لها تأثيرٌ قوي). فالمجموعات السكانية ذات الأصول الأفريقية هي الأكثر تنوعًا من الناحية الجينية في العالم، إذ إنَّها مجتمعةً تملك تنوعًا جينيًّا أكبر من غيرها، كما أنَّها أقل اختلاطًا بالمجموعات السكانية الأخرى غير الأفريقية، وهو ما يُسهِّل اكتشاف المُتغيِّرات التي ربما تسهم في الإصابة بأمراضٍ معينة.

Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit, sed do eiusmod tempor incididunt ut labore et             dolore magna aliqua.

Credit: Brent Stirton/Reportage by Getty

على سبيل المثال، المتغيِّرات في جين PCSK9 بالغة الندرة لدى الأوروبيين (حيث توجد بنسبة أقل من 0.1%)، لكنَّها شائعةٌ نسبيًّا لدى الأمريكيين ذوي الأصول الأفريقية (حيث توجد بنسبة تبلغ حوالي 2%). وهذا الجين يرتبط بانخفاض مستويات بعض شحميات الدم انخفاضًا كبيرًا6 ،وهو الاكتشاف الذي أثمر عن تطوير علاجٍ جديد واحد على الأقل (على سبيل المثال، عقار "إيفولوكوماب" evolucomab) لحالة اضطراب شحميات الدم، المرتبطة بالإصابة بالأزمات القلبية والسكتات الدماغية، التي تصيب مختلف المجموعات السكانية حول العالم. وقد تناولت دراسةٌ حوالي 900 أفريقي من شعب الهوسا مصابين بالفصام، وقارنت بينهم وبين 900 شخصٍ آخرين من أبناء القارة غير المصابين بالمرض، فاكتشفت الكثير من الطفرات النادرة التي تسهِم في نشوئه، كما كشفت معلومات مهمة عن الآليات المسببة له7. ومع أنَّ هناك دراسةً أخرى أُجريت في عام 2016 على مجموعةٍ من السويديين، وتمكنت من رصد الكثير من هذه الطفرات، إلا أنها احتاجت لتحقيق ذلك إلى عينات تفوق في حجمها عينات دراسة الأفريقيين بأكثر من أربع مرات8.

ستساعدنا كذلك دراسات الجينومات الأفريقية في القضاء على انعدام المساواة. فتقديرات درجات المخاطر الجينية لدى ذوي الأصول الأفريقية، التي تتوقع –على سبيل المثال- احتمالية إصابتهم باعتلال عضلة القلب، أو بالفصام، يمكن أن تفتقر إلى الدقة، بل قد تكون مضللة، إذا اعتمدت على الأدوات الفعَّالة في حال الأوروبيين9 ولدعم الاكتشافات وتطوير أدواتٍ إكلينيكية دقيقة، علينا تحسين فعالية تقنيات التحليل، وتحديد الأنماط الظاهرية إلى أقصى حدٍّ ممكن، باستخدام جينومات عددٍ أكبر من المجموعات السكانية.

وتتجلى المنافع الجمَّة التي يمكن أن تثمر عنها دراسة الأمراض الناتجة عن جيناتٍ مفردة في أبحاث ضعف السمع10، وداء الخلايا المنجلية (SCD)11، التي أركّز عليها في عملي. فمَن يحملون نسختين من طفرة الخلايا المنجلية يملكون خلايا دم حمراء مُشوَّهة، على شكل ثمرة الموز. وهذه الخلايا تتكتل معًا في الأوعية الدموية، وتعوق توزيع الأكسجين على الأنسجة. وغالبًا ما يعيش المصابون بداء الخلايا المنجلية حتى الخمسينات في البلدان مرتفعة الدخول، بينما يموتون في كثيرٍ من البلدان الأكثر فقرًا خلال مرحلة الطفولة، نتيجة الإصابة بعدوى بكتيرية، أو بالأنيميا، أو بأمراض الرئة، أو بالسكتات الدماغية، أو غيرها من المضاعفات.

ويتمتع المصابون بهذا المرض بصحةٍ أفضل إذا كانت لديهم متغيِّراتٌ في جيناتٍ أخرى، تُطِيل -على سبيل المثال- مدة إنتاج الهيموجلوبين الجنيني، أو -للمفارقة- تُسهِم في الإصابة بنوعٍ من الأنيميا، يُطلق عليه "ثلاسيميا-ألفا" α-thalassaemia. وفي المقابل، فإنَّ المتغيِّرات في الجين APOL1 تزيد احتمالات الإصابة بأمراض الكُلى12.

أغلب هذه العوامل الجينية التي تؤثر في داء الخلايا المنجلية اكتُشِف من خلال دراساتٍ أُجريت في أوروبا والولايات المتحدة، وكانت تلك الدراسات تستخدم عادةً رقاقاتٍ جينية مُصمَّمة لكشف المتغيِّرات المشتركة بين الأوروبيين13، لكنَّ أفريقيا يوجد بها حوالي 75% من الأطفال الذين يُولدون بهذه الطفرة سنويًّا، والذين يبلغ عددهم 300 ألف طفل تقريبًا، مع العلم بأنَّ التشخيصات الجينية ومعلوماتها بالقارة لا تسهم تقريبًا في ممارسات الرعاية الطبية. ولهذا، لو أُجريت دراسةٌ طولية مُنسَّقة بعناية بالاستعانة بعدة مراكز طبية، قد نكتشف العديد من المتغيِّرات. وسيساعدنا هذا في توقُع تطورات المرض، ويكشف لنا سُبلًا جديدة لعلاجه11(ربما تشمل التعديل الجيني)، ويوفر نصائح أفضل للآباء والأمهات حين يمكن إجراء الفحوص الجينية قبل الولادة، ويساعد الأفراد في التعامل مع المرض. وقد تصبح دراسةٌ كهذه نموذجًا لفهم كيفية تأثير المتغيِّرات الجينومية على الأمراض الأخرى الناتجة عن جيناتٍ مفردة.

ثلاث أولويات

كي نُحدِّد تسلسلات ثلاثة ملايين جينوم أفريقي، سنحتاج إلى دعمٍ من الحكومات الأفريقية، والأكاديميين، والمنظمات الدولية.

وهذا الدعم يتمثل في ثلاث نواحٍ، أولها المشروعات التعاوُنية. فأبسط خطوةٍ يمكن أن نبدأ بها المشروع هي تدشين المزيد من المشروعات التعاونية بين مختلف بلدان العالم، وكذلك بين البلدان الأفريقية، سواء في مجال البحوث الأكاديمية، أم تلك التي تجريها الشركات. كما يمكننا استغلال التقنيات، وأنظمة سير العمل، وأفضل الممارسات التي تبنَّتها مبادرة اتحاد الوراثة البشرية والصحة في أفريقيا، ومشروعاتٍ أخرى كثيرة (انظر الشكل "تمهيد الطريق")، فعلى سبيل المثال، تَعمل شركة "فيفتي فور جين" 54gene في لاجوس بنيجيريا على إنشاء مَرافق لتحديد التسلسلات الجينومية لمائة ألف نيجيري، وتفيد الشركة بأنَّ مستثمري وادي السيليكون قد أسهموا بمبلغ 4.5 مليون دولار من أجل تأسيس بنكٍ حيوي (https://54gene.com).

كبر الصورة

كبر الصورة

© Replace me

والناحية الثانية من هذه النواحي هي الكوادر البشرية، إذ نحتاج أيضًا إلى تدريب باحثين في مجالات الطب والتكنولوجيا، مع التركيز على علم الجينات البشرية، وعلم المعلومات، وعلوم الحاسوب. وفي الظروف المثالية، سيتحقق ذلك عن طريق إنشاء برامج دراسات عليا في الجامعات الأفريقية، ومراكز للتميُّز في الطب الجيني بمَرافق الرعاية الصحية في القارة.

والحوكمة هي الناحية الأخيرة. فأكثر التحديات صعوبةً سيكون تطوير البِنَى التحتية الإكلينيكية، والحكومية، والاجتماعية، لتستوعب الثقافات والشعوب المتنوعة في جميع أرجاء القارة. أضِف إلى هذا أنَّ المعلومات التي سينتجها ذلك المشروع وبنوكه الحيوية ستكون لها تداعياتٌ أخلاقية هائلة. ففي الوقت الحالي، نفتقر إلى الأبحاث التي تكشف آراء الناس في القارة بشأن قضايا معينة، منها مسائل الموافَقة المستنيرة، والمشاركة المجتمعية، والخصوصية والسرية، واستخدام المعلومات الجينية. كما نجهل وجهات نظرهم بشأن حوكمة المستودعات الحيوية، ومشاركة المنافع وعوائد نتائج الأبحاث، ولا نعرف شيئًا كذلك عن مخاوفهم من استغلالهم في المشروعات التعاونية البحثية، وفي الأنشطة الهادفة إلى الربح. وقد تسببت أوجه القصور هذه في إثارة الجدل عندما خطط معهد «وِيلْكَم سانجر» بالمملكة المتحدة لجَنْي المال عن طريق الترويج لمجموعة من أدوات تحديد الجينات، طُوِّرَت بناءً على معلوماتٍ مستنبطة من جينوماتٍ أفريقية (انظر: go. nature.com/3r7elep). صحيحٌ أنَّ الهيئات التشريعية في جنوب أفريقيا تناقش مشروع قانون حماية المعلومات الشخصية منذ سنوات، لكنْ هناك حاجة ماسة إلى وضع أطر عمل رسمية خاصة بهذه القضايا، وتداعياتها الأخلاقية، والقانونية، والاجتماعية. كما ينبغي بذل جهودٍ مُنسَّقة لتصميم بحوثٍ جينومية تركز على المساواة والإنصاف. وينبغي لهذه الأبحاث أن تستند إلى نظريات العدالة العالمية، والمفاهيم الأفريقية، مثل مبدأ "أوبونتو" Ubuntu، الذي يعني -بوجه عام- "روح الجماعة".

الخطوات الأولى

لنضع أهدافًا وخططًا شاملة، ينبغي لأعضاء الجمعية الأفريقية لعلم الجينات البشرية، والأكاديمية الأفريقية للعلوم، ومبادرة اتحاد الوراثة البشرية والصحة في أفريقيا، أن يتعاونوا مع الأكاديميين، والعلماء، والجمعيات المهنية، وممثلي الحكومات، والعاملين في مجال الرعاية الصحية، والمدافعين عن حقوق المرضى، وغيرهم. وكما حدث في مبادرة اتحاد الوراثة البشرية والصحة في أفريقيا، يمكن تنقيح هذه الأهداف من خلال اللقاءات الدورية التي ستعقدها مجموعات العمل (مثل تلك المعنية بعلم الجينات الطبي، والتدريب، والمستودعات الحيوية، والمشاركة الجماهيرية، والاستدامة)، على أنْ تتخلل هذه اللقاءات اجتماعاتٌ أوسع نطاقًا.

وستحتاج الحكومات إلى أن تركز على بناء مراكز بيانات، وتطوير خدمات الطب الجيني، وتأسيس البرامج الأكاديمية. كما لا بد لها أن تُيسِّر التعاوُن بين القطاعين العام والخاص في مشروعات البحث والتطوير، والتطبيقات الخاصة بالرعاية الصحية الإكلينيكية، وأن تضع لوائح قانونية وأخلاقية تتعلق بالبيانات الشخصية، ومسألة موافقات المشاركين في الدراسات، وغيرها. كما سيكون من الضروري تشكيل لجنةٍ في منظمة الصحة العالمية، أو الاتحاد الأفريقي، تملك الصلاحيات للمساعدة في تطوير هذه البنية التحتية، وتنسيق عملها، وذلك لتيسير إجراء الدراسات التي تشارك فيها بلدان مختلفة. ومن الممكن أيضًا أن نوفر حوافز ضريبية وسوقية، إذ ستشجِّع هذه الحوافز القطاع الخاص على توجيه البحوث الجينومية نحو دراسة الأمراض التي لا تحظى بالاهتمام الكافي.

سيُطرح أيضًا سؤالٌ بديهي، نتيجةً لهذا المشروع، هو: كيف يمكن تبرير العمل على تحديد التسلسلات الجينومية لهذا العدد الضخم من الأفراد، بينما لا يزال الأفريقيون يموتون من جرَّاء سوء التغذية، والملاريا، وفيروس نقص المناعة البشرية (HIV)؟

أعتقد أنَّ المشروع سيُحسِّن قدرات القارة في مجموعةٍ واسعة من تخصصات الطب الحيوي، وهذا سيُزوِّدها بما تحتاجه لمواجهة تحديات الصحة العامة على نحوٍ يحقق مزيدًا من الإنصاف، كما سينتج المشروع معارف يمكن أن تفيد المجموعات السكانية المعرَّضة للخطر. ففي الواقع، ثمة أدلةٌ على أنَّ آثار الحالات الحادة لسوء التغذية وعلاجاتها تتأثر بمتغيِّرات جينية محددة14. كما أنَّ مشروع الجينوم البشري قد أسرع خطى التقدم في مجال الطب بوجهٍ عام، ومن أمثلة ذلك: تطوير تقنيات جزيئية لتشخيص الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية ومرض السل، وهي تقنيات تُستخدَم على نطاقٍ واسع في قارة أفريقيا. ووفَّر ذلك المشروع كذلك معلوماتٍ انبنت عليها طرقٌ وقائية وعلاجية للتعامل مع فيروس نقص المناعة البشرية.

وهذه الفوائد يمكن لمشروعنا أن يُوسِّع نطاقها. فالمتغيِّرات الجينية التي تؤثر على أيض العقاقير المضادة لفيروس نقص المناعة البشرية عُثِرَ عليها بالفعل لدى سكان البلدان مرتفعة الدخل. ويحمل ما يصل إلى 47% من المجموعات السكانية الأفريقية والأمريكيين ذوي الأصول الأفريقية المتغيِّر CYP2B6*6، المرتبط بالآثار الجانبية الحادَّة لعقار "إيفافيرينز" efavirenz15 المضاد للفيروس، وهو ما يعزز احتمالات تفويت الأفراد لجرعات العقار ونشوء مقاومة فيروسية له. ولهذا، لا بد للبحوث الجينية الصيدلانية أن تركز أكثر على أن يحصل الناس في أفريقيا على العلاجات الأكثر فعالية التي تناسبهم.

كما يجب أن يخدم هذا المشروع المجموعات السكانية التي سيدرسها، وأن يسهم في تحسين خدمات الرعاية الصحية الأساسية. فما جدوى تحديد المتغيِّرات المرتبطة بسرطان الثدي، أو أمراض القلب والأوعية الدموية لدى أشخاصٍ لا يستطيعون الخضوع لفحوص الثدي الشعاعية، أو فحوص الكشف عن ارتفاع ضغط الدم، ولن تتوفر لهم غالبًا العلاجات الطبية؟ وختامًا، فإنَّ هذا المشروع -على غرار مبادرة اتحاد الوراثة البشرية والصحة في أفريقيا- لا بد أن يفيد ممارسات الطب الجيني في العالم بأسره، وكذلك في أوساط المجموعات السكانية بالقارة، في نواحٍ تتجاوز علم الجينات بكثير.

 

References

  1. Sirugo, G., Williams, S. M. & Tishkoff, S. A. Cell 177, 26–31 (2019). | article
  2. Adedokun, B. O., Olopade, C. O. & Olopade, O. I. Glob. Health Action 9, 31026 (2016). | article
  3. Sherman, R. M. et al. Nature Genet. 51, 30–35 (2019). | article
  4. Choudhury, A. et al. Nature 586, 741–748 (2020). | article
  5. Green, E. D. et al. Nature 586, 683–692 (2020). | article
  6. Cohen, J. et al. Nature Genet. 37, 161–165 (2005). | article
  7. Gulsuner, S. et al. Science 367, 569–573 (2020). | article
  8. Genovese, G. et al. Nature Neurosci. 19, 1433–1441 (2016). | article
  9. Curtis, D. Psychiatr. Genet. 28, 85–89 (2018). | article
  10. Wonkam, A., Manyisa, N., Bope, C. D., Dandara, C. & Chimusa, E. R. Hum. Mol. Genet. 29, 3729–3743 (2020). | article
  11. Wonkam, A. et al. Clin. Transl. Med. 10, e152 (2020). | article
  12. Geard, A. et al. Br. J. Haematol. 178, 629–639 (2017). | article
  13. Menzel, S. et al. Nature Genet. 39, 1197–1199 (2007). | article
  14. Schulze, K. V. et al. Nature Commun. 10, 5791 (2019). | article
  15. Swart, M. et al. Pharmacogenet. Genomics 23, 415–427 (2013). | article

أمبرواز وونكام

أستاذ علم الجينات الطبي، والوكيل المعنِيّ بشؤون البحث العلمي في كلية علوم الصحة بجامعة كيب تاون في جنوب أفريقيا. وهو أيضًا رئيس الجمعية الأفريقية لعلم الجينات البشرية؛ ويشارك في إدارة مبادرة اتحاد الوراثة البشرية والصحة في أفريقيا.

البريد الإلكتروني: ambroise.wonkam@uct.ac.za