أخبار

هل يزداد فيروس كورونا فتكًا؟ البيانات لم تحسم الأمر بعد

تتزايدُ حالاتُ الوفاة الناجمة عن الإصابة بالسلالة المتحورة B.1.1.7، لكنْ لا تزال هناك أسئلةٌ عالقةٌ حول الأسباب التي تقفُ وراء ذلك.

سِمريتي مالاباتي
  • Published online:
اكتظاظُ المستشفيات البريطانية بأشخاصٍ أُصيبوا بمرض "كوفيد-19" جرّاء التقاطهم العدوى بسلالة B.1.1.7 المُتحوِّرة عن فيروس كورونا.

اكتظاظُ المستشفيات البريطانية بأشخاصٍ أُصيبوا بمرض "كوفيد-19" جرّاء التقاطهم العدوى بسلالة B.1.1.7 المُتحوِّرة عن فيروس كورونا.

Credit: Kirsty Wigglesworth/AFP via Getty

الأخبار مُقلِقةٌ ومعقدةٌ في الوقت ذاته. فقد نشر فريقٌ من العلماء البيانات التي استند إليها تحذيرٌ أطلقته الحكومة البريطانية خلال الشهر الماضي من أن الانتشار السريع للسلالة المتحورة B.1.1.7 من فيروس كورونا المُسبِّب للمتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة من النوع الثاني، المعروف اختصارًا بـ "سارس-كوف-2" SARS-CoV-2، يزيد من خطر التعرُّض للوفاة جراء الإصابة بمرض "كوفيد-19"، مقارنةً بسلالاتٍ سابقةٍ، غير أن بعض العلماء يُنبِّهون إلى أن الدراسة الأخيرة - مثلها مثل التحذير الحكومي - دراسةٌ تمهيدية، وأنها لم تُبيِّن ما إذا كانت تلك السلالة المتحورة أشد فتكًا، أم أنها فقط أسرع تفشيًا، ومن ثم فهي تصيب أعدادًا أكبر من البشر الأكثر عرضة للإصابة.

تثير النتائجُ الأخيرة حالةً من القلق، ولكننا "بحاجةٍ إلى مزيدٍ من العمل"، قبل التوصل إلى استنتاجاتٍ، على حد قول ميوج سيفيك، الباحثة في مجال الصحة العامة بجامعة سانت آندروز، والمُقيمة في إدنبره بالمملكة المتحدة.

وقد صرَّح رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون خلال الشهر الماضي بأن البيانات الأولية المُستقاة من عدة مجموعات بحثية أشارت إلى أن سلالة B.1.1.7 - التي اكتُشفت للمرة الأولى في المملكة المتحدة - كانت تتفشى بوتيرةٍ أسرع من السلالات التي سبقتها، كما أنها اقترنت باحتمالية أعلى لخطر التعرُّض للوفاة. وفي الثالث من فبراير، نشر باحثون في كلية لندن للصحة والطب المداري (LSHTM) تحليلًا لبعض تلك البيانات، أشاروا فيه إلى أن خطر التعرُّض للوفاة يزيد بنحو 35% لدى الأشخاص الذين تأكَّدت إصابتهم بالسلالة الجديدة (N. Davies et al. Preprint at MedRxiv https://doi.org/ftkj; 2021).

هذا معناه في واقع الأمر أنه فيما يتعلق بالرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 70 و84 عامًا، يزيد عددُ مَنْ يُرجَّح وفاتهم جراء الإصابة بمرض "كوفيد-19" من 5% تقريبًا بالنسبة إلى مَنْ تأكَّدت إصابتهم بالسلالة القديمة إلى ما يزيد على 6% بالنسبة إلى مَنْ تأكدت إصابتهم بسلالة B.1.1.7، وفقًا للتحليل المذكور. أما فيما يخصُّ الرجال الذين تبلغ أعمارهم 85 عامًا، أو أكثر، فإن خطر التعرُّض للوفاة يزيد من نحو 17% ليصل إلى قُرابة 22% بالنسبة إلى مَنْ تأكَّدت إصابتهم بالسلالة الجديدة. وتجدُر الإشارة إلى أن هذا التحليل لم يُراجَع من قِبل الأقران إلى الآن.

وتعكف مجموعاتٌ بحثية أخرى على دراسة ما إذا كانت سلالة B.1.1.7 أو غيرها من سلالات "سارس-كوف-2" الجديدة أشدَّ فتكًا من النسخ السابقة للفيروس، أم أنها غير ذلك. 

ونظرًا إلى أن سلالة B.1.1.7 اكتُشفت للمرة الأولى في سبتمبر الماضي في جنوب إنجلترا، فقد صارت السلالة السائدة في المملكة المتحدة، وانتشرت لتصل إلى أكثر من 30 بلدًا. ولبحث إذا ما كانت السلالةُ الجديدة تُسبِّب زيادةً في خطر التعرُّض للوفاة، أجرى نيكولاس ديفيز، اختصاصي علم الأوبئة بكلية لندن للصحة والطب المداري، بالتعاون مع زملائه، تحليلًا لبيانات أكثر من 850 ألف شخص خضعوا لفحص فيروس "سارس–كوف–2" في الفترة ما بين الأول من نوفمبر، والحادي عشر من يناير، ولم يكن هؤلاء الأشخاص قد أُودعوا المستشفيات.

ومع أن سلالة B.1.1.7 كانت جديدة، استطاع الباحثون اكتشاف المصابين بها، وذلك بسبب خللٍ في عدة أدوات التشخيص القياسية في المملكة المتحدة، فعادة ما يُنقِّب الفحصُ عن ثلاثة من جينات فيروس "سارس-كوف-2" للتحقُّق من وجود الفيروس، غير أنه في حالة سلالة B.1.1.7، يُستدلُ من حدوث تغيراتٍ في البروتين الشوكي على أن الأشخاص المصابين بالعدوى سوف تظل نتائج فحوصهم إيجابية، ولكن ذلك يقتصر على اثنين فقط من هذه الجينات.

وقد توصًّل الفريق إلى أن سلالة B.1.1.7 أشدُّ فتكًا من السلالات السابقة بالنسبة إلى جميع الفئات العمرية، والأنواع الجنسية، والمجموعات الإثنية. يقول هنريك ساليى، اختصاصي وبائيات الأمراض المُعدية في جامعة كامبريدج بالمملكة المتحدة: "يقدم هذا أدلة قوية على أن معدلات الوفاة شهدت زيادةً فعلية بسبب السلالة الجديدة".

وتوضح سيفيك أن قلة أعداد الوفيات بين الشباب الذين شملهم التحليل لا تكفي كسندٍ يُبنى عليه استنتاجٌ مفاده أن هذه السلالة الجديدة تهاجم الفئات العمرية المختلفة بشكلٍ متكافئ. تقول سيفيك: "في حقيقة الأمر، يبدو أن هذه السلالة أشد تأثيرًا على الفئات العمرية الأكبر سنًّا".

ويرى توني بلاكلي، اختصاصي علم الأوبئة في جامعة ملبورن الأسترالية، أن ذلك شيءٌ متوقع، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار حقيقة أن احتمالات الوفاة جراء الإصابة بمرض "كوفيد-19" تزداد زيادة ملحوظة مع التقدم في العمر.

وقد جاءت هذه النتائج متسقةً مع دراسةٍ أولية أخرى لخَّصتها المجموعة الاستشارية لتهديدات الفيروسات التنفسية الجديدة والناشئة (NERVTAG) - وهي مجموعة استشارية تابعة لحكومة المملكة المتحدة - وذلك في وثيقةٍ نُشرت في الثاني والعشرين من يناير (انظر: go.nature.com/36kpraa). كما وجدت إحدى الفرق البحثية بكلية إمبريال كوليدج لندن أن متوسط معدل الوفيات - نسبة الأشخاص الذين تأكَّدت إصابتهم بمرض "كوفيد-19"، والذين سيلقون حتفهم بسببه - كان أعلى بنحو 36% لدى المصابين بسلالة B.1.1.7.

تفسيراتٌ أخرى

توضح سيفيك أن هناك حاجةً إلى مزيدٍ من البيانات والتحليل، لتحديد ما إذا كانت السلالة المتحورة أشدَّ فتكًا مقارنةً بغيرها من السلالات، أم أنها غير ذلك. وعلى سبيل المثال، لا تأخذ الدراسة الأخيرة بعين الاعتبار مسألة ما إذا كان الأشخاص المصابون بالسلالة الجديدة لديهم أمراضٌ مصاحبة، كالسكري والسمنة، أم لا، ومن ثم فإنهم يكونون أضعف مناعةً وأكثر عُرضة للوفاة.

وتضيف سيفيك قائلةً إن تلك الدراسة لا تغطي سوى نسبة ضئيلة من حالات الوفاة الناجمة عن الإصابة بمرض "كوفيد-19" في المملكة المتحدة - نحو 7% - وقد يختفي التأثير إذا ما أُخذت في الحسبان البياناتُ المتعلقة بالوفيات بين الأشخاص الذين خضعوا للفحص بالمستشفيات. ولم ترصد الدراسةُ الأولية التي أجرتها مجموعاتٌ أخرى زيادةً في خطر التعرُّض للوفاة بين الأشخاص الذين أُودعوا المستشفيات بعد إصابتهم  بالسلالة الجديدة، وهو ما يضفي تعقيدًا على تلك النتائج الأخيرة.

يقول ديفيز إنه من الوارد أن السلالة الجديدة تتسبَّب في زيادة شدة المرض، ما يؤدي إلى إيداع المزيد من الأشخاص المستشفيات في نهاية الأمر، لكنْ ستظل احتمالات تعرُّض هؤلاء الأشخاص للوفاة - حال إيداعهم المستشفيات - قائمةً بالقدر نفسه، إلا أن ديفيز يُقِرّ بالحاجة إلى المزيد من البيانات والأبحاث، لفهم طبيعة ما يحدث.

وقد أشار بعض الباحثين كذلك إلى أن سلالة B.1.1.7 الجديدة قد تسهِم في زيادة معدلات الوفاة، بسبب تفشيها السريع، ما يؤدي إلى اكتظاظ المستشفيات بالمرضى، والتأثير على جودة خدمات الرعاية المُقدَّمة. ويقول ديفيز إنه قد استبعد هو وفريقه هذا الاحتمال، لأنهم قارنوا بين مخاطر التعرُّض للوفاة المرتبطة بالسلالة الجديدة والسلالات السابقة بالنسبة إلى الأشخاص الذين خضعوا للفحص في ذات الزمان والمكان، ومن ثم عايشوا الظروف نفسها في المستشفيات.