افتتاحيات

كيف أسهَم علم الأوبئة في تشكيل مسار جائحة «كوفيد»

تقرير المتابعة الثالث الذي أصدرته دورية Nature مع نهاية العام الأول للجائحة يسلط الضوء على نتائج مهمة يقدمها لنا علم الأوبئة.

  • Published online:

يُعَد علم الأوبئة إحدى ركائز مكافحة الأمراض. وقد لعبت الدراسات التي تتناول كيفية انتشار الأمراض وأسبابها دورًا كبيرًا في الجهود الرامية إلى فهْم مرض «كوفيد-19»، واحتوائه، والتعامل معه. وقد أسهَم تحليل البيانات الواردة عن الإصابات والوفيات، وكذلك التقديرات المستمَدة من أبحاث نمذجة انتشار الفيروس، في صياغة القرارات التي اتُّخذت في كافة أنحاء العالَم للتعامل مع الجائحة. وقد صارت قرارات بعينها، مثل إغلاق الدول، وفرض إجراءات الحجر، والتباعد الاجتماعي، وارتداء الأقنعة، مع مرور الوقت من البديهيات الشائعة.

وتستكشف هذه المقالة الافتتاحية - وهي الجزء الثالث من سلسلة تقارير المتابَعة التي تصدرها دورية Nature - بعض أهم التطورات البحثية التي أسهمَت في كشف طبيعة العدوى، ومدى انتشار الجائحة.

تبرز المقالة أيضًا أهمية الدور الذي سيلعبه علم الأوبئة مع تطور الجائحة في مجالات معينة، مثل فهم قدرات سلالة الفيروس الجديدة التي تعصف بالعالم في الوقت الراهن. وفي الوقت الذي يسهم فيه علم الأوبئة في تغيير مسار الجائحة، نجد أن فيروس كورونا قد شكَّل بدوره اختبارًا لقدرة هذا العلم. ويعرض هذا التقرير بإيجازٍ التغيرات التي لا تزال تطرأ على مجال علم الأوبئة نتيجة لذلك.

الدور المبكر لعلم الأوبئة في مكافحة الجائحة

مضى أكثر من عام على بداية ورود التقارير التي أشارت إلى ظهور فيروس كورونا لم يكن معروفًا سابقًا، ويتسبب في أعراض مشابهة لأعراض الالتهاب الرئوي. فبحلول الخامس من يناير عام 2020، كانت التقارير تفيد بإصابة 59 شخصًا في مدينة ووهان الواقعة في إقليم هوباي الصيني؛ وكان سبعة منهم في حالة حرجة. وبحلول العشرين من يناير، كانت السلطات الصينية قد أعلنت عن إصابة أكثر من مائتي شخص، ووفاة ثلاثة أشخاص.

في البداية، لم نكن نعرف الكثير عن قدرة الفيروس على الانتقال، ولكن سرعان ما تغير ذلك. فقد بدأ اختصاصيو علم الأوبئة بحلول منتصف يناير تقريبًا في نشر نتائج دراسات النمذجة التي أجروها، والتي أشارت إلى أن أعداد الإصابات ربما تكون أكبر بكثير1 من الحالات الموثقة.

وجدت تلك الدراسات - على سبيل المثال - أن عدد التكاثر الأساسي (R0) - أي متوسط عدد الأشخاص الذين سينتقل لهم الفيروس من شخص مصاب به في حالة انتشار الفيروس، دون السيطرة عليه - قد سجلت ما يتراوح بين 2 و4 أشخاص3،2 كما حددت الدراسات المعايير الضرورية اللازمة لفهم قدرة الفيروس على الانتشار على مدى واسع يصل إلى حد الوباء. اشتملت تلك المعايير على نقاط معينة، مثل متوسط فترة حضانة الفيروس4 - أي الفترة بين إصابة الإنسان بالعدوى، وبداية ظهور الأعراض عليه - ونسبة الأشخاص الذين سوف تودي الإصابة بالفيروس بحياتهم5. وكان من الواضح حتى في هذه المرحلة المبكرة أن خطورة الفيروس على الأشخاص فوق الستين من العمر أعلى بكثير منها على المجموعات العمرية الأصغر سنًّا. كما أشارت تقديرات إلى أن نسبة الوفاة بين المصابين بالمرض ممن تجاوزت أعمارهم الثمانين عامًا سوف تتجاوز واحدًا من بين كل عشرة أشخاص5.

كان الباحثون خلال هذه الأسابيع الأولى يستخدمون بيانات محدودة لحالات الإصابة بالمرض، ولكنْ بعد توافر المزيد من البيانات، أصبح بإمكان اختصاصيِّي علم الأوبئة تأكيد أن الفيروس يمكن أن ينتقل عن طريق أشخاص لم تظهر عليهم الأعراض6، وأنه قادر على الانتشار السريع والواسع؛ بحيث يُعَد جائحةً1.

وقد ساعدت هذه الدراسات مجتمعةً في تنبيه عدد من الحكومات إلى أن الوضع قد يكون أخطر بكثير مما كان متوقعًا. كما أشارت نتائج الدراسات إلى أهمية تجهيز وحدات العناية المركزة بالمستشفيات في كافة أنحاء العالم، لتكون قادرة على استقبال عدد كبير من الحالات.

وفي نهاية شهر يناير، أعلنت منظمة الصحة العالمية (WHO) حالة تسمى «طارئة صحية عمومية تسبب قلقًا دوليًّا» Public Health Emergency of International Concern، واشتمل الإعلان على إرشادات للدول باتخاذ تدابير متعلقة بالصحة العامة، من بينها إجراء الاختبارات، وعزل المصابين، وتتبع المخالطين، وفرض الحجر الصحي عليهم. وقد اعتمدت هذه الإجراءات جزئيًّا على الأبحاث التي قام بها في الماضي اختصاصيو علم الأوبئة خلال الفترات التي تلت انتشار أمراض معدية7، ولكن لم يستجب لهذه النصائح سوى عدد قليل من الدول، حسب ما ورد مؤخرًا في دورية Nature.

وفي الوقت ذاته، شرع اختصاصيو علم الأوبئة في صياغة إجراءات التقييم التي يمكن أن تساعد في احتواء الفيروس.

الإغلاق وارتداء أقنعة الوجه

مع الارتفاع الكبير في أعداد الإصابات، أصبحت الخيارات المتاحة للحكومات للحدّ من أعداد الإصابات والوفيات محدودة للغاية. كان من الصعب تحديد البروتوكولات العلاجية التي قد تساعد في مكافحة المرض، ولم تكن ثمة لقاحات متوفرة. وفي غياب مثل هذه الأدوات، شرع الباحثون في وضع نماذج لاختبار فعالية ما يسمى بالتدخلات غير الدوائية.

وأوضحت هذه النماذج أنه بالإمكان الحدّ من الإصابات والوفيات إذا التزم الناس بارتداء أقنعة الوجه، والمحافظة على قَدْر من التباعد بينهم، وكذلك إذا بقي عدد أكبر منهم في البيوت9،8.

فرضت مدينة ووهان الإغلاق الكامل في الثالث والعشرين من يناير، كما وضعت حوالي ثمانين مدينة صينية أخرى قيودًا على التجول بحلول منتصف فبراير. وبعد مرور بضعة أشهر، أعلن الباحثون أن تبنّي حزمة من إجراءات الصحة العامة، مثل إغلاق المدارس، وحظر السفر، وتقليل الاختلاط ليشمل فقط الأفراد الذين يعيشون داخل البيت الواحد، قد أسهَم في خفض معدلات العدوى في مدينة ووهان3.

وقد أكدت لاحقًا دراسات أجريت خارج الصين انخفاض معدلات العدوى بصورة واضحة بعد غلق المؤسسات التعليمية، والحد من التجمعات، وغلق الشركات الأساسية الكبرى11،10. وإضافة إلى ذلك، تنبأ الباحثون بأن المدن التي تأخرت في فرض الإجراءات الاحترازية ستضطر إلى فرضها لمدة أطول، لكي تتمكن من السيطرة على الفيروس12.

وعلى الرغم من أنه من المعروف أن ارتداء أقنعة الوجه يساعد على الحد من انتشار العديد من الأمراض التنفسية المعدية، فإن نقص أعداد التجارب المنضبطة وغياب البيانات المباشرة جعل الباحثين يستغرقون وقتًا أطول لتحديد فعالية الإجراءات المتخذة في مواجهة فيروس كورونا. ولكن بحلول صيف عام 2020، وجدت عدة دراسات أن أقنعة الوجه تسهم بالفعل في الحد من انتشار فيروس كورونا14،13.

عناصر مجهولة جديدة

مع استمرار زيادة انتشار الفيروس في أغلب أنحاء العالم، وجد اختصاصيو علم الأوبئة أنفسهم في مواجهة سلالات جديدة بدأت تظهر لتفرض عليهم تساؤلات جديدة. ويقول الباحثون إن تلك السلالات الأحدث، مثل B.1.1.7 (المعروفة أيضًا باسم VOC 202012/01)، التي كان أول اكتشاف لها في المملكة المتحدة، أكثر قدرة على الانتقال، وقد تكون أكثر حدة كذلك، مقارنة بالسلالات التي سبقتها (go.nature.com/3a9i9p4). وقد لعبت هذه النتائج دورًا فيما يتعلق بالإجراءات التي يتخذها صانعو القرار، والتي اعتمدت فيما سبق على البيانات المبكرة بشأن انتقال المرض. وسوف يتعين على اختصاصيِّي الأوبئة استخدام هذه البيانات الجديدة في إعادة تقييم إرشادات التعامل مع الفيروس - مثل التباعد الاجتماعي - وما إذا كانت تحتاج إلى مراجعة، أم لا، لكي تصبح أكثر صرامة لتواكب سلوك السلالات الجديدة.

وثمة تحد آخر جديد يواجهه اختصاصيو علم الأوبئة، وهو محاولة قياس تأثير اللقاحات التي يجري طرحها في كافة أنحاء العالم على انتشار الفيروس. وقد تلجأ الدول التي بدأت إعطاء التطعيم إلى تخفيف الإجراءات الاحترازية، لا سيما إذا شهدت انخفاضًا في معدلات الإصابة والوفيات إلى أقل من مستواها قبل بداية الموجة الثانية، ولكن يجب ألا يحدث ذلك قبل أن يتمكن اختصاصيو علم الأوبئة من تحديد قدرة اللقاح على رفع المناعة، ومدى إسهام الإجراءات الاحترازية في خفض عدد الحالات.

علم الأوبئة يتغير

أحدثت الجائحة تغيرات كبيرة في علم الأوبئة. فكما حدث في الكثير من المجالات العلمية المرتبطة ارتباطًا مباشرًا بدراسة "كوفيد-19"، يقوم اختصاصيو علم الأوبئة بالتواصل والتعاون فيما بينهم عبر حدود الدول والمسافات. إنهم يستخدمون المنصات الرقمية لمشاركة النتائج التي يتوصلون إليها؛ حيث تتيح الخوادم التي تنشر الأبحاث العلمية فرصة مطالعة نتائج الأبحاث في مراحلها المبكرة، وصارت الدوريات العلمية تنشر الأبحاث بسرعة أكبر.

ومن الواضح أن علم الأوبئة نفسه آخِذ في التوسع، حيث بدأ يضم باحثين من مجالات أخرى، مثل الفيزياء، والرياضيات، وعلوم الحاسب، وعلوم الشبكات، الذين يشاركون بأفكارهم وخبراتهم. كذلك أعلنت حكومة الولايات المتحدة الأمريكية نِيّتها تأسيس "المركز الوطني للتنبؤ بالجوائح وتحليل الفاشيات" National Center for Epidemic Forecasting and Outbreak Analysis. ونأمل أن يصبح هذا المركز بمثابة المكافئ لمركز الاستطلاعات الجوية؛ بحيث يكون جهة مستقلة تقدم التنبؤات بالاستعانة بالقدرات الحاسوبية المتطورة وأدق البيانات المتاحة. وينبغي أن تفكر دول أخرى في إنشاء مراكز مماثلة.

ومع انضمام العديد من الباحثين من تخصصات مختلفة إلى مجال علم الأوبئة، ومع تزايد أعداد مستخدمي المعلومات التي يقدمها هذا العلم، ومن بينهم عامة الناس، وصناع القرار، والإعلام، أمسى من الضروري أن يتوصل الباحثون إلى طرق للتأكد من أن البيانات والنتائج التي يعلنونها تصل إلى الجمهور بشفافية، إلى جانب ضمان اتباع أرفع معايير أخلاقيات البحث وجمع البيانات.

تحدي التواصل

وضعت الجائحة اختصاصيِّي علم الأوبئة والنماذج الوبائية التي ينتجونها في بؤرة اهتمام الإعلام ودوائر صنع القرار بصورة غير مسبوقة، وهو ما جعلهم في مواجهة تحديات كبيرة. يعتمد علم الأوبئة – ولا سيما مجالات نمذجة الأوبئة والتنبؤات الوبائية - على منهجيات إحصائية لإصدار تنبؤات مرجحة بناءً على البيانات المتوفرة آنيًّا. ولا تكون هذه التقديرات الأولية دقيقة غالبًا، وذلك لأسباب عدة، منها أن البيانات المستخدَمة قد تكون غير مكتملة، أو مصنفة على نحو غير متسق. ويمكن مع مرور الوقت التوصل إلى نتائج أكثر تأكيدًا، لو أصبحت البيانات المستخدَمة أكثر دقة، وانضمت مجموعات بحثية جديدة، ولكن غالبًا ما تظهر الحاجة إلى اتخاذ قرارات بعينها، مثل فرض القيود على التحرك، قبل أن تكون هذه النتائج المؤكدة متاحة. ولهذا، ينبغي على متخصصي علم الأوبئة الإفادة بشأن مدى يقينهم أو عدمه من النتائج التي يقدمونها، حتى يتسنى للجهات المعنية اتخاذ أفضل القرارات.

وكان هذا يعني أنه على الباحثين أن يتعلموا كيفية التواصل مع الجمهور، وتوضيح عدم اليقين الكامن في نماذجهم وتنبؤاتهم بطريقةٍ يفهم الجمهور من خلالها أن وجود تنبؤ غير دقيق لا ينفي صحة النموذج الذي أنتجه، وأنه ثمة نتيجة عامة قائمة وصحيحة. كما يعني أيضًا أن عامة الناس وصناع القرار يتعاملون مع مصطلحات جديدة، مثل الكلمات والعبارات التي تشرح وتصور معنى عدم اليقين في العلم، ويتعاملون كذلك مع نماذج تقدم نطاقًا كبيرًا من التنبؤات الاحتمالية، التي تتراوح بين أفضل السيناريوهات، وأسوأها.

وتشكل هذه التحديات أيضًا فرصة مهمة؛ إذ تتيح للجمهور متابعة البحث العلمي أثناء مراحل تطوره، وهو الأمر الذي كان فيما سبق مقصورًا على العلماء وحدهم. فقد ساعدت الجائحة الجمهور على إدراك أن العِلْم بطبيعته يحتاج إلى تصحيح وتنقيح مستمرَّين، وأن نتائجه تتغير مع تغير المعطيات المتاحة. ويتعارض هذا مع الرؤية التي ربما كانت لدى كثير من العامة عن العلم باعتباره مصدرًا ثابتًا للمعرفة لا يتغير. قد يؤدي هذا التغير الذي طرأ على رؤية الناس إلى إعطاء الانطباع بأن العلماء يغيِّرون آراءهم، ولكنّ ذلك أمر محمود عندما تكون المعطيات نفسها متغيرة.

ولو أننا تعلمنا شيئًا من العام الماضي، فهو أن تَوافُر المعلومات حول وسائل الحفاظ على الصحة العامة، وإتاحة البيانات المتعلقة بالجائحة لا يكفيان للسيطرة عليها. وعندما يتعلق الأمر بمسألة مقلقة مثل الجائحة، فإن عامة الناس تكون لديهم رغبة طبيعية في معرفة معلومات مؤكدة، لكنّ العِلْم الذي يوجه استجابتنا للجائحة هو الآخر يعتمد بطبيعته على الاحتمالات. ولا يعني هذا تضاؤل دور علم الأوبئة، بل يؤكد على أهمية الحفاظ على التواصل الشفاف والمستمر بين الباحثين، وصناع القرار، والجمهور.

References

  1. Wu, J. T., Leung, K. & Leung, G. M. Lancet 395, 689–697 (2020). | article
  2. Li, Q. et al. N. Engl. J. Med. 382, 1199–1207 (2020). | article
  3. Hao, X. et al. Nature 584, 420–424 (2020). | article
  4. Wu, J. T. et al. Nature Med. 26, 506–510 (2020). | article
  5. Verity, R. et al. Lancet Infect. Dis. 20, 669–677 (2020). | article
  6. He, X. et al. Nature Med. 26, 672–675 (2020). | article
  7. Fraser, C., Riley, S., Anderson, R. M. & Ferguson, N. M. Proc. Natl Acad. Sci.

    USA 101, 6146–6151 (2004). | article
  8. Davies, N. G. et al. Lancet Public Health 5, e375–e385 (2020).  | article
  9. Ferguson, N. M. et al. COVID-19 Report 9 https://doi.org/10.25561/77482

    (Imperial Coll. Lond., 2020). 
  10. Flaxman, S. et al. Nature 584, 257–261 (2020). | article
  11. Hsiang, S. et al. Nature 584, 262–267 (2020). | article
  12. Du, X. et al. Emerg. Infect. Dis. 26, No. 9 (2020). | article
  13. Lyu, W. & Wehby, G. L. Health Aff. https://doi.org/10.1377/

    hlthaff.2020.00818 (2020). | article
  14. IHME COVID-19 Forecasting Team. Nature Med. 27, 94–105 (2021). | article