كتب وفنون

فصول مظلمة من التاريخ: تجارب السمِّية المروعة على السجناء في أوروبا

تؤكد تقارير مفزعة لهذه التجارب أنها استعانت بمجموعات مقارنة، واستهدفت مصلحة المجتمع.

أليسون أبوت

  • Published online:
ساد اعتقاد بأن سُمًّا كان السبب وراء الطاعون الذي ضرب مدينة فلورنسا بإيطاليا خلال القرن الرابع عشر.

ساد اعتقاد بأن سُمًّا كان السبب وراء الطاعون الذي ضرب مدينة فلورنسا بإيطاليا خلال القرن الرابع عشر.

Credit: Bettmann/Getty

"تجارب السمِّية" The Poison Trials

أليشا رانكن

دار نشر جامعة شيكاجو، (2021)

في زمن شهد انتشار العدوى ودجالي الطب، تحدى طبيب مكيافيللي -من صناع القرار السياسي- التقاليد السائدة حرصًا على حماية منصبه، وقرر تمويل إجراء تجارب ذات مجموعة مقارنة على أكثر الفئات تعرضًا للتهميش.

حدث هذا في عام 1542، عندما أعد هذا الجراح الإيطالي، جريجوريو كارافيتا، زيتًا دوائيًّا، وعرَضه على البابا كليمينت السابع بوصفه ترياقًا للسم. وكانت هناك آنذاك عدة أسباب وجيهة دعت البابا إلى التخوُّف من تعرُّضه للتسمم. ومن ثم، بدلًا من رفض مطلب كارافيتا البغيض، قرر أن يختبر هذا الاختراع على سجناء مُدانِين.

ومن ثم، اُختير سجينان من كورسيكا، أُدين أحدهما بالسرقة، والآخر بالقتل، وأطعمهما الأطباء كعكًا بحلوى المرزبانية، احتوى على عشبة البيش القاتلة. وعندما أخذ السجينان في الصراخ والتلوي من فرط الألم، فرك كارافيتا جسد أحدهما بالزيت، فنجا هذا السجين، وكوفئ بتخفيف حكم الإعدام الذي صدر بحقه ليصبح حُكمًا بالعمل المؤبد على إحدى السفن كأحد العبيد بها. أما السجين الذي لم يتلق العلاج، فقد ظل يقاسي العذاب لأربع ساعات، قبل أن يفارق الحياة.

أجرى التجربةَ التالية لاختبار فعالية زيت كارافيتا  فريقٌ من المسؤولين، مكون من صيدلي البابا، وطبيبه الخاص، وسيناتور روماني، حيث أرادوا التأكد من أن الدواء ليس محض خدعة، ورغبوا في اختبار فعاليته ضد أنواع أخرى من السموم. لهذا، أعطوا مزيجًا من البيض النيئ، والسكر، والزرنيخ لرجل من جزيرة مانتوفا أُدين بتهمة القتل. وقد نجا هو الآخر، ليصبح عبدًا على إحدى السفن حتى آخر أيامه.

وبعد مرور أسبوعين، نشر الفريق الذي أجرى التجربة تقريرًا مكونًا من أربع صفحات عنها، وصف آثار السم بها، وأكَّد على وجود "رجال أتقياء" صلوا من أجل السجناء. (وتجدر الإشارة إلى أنه من المستحيل أن نحاول اليوم معرفة ما إذا كان هذا الترياق قد أظهر فعالية بحق، أم لا، إذ إننا لا نستطيع أن نحدد بدقة مكوناته، ولا الجرعات التي أُعطيت منه للسجناء).

الاندفاع إلى التبريرات

مثلت هاتان التجربتان بداية سلسلة من تجارب السمِّية التي أجريت على سجناء في أوروبا في القرن السادس عشر. وتسوق المؤرخة أليشا رانكِن في كتابها المعنوَّن "تجارب السموم" The Poison Trials تفاصيل مروعة عن هذه التجارب الوحشية التي أجريت على البشر، إذ كشفت أبحاثها عن أكثر من اثنتي عشرة تجربة موثقة من هذا النوع (بعضها ألمحت بياناته إلى تجارب أخرى لم توثق). وقد أُجرِي أكثر من نصف هذه التجارب في فرنسا، وإيطاليا، والإمبراطورية الرومانية بين عامي 1560، و1580، وكان آخرها في نهاية القرن السادس عشر.

وتقول رانكن إنه على الرغم من أن مفهوم حقوق الإنسان لم يكن قد ظهر في ذاك الوقت، إلا أن الأشخاص الذين أجروا هذه التجارب شعروا بالحاجة المُلِحة لتبرير ما اقترفوه أمام المجتمع. وقد مهَّد هذا النهج البحثي الذي وَثَقوا فيه للنهج المتبع خلال عصر التجارب بعد قرابة قرن من الزمان.

وجدير بالذكر أنه في أوروبا القرن السادس عشر، انتشرت السموم في كل حدب وصوب، فكان من الممكن أن يلقى أي شخص حتفه من جراء لدغة ثعبان، أو تناوُل عشب أو فطر سام بطريق الخطأ. واتسمت القوانين في هذا الشأن بالتراخي، فكانت السموم تتاح بسهولة لأي شخص يرغب في القضاء على غزو لفئران، أو اغتيال شخصية سياسية.

وقد ساد اعتقاد آنذاك بأن أحد أنواع السموم المُعدية هو السبب وراء الطاعون الأسود الذي اجتاح أوروبا في موجات تفش مدمرة خلال عصر النهضة (لكننا الآن بتنا نعرف أن السبب الحقيقي كان بكتيريا اليرسينيا الطاعونية Yersinia pestis). ولهذا.. رأى البابا كليمينت أنه لو أثبت أن في حوزته ترياقًا واسع المدى، فسيبرهن على قدرته على التصدي لأعدائه وحماية شعبه من الطاعون في آن واحد.

وكان كليمينت أول من وُثِّق إشرافه على تجارب السمية على البشر بعد قدماء الإغريق، إذ أضحت هذه الممارسات محظورة في العالم القديم بحلول القرن الثاني الميلادي. ولهذا، نجد أن الطبيب جالينوس في روما أجرى تجاربه على الديوك الصغيرة، بدلًا من البشر، واشتهرت تجاربه باستخدام مجموعات مقارنة؛ فكان يقسم هذه الطيور إلى مجموعتين، ثم يسممها جميعًا، وبعدها يعطى الترياق لإحدى المجموعتين.

وتصف رانكِن كيف أحيت تجربة كليمينت التي استخدمت زيت كارافيتا هذا النهج العلمي، وأطالت أمده. وقد أوردت سجلات هذه الدراسات تفاصيل صادمة عن الآثار الفسيولوجية التي تظهر بمرور الوقت، نتيجة تناوُل السموم.

وقد سارت تجارب السمية اللاحقة على المنوال ذاته، من حيث تصميمها، وعملية التوثيق الجاد لها، وذلك في محاولة لتقديم دلائل مقْنِعة على فعاليتها؛ فتوضح رانكن حرص الأطباء والمثقفين المرموقين الذين أجروا هذه التجارب على تمييز أنفسهم عن المدّعين الذين كانوا يروجون لأنواع الترياق التي يحضّرونها في الأسواق.

"مهَّد هذا النهج البحثي الذي وَثَقوا فيه للنهج المتبع خلال عصر التجارب بعد قرابة قرن من الزمان".

وتضيف رانكِن أن تلك التجارب كانت محفوفة بالإشكاليات الأخلاقية منذ بدايتها، وهي إشكاليات طُرِحت أيضًا فيما يتعلق بتشريح الجثث البشرية، الذي كان قد أصبح شائعًا إلى حد ما في الدوائر العلمية الأوروبية في القرن السادس عشر. فعلى عكس الاعتقاد الشائع، لم تحظر الكنيسة الكاثوليكية تشريح الجثث، لكنه مثَّل قضية مؤرقة، إلى حدٍّ دفع البابا كليمينت في عام 1531 إلى إصدار تشريعات تقنن ترخيص هذا التشريح، وتُخضِع ممارسته لإشراف الكنيسة والسلطات المدنية. وتُتابِع رانكِن بقولها إنّ كليمينت وعي بخطورة هذا الاتجاه، وهو ما جعله يحرص على توضيح اتّباعه لكل هذه القواعد خلال إجرائه تجارب التحقق من فعالية الزيت الذي أعده كارافيتا.

 

أخلاقيات الطب البدائي

أكدت التقارير التي تناولت تجارب السمِّية على فوائد هذه التجارب للمجتمع. ولذلك.. مع توالي العقود، بدأت هذه التقارير تتضمن بيانات تفيد بأن السجناء قد وافقوا على المشاركة في التجارب، دون إكراه، لكن تنوِّه رانكِن إلى أن السجناء الذين اختيروا للمشاركة في هذه التجارب كانوا في الغالب من الأجانب.

وتوسع رانكن زاوية عرضها للقصة لتتناول كذلك مزاعم -كانت مشابِهة أحيانًا- عن قدرة بعض العقاقير على علاج الأمراض كافة، وهي ادعاءات ظهرت خلال الفترة الزمنية نفسها. وعلى الرغم من جنوح أسلوب رانكِن إلى التكرار والغموض في بعض الأحيان، إلا أن الكتاب يأسر اهتمام القارئ بفضل الحكايات الطريفة التي يتضمنها. فعلى سبيل المثال، نعرف من الكتاب أن أنواع الترياق المتداولة تألفت في الغالب من مزيج غريب من المكونات، منها الأعشاب، والتوابل، وأنواع معينة من الطين والأفيون، وأجزاء من أجساد الحيوانات، ومنتجات أخرى متنوعة في غرابتها. وقد كانت كتل البازهر عالية القيمة آنذاك، وهي كتل متصلبة من المواد، اعتُقد أنها توجِد في الأجهزة الهضمية لبعض الحيوانات، وفي قرون حيوان أحادي القرن، الذي كان وجوده في عصر النهضة لا يزال محل نقاش، ولم يُدحض بعد.

تتمثل جاذبية الكتاب في عرضه للمحاولات المبكرة الساعية إلى الوصول إلى نهج طبي يمكن أن نَصِفه اليوم بالعلمي، إلى جانب ما يكشفه عن الكيفية التي صارت بها هذه المحاولات سريعًا -وبصورة بدت غريزية- جزءًا أصيلًا يدخل في بناء النسخة البدائية مما يمكن أن نطْلِق عليه اليوم أخلاقيات الطب. فتلك الإشكاليات، شأنها شأن موجات تفشي الأمراض المعدية، واجهتنا على مر التاريخ.

أليسون أبوت

تقيم في مدينة ميونخ الألمانية، وقد عملت منذ عقود في دورية Nature على تقديم تغطية صحفية للعلوم وتاريخها في أوروبا.

البريد الإلكتروني: alison.abott.consultant@springernature.com