أنباء وآراء

فيضانات فوتونية هائلة في جسيمات دقيقة

في بعض المواد، قد يؤدي امتصاص فوتون واحد إلى إطلاق تفاعل متسلسل، ينتِج دفقة كبيرة من الضوء. ويفتح اكتشاف هذه الفيضانات الفوتونية في البِنَى النانوية الطريق أمام تطبيقات التصوير والاستشعار. 

أندريس ميجرينك، وفريدي تي. رابو

  • Published online:

تتيح البنية الغنية لمستويات الطاقة لأيونات مجموعة عناصر اللانثانيدات استخدامها في عملية تُعرَف باسم "التحويل الارتقائي للفوتونات"، التي تشهد دمج فوتونين لتوليد فوتون واحد أعلى طاقة. ويمكن استخدام الجسيمات النانوية التي تبعث الفوتونات التي ارتقت مستويات طاقتها في تقنيات التصوير لإنتاج صور خالية من إشارات الخلفية1، وهو ما يمنحها أفضلية على المسابر الفلورية الأخرى المستخدمة في التصوير. وفي هذا البحث المنشور، يشير لي وآخرون2 إلى أنَّ ثمة نوعًا خاصًّا من التحويل الارتقائي يُسمَّى الفيضانات الفوتونية يمكن أن يحدث في الجسيمات النانوية التي تحوي أيونات من مجموعة اللانثانيدات (المعروفة باسم الجسيمات النانوية المُطعَّمة باللانثانيدات). لم تُرصَد هذه الظاهرة من قبل، إلَّا في بلُّورات ذات نطاق حجم يتراوح بين ملّيمتر إلى سنتيمتر3،4، وربما تتيح مجموعةً متنوعة من تطبيقات الليزر.

تبعث المواد المُطعَّمة باللانثانيدات ضوءًا ذا نطاق ضيق من الترددات، ويمكن تحويله من الأشعة تحت الحمراء إلى الأشعة فوق البنفسجية. وقد دعَّم هذا التأثير أغلب مصادر الضوء الاصطناعي على مر عقود من الزمن، غير أن الأبحاث المعنية بهذه المواد حظيت بدفعة إضافية حين دُمِجت اللانثانيدات في الجسيمات النانوية. وتُجرى حاليًّا أبحاث مكثفة بشدة على الجسيمات النانوية المُطعَّمة باللانثانيدات، بسبب استخداماتها واسعة النطاق1 في التصوير الطبي الحيوي، وقياس الحرارة النانوي، وتشخيص السرطان، ومرض "كوفيد-19"، على سبيل المثال5،6.

يعتمد نجاح استخدام الجسيمات النانوية المتحولة ارتقائيًّا في تطبيقات حيوية وطبية على مزيجها المُذهِل من الخصائص؛ فهي تمتص الأشعة تحت الحمراء، وهي الأشعة التي تسمح لها أنسجة تلك الجسيمات بالمرور؛ وتبعث ضوءًا ذا نطاق ضيق من الترددات؛ وتفوق كفاءتها في التحويل الارتقائي كفاءة أي مادة طبيعية 1000 مرة على الأقل7 ويُضيف اكتشاف التحويل الارتقائي الذي يُنتِج فيضانًا من الفوتونات في الجسيمات النانوية بُعدًا جديدًا إلى هذا المجال النشط من البحث العلمي، وهو ما قد يسمح بإضفاء مزيد من التحسين على حساسية التشخيصات، ودقة وسائل التصوير.

وقد اكتُشِف التحويل الارتقائي الذي ينتِج فيضانًا من الفوتونات أول مرة3 في بلورات كلوريد اللانثانوم المُطَعَّمة بأيونات عنصر البراسيوديميوم المنتمي إلى مجموعة اللانثانيدات. وتحدث العملية عمومًا على النحو التالي: أولًا، ترتقي الأيونات من حالتها المستقرة إلى حالة استثارة متوسطة باستخدام ضوء ليزر لا يُمتص إلَّا امتصاصًا ضعيفًا بهذا الانتقال (الشكل 1)؛ وتُعرَف هذه الخطوة باسم امتصاص الحالة المستقرة (GSA). ومن ثم، في خطوة امتصاص الحالة المثارة (ESA)، تمتص الأيونات المثارة مزيدًا من الضوء، وبذلك تصل إلى حالة استثارة ذات طاقة أعلى. ويُنتقَى تردد الضوء المناسب لضمان امتصاص الضوء بقوة من أجل هذه الاستثارة.

الشكل 1 | آلية التفاعل المتسلسل المؤدي إلى فيضانات الفوتونات. أشار لي وزملاؤه2 إلى أنَّ ظاهرة تُعرَف باسم فيضان الفوتونات يمكن أن تحدث في البلورات النانوية التي تحتوي أيونات الثوليوم بنسبة تركيز مولي تبلغ 8%. تكون الأيونات مبدئيًّا في حالتها المستقرة، لكنها تمتص بعض الضوء (السهم الأحمر) امتصاصًا ضعيفًا من شعاع ليزر. وهذا الامتصاص في الحالة المستقرة يرقي أيونًا إلى حالة مثارة متوسطة، ثم يمتص الأيون المثار ضوء الليزر بقوة أشد بكثير من أيونات الحالة المستقرة، وهذا الامتصاص في الحالة المُثارة ينتِج أيونًا في حالة مثارة أعلى طاقةً، فيُشاطِر الأيون الأشد استثارة طاقته مع أيون مجاور ما زال في حالته المستقرة، في عملية تُعرف باسم "الاسترخاء المتبادل"، مُنتِجًا بذلك أيونين في الحالة المثارة المتوسطة. وبتكرار مزيد من دورات الامتصاص في الحالة المثارة والاسترخاء المتبادل، تطرأ زيادة أُسّية على عدد الأيونات الموجودة في الحالة المثارة الوسيطة، التي تمتص ضوءًا في حالتها المثارة لتكوِّن أيونات في الحالة المثارة الأعلى طاقةً، ثم تسترخي هذه الأيونات في النهاية، وتعود إلى حالتها المستقرة، مُطْلِقة فيضانًا من الفوتونات (الأسهم الزرقاء).

الشكل 1 | آلية التفاعل المتسلسل المؤدي إلى فيضانات الفوتونات. أشار لي وزملاؤه2 إلى أنَّ ظاهرة تُعرَف باسم فيضان الفوتونات يمكن أن تحدث في البلورات النانوية التي تحتوي أيونات الثوليوم بنسبة تركيز مولي تبلغ 8%. تكون الأيونات مبدئيًّا في حالتها المستقرة، لكنها تمتص بعض الضوء (السهم الأحمر) امتصاصًا ضعيفًا من شعاع ليزر. وهذا الامتصاص في الحالة المستقرة يرقي أيونًا إلى حالة مثارة متوسطة، ثم يمتص الأيون المثار ضوء الليزر بقوة أشد بكثير من أيونات الحالة المستقرة، وهذا الامتصاص في الحالة المُثارة ينتِج أيونًا في حالة مثارة أعلى طاقةً، فيُشاطِر الأيون الأشد استثارة طاقته مع أيون مجاور ما زال في حالته المستقرة، في عملية تُعرف باسم "الاسترخاء المتبادل"، مُنتِجًا بذلك أيونين في الحالة المثارة المتوسطة. وبتكرار مزيد من دورات الامتصاص في الحالة المثارة والاسترخاء المتبادل، تطرأ زيادة أُسّية على عدد الأيونات الموجودة في الحالة المثارة الوسيطة، التي تمتص ضوءًا في حالتها المثارة لتكوِّن أيونات في الحالة المثارة الأعلى طاقةً، ثم تسترخي هذه الأيونات في النهاية، وتعود إلى حالتها المستقرة، مُطْلِقة فيضانًا من الفوتونات (الأسهم الزرقاء).     

كبر الصورة

وحالما تصل أيونات اللانثانيد إلى حالة الإثارة الأعلى طاقة، يتفاعل كلٌّ منها مع أيون مجاور لا يزال في حالته المستقرة، فتتوزَّع طاقة الاستثارة على الأيونين المتفاعلين؛ في عملية تُعرَف باسم الاسترخاء المتبادل (CR). وهذا يجعل كلا الأيونين في حالة الاستثارة المتوسطة. وهكذا، فإن الجمع بين خطوة امتصاص الحالة المثارة، وخطوة الاسترخاء المتبادل يُضاعِف عدد الأيونات الموجودة في هذه الحالة، ثم يدخل الأيونان المثاران هذه الدورة مرة أخرى، مولِّدَين أربعة أيونات مُثارة، وهكذا. ويُطلق على هذه المضاعفة المستمرة للأيونات المُثارة - التي تُستحث بامتصاص أوّلِي ضعيف في الحالة المستقرة - اسم "فيضان". وتؤدي هذه الزيادة السريعة في عدد الأيونات الموجودة في الحالات المثارة إلى انبعاث دفقة من الفوتونات المحوَّلة تحويلًا ارتقائيًّا عند عودة الأيونات من الحالة المثارة ذات الطاقة الأعلى إلى الحالة المستقرة.

وتكمن الحيلة لتحقيق هذا الفيضان الفوتوني في التوفيق بحرص بين امتصاص ضعيف جدًّا في الحالة المستقرة (لضمان عدم إثارة سوى جزء صغير من الأيونات)، وامتصاص قوي في الحالة المثارة يتولَّى الهيمنة على هذا التفاعل، ويُسبِّبه. والشرط الأساسي الثاني هو وجود استرخاء متبادل فعَّال، لضمان استمرارية فيضان الفوتونات. ويتطلَّب هذا تركيزًا عاليًا من أيونات اللانثانيدات، لتوفير عدد كاف من الأيونات المجاورة، من أجل تحقيق الاسترخاء المتبادل، غير أن ارتفاع تركيزات أيونات اللانثانيدات أكثر من اللازم يمكن أن يمنع فيضان الفوتونات (وهي مشكلة تعرف باسم "الإخماد الناجم عن التركيز"). ولذا، فبعض ما نُشِر سابقًا من الجهود الساعية إلى تحقيق هذه الفيضانات في جسيمات نانوية قد استخدم أيونات اللانثانيدات بنسبة تركيزٍ مولي، تتراوح بين 1 و2 في المائة (المرجع 88)، لكنَّ نسبة التركيز هذه كانت أقل من أن تحقِّق استدامة فيضان فوتونات حقيقي.

نجح لي وزملاؤه مؤخرًا في تحقيق فيضان فوتوني في بلورات نانوية تحوي نسبة أعلى من أيونات اللانثانيد من تلك التي استُخدمت في الدراسات السابقة. وعلى نحو أكثر تحديدًا، درس الباحثون جسيمات نانوية من فلوريد إتريوم الصوديوم (NaYF4، وهي المادة الأكثر استخدامًا في هذا المجال)، حلَّ فيها بعض أيونات الثوليوم محل أيونات الإتريوم. ولا تُطلِق هذه الجسيمات أي انبعاثات تقريبًا عند تعريضها لإضاءة ضعيفة، لكنَّ الباحثين أدركوا أنَّ تعريضها لإثارة بالليزر عالي الشدة أتاح إمكانية التغلُّب على الإخماد الناجم عن شدة التركيزات بفيضان فوتوني.

استخدم لي وزملاؤه نسبة تركيز مولي مُثلى من أيونات الثوليوم تبلغ 8% في بلورات نانوية عالية الجودة، وأنتجوا جسيمات نانوية أظهرت ثلاثةً من العلامات المميزة الخاصة بالتفاعل المتسلسل المؤدي إلى فيضان الفوتونات. فأولًا، لاحظوا ضرورة الوصول إلى حدٍّ معين من شدة الليزر، لبدء التفاعل المؤدي إلى الفيضان. وثانيًا، تطلَّبت العملية قدرًا معينًا من زمن التعريض للإشعاع، كي تبدأ، ثم وقتًا إضافيًّا (يصل إلى حوالي 0.5 ثانية بالحد الأدنى اللازم من شدة الليزر)، كي يبلغ الفيضان مداه الأقصى. وثالثًا، وجدوا أنَّ استجابة التحويل الارتقائي كانت غير خطية إلى حد كبير. ففي أفضل الجسيمات النانوية أداءً، زادت شدة الانبعاث المحوَّل تحويلًا ارتقائيًّا بقيمة مرفوعة للأس السادس والعشرين لشدة الإثارة، وهذا إنجاز مذهل.

"ستُحفِّز هذه النتائج مزيدًا من البحث عن بلورات نانوية أخرى تتيح تحقيق فيضانات الفوتونات". 

وستُحفِّز هذه النتائج مزيدًا من البحث عن بلورات نانوية أخرى تتيح تحقيق فيضانات الفوتونات. كذلك تحتوي أيونات بعض اللانثانيدات الأخرى، مثل البراسيوديميوم، والنيوديميوم، والهولميوم، والإربيوم، على بِنى مستويات طاقة مُبشِّرة بإتاحة مساراتٍ لمثل هذه التفاعلات المؤدية إلى فيضانات الفوتونات9. ويمكن للبلورات النانوية المكوَّنة من فلوريد إتريوم الصوديوم NaYF4، أو مواد أخرى تحتوي على تركيزات عالية من أحد هذه اللانثانيدات، أن تُطلِق انبعاثات من الفوتونات بترددات مختلفة عن تلك التي رصدها لي وزملاؤه، وربما باستجابة غير خطية بدرجة أكبر.

ويمكن أن تُسهِّل دراسات النمذجة المتطورة البحث في هذا المجال. فقد قام لي وزملاؤه بنمذجة عملية التفاعل المتسلسل المُطلِق لفيضان الفوتونات باستخدام معادلات4 تُجري بعض التقريبات لوصف متوسط معدلات انتقال الطاقة بين الأيونات المتجاورة. ويمكن استخدام مناهج حوسبية أحدث لمراعاة توزيعات المسافات الفعلية بين أيونات اللانثانيد المتجاورة، ومن ثَم تقديم وصف أدق لديناميكيات نقل الطاقة، وهذا جانب رئيس من التفاعلات المتسلسلة المُطلِقة لفيضانات الفوتونات، فإتاحة رؤية أدق لهذه الديناميكيات قد يمنح الباحثين تنبؤات بالمعاملات المُحدِّدة، مثل زمن الصعود (أي الزمن اللازم لبدء التفاعل المتسلسل المُطلِق للفوتونات، ووصوله إلى مداه الأقصى)، ودرجة اللاخطية التي تتسم بها الاستجابة (أي الأس الذي تُرفَع إليه شدة الإثارة في المعادلة العددية التي تصف استجابة فيضان الفوتونات).

تُتيح اللاخطية الشديدة التي يتسم بها التحويل الارتقائي المذكور في الدراسة فرصًا لبعض التطبيقات. وقد أوضح لي وزملاؤه أنَّه من الممكن أن يُستخدم في التصوير فائق الدقة؛ إذ يمكن تصوير الجسيمات النانوية بدقة 70 نانومترًا تقريبًا، أي أقل بكثير من حد الحيود لنظام التصوير (وحد الحيود هو قَيد أساسي مرتبط بالطول الموجي للضوء، عادةً ما يحدّ من دقة تقنيات التصوير البصري). ويُعَد نظام التصوير الذي ابتكره الباحثون بسيطًا، مقارنةً بالتقنيات فائقة الدقة الأخرى2،10، إذ لا يتطلَّب سوى طول موجي واحد من أطوال أشعة الليزر الموجية، وأقل من عُشر قوة الليزر، إلا أنه ينطوي على بعض العيوب أيضًا، إذ يؤدي زمن الصعود الطويل لانبعاثات فيضانات الفوتونات إلى إبطاء عملية التسجيل، وهو ما يعني أنَّ التقنية لا تزال غير مناسبة لمراقبة العمليات مستمرة التغيُّر، مثل تلك التي تحدث في الأنظمة الحيوية.

ويمكن كذلك تصوُّر استخدام هذه الظاهرة في تطبيقات أخرى تعتمد على لاخطية هذه التفاعلات المتسلسلة المؤدية إلى فيضان الفوتونات. ففيضانات الفوتونات حساسة للغاية لعمليات متنافسة تُخمِد التحويل الارتقائي، أو لتغيُّرات تؤثر في امتصاص الطاقة، أو انبعاثها، أو انتقالها. لذا، فالتقلُّبات البيئية الدقيقة التي تؤثر في هذه العمليات ستُحدِث تغيرات قوية في انبعاث فيضانات الفوتونات. وهكذا يمكن استخدام جسيمات نانوية مفردة لمراقبة وجود الجزيئات التي تُسبِّب الإخماد، أو التغيرات في درجة الحرارة الموضعية، أو الضغط الموضعي، على سبيل المثال. وفي الختام، فإنَّ مستقبَل هذه الجسيمات النانوية الجديدة مُشرق جدًّا.

References

  1. Wang, F., Deng, R. & Liu, X. Nature Protoc. 9, 1634–1644 (2014).1 | article
  2. Lee, C. et al. Nature 589, 230–235 (2021). | article
  3. Chivian, J. S., Case, W. E. & Eden, D. D. Appl. Phys. Lett. 35, 124–125 (1979). | article
  4. Joubert, M.-F. Opt. Mater. 11, 181–203 (1999). | article
  5. Zhou, J. et al. Small 14, 1801882 (2018). | article
  6. He, H. et al. Anal. Chem. 90, 12356–12360 (2018). | article
  7. Gargas, D. J. et al. Nature Nanotechnol. 9, 300–305 (2014). | article
  8. Rathaiah, M. et al. Opt. Mater. 39, 16–20 (2015). | article
  9. Auzel, F. Chem. Rev. 104, 139–174 (2004). | article
  10. Schermelleh, L. Nature Cell Biol. 21, 72–84 (2019). | article

أندريس ميجرينك، وفريدي تي. رابو يعملان في معهد ديباي لعلوم المواد النانوية في جامعة أوتريخت، أوتريخت 3584 CC، هولندا.

البريد الإلكتروني: a.meijerink@uu.nl