موجزات مهنية

لعبة الحظ: الغموض يكتنف مستقبل باحثي ما بعد الدكتوراة

أول استبيان تجريه دورية Nature لهذه الفئة المهمّة من العاملين في المجال العلمي يكشف النقاب عن حالة القلق والشكوك التي تحيط بحياتهم المهنية.

كريس وولستون
  • Published online:

عندما تفكر ميهوي وُو في مستقبلها، فهي ترى نفسها عازمةً على البقاء في المجال العلمي. تقول وُو، وهي باحثة ما بعد الدكتوراة في علم مناعة السرطان بمعهد أبحاث العيون في سنغافورة: "لا أريد أن تضيع مهاراتي هباءً". وبالدرجة نفسها من اليقين، تدرك وُو أنها لا تريد الحصول على وظيفة أخرى في مجال أبحاث ما بعد الدكتوراة، فهي الآن تقضي فترة ثانية مِن تعاقُد قصير الأجل على وظيفة باحثة ما بعد الدكتوراة، ولا تريد قضاء فترة أخرى من "التدريب" لا ترى لها نهاية. تقول: "رأيت أصدقاءً عالقين في عدّة وظائف في مجال أبحاث ما بعد الدكتوراة".

والآن، تواجه وُو سؤلًا مألوفًا لباحثي ما بعد الدكتوراة في مختلف أنحاء العالم، ألا وهو: ماذا بعد؟ اشتمل أول استبيان تجريه دورية Nature لباحثي ما بعد الدكتوراة -شارك فيه أكثر من 7600 شخصٍ من 93 دولة- على مجموعة من الأسئلة حول المستقبل الوظيفي، وهو موضوع طالما اعتُبر مصدرًا للقلق والغموض لدى الباحثين في هذه المرحلة من حياتهم المهنية.

وكثيرًا ما يجد باحثو ما بعد الدكتوراة، ممن هم على درجة عالية من التدريب والتعليم، صعوبةً في تحويل وظائفهم المؤقتة إلى وظائف مستقرة بدوام كامل، وهو تحدٍّ بات الآن أكثر صعوبة في ظل جائحة "كوفيد-19".

ورغم شعور كثير من الباحثين باليأس بسبب تضاؤل عدد الوظائف الأكاديمية، يشعر آخرون بالتفاؤل في عالَم يزداد اعتمادًا على الخبرات العلمية. (قَدّمتْ مقالات سابقة حول هذا الاستبيان لمحةً عامةً عن باحثي ما بعد الدكتوراة حول العالم، واستعرضت التبعات الكثيرة لجائحة "كوفيد-19"، وألقت نظرةً على جودة حياة باحثي ما بعد الدكتوراة، انظر: "استبيان Nature حول باحثي ما بعد الدكتوراة".)

تقول ريتشيل كولتهارد-جراف، مستشارة التطوير المهني في المختبر الأوروبي للبيولوجيا الجزيئية (EMBL) بمدينة هايدلبرج الألمانية، إنه رغم كثرة التحديات، هناك أسباب تدفع باحثي ما بعد الدكتوراة في مختلف المجالات العلمية إلى الشعور بالتفاؤل، وتضيف قائلة: "لديهم فرص وظيفية قوية جدًّا. لا شكّ أن التنافس أصبح يغلب على المجال الأكاديمي، وربما يخشى الباحثون استكشاف مجالات أخرى لا يعرفونها جيدًا، لكنه أمرٌ ممكن تمامًا".

مستقبلٌ ضبابي

يشعر باحثو ما بعد الدكتوراة بالقلق إزاء مستقبلهم. فأكثر من ربع المشاركين في الاستبيان (28%) كانوا ينظرون نظرةً إيجابية إلى مستقبلهم المهني، في حين كان ضِعف هذا العدد (56%) ينظرون نظرة سلبية إلى المستقبل، منهم 17% كانت نظرتهم "سلبية للغاية". وكانت تلك النظرة التشاؤمية بشأن مستقبل العمل أعلى قليلًا لدى المشارِكات (58%)، مقارنةً بالمشاركين (53%). وتشير كولتهارد-جراف إلى أن غالبية باحثي ما بعد الدكتوراة الذين يبحثون عن وظائف دائمة في المختبر الأوروبي للبيولوجيا الجزيئية هم من الإناث، ما يعني أن نساء كثيرات بدأن بترجمة مخاوفهن إلى أفعال ملموسة.

تغلب هذه النظرة التشاؤمية -على وجه التحديد- على مجالَي علم الفلك، وعلوم الكواكب، حيث عبّر 27% من الباحثين في هذين المجالين عن نظرتهم السلبية جدًّا إلى مستقبلهم الوظيفي، وكذلك الحال في مجال علم البيئة والتطور (23%). وعبّر الباحثون في مجال الطب الحيوي، الذين يمثلون أغلبية طفيفة من بين جميع المشاركين، عن قلقهم أيضًا، حيث كان أكثر من نصف هؤلاء الباحثين (55%) لديهم نظرة سلبية تجاه مستقبلهم الوظيفي، في حين عبّر 28% فقط عن شعورهم بالتفاؤل. وعبّر 11% من الباحثين في مجال علوم الحاسب والرياضيات عن نظرتهم "الإيجابية للغاية" تجاه المستقبل الوظيفي، وهي النسبة الأعلى بين جميع المجالات.

يشعر أغلب المشاركين بأنهم اختاروا توقيتًا سيئًا للبحث عن وظيفة في المجال العلمي، إذ قال ثلاثة أرباعهم إن الفرص الوظيفية أسوأ مما كانت عليه لدى الأجيال السابقة من العلماء، في حين قال 37% منهم إنها "أسوأ بكثير"، (انظر الجزء الخاص بعنوان "طموحات أكاديمية"). وقال 7% فقط من المشاركين إن مستقبلهم الوظيفي أفضل إلى حدٍّ ما ممن سبقوهم من العلماء، في حين قال 1% فقط إنه أفضل كثيرًا. ومن اللافت للنظر أن 23% من المشاركين في قارة أفريقيا قالوا إن مستقبلهم الوظيفي أفضل من الأجيال السابقة، وهو ما يدلّ على حالة التفاؤل المتزايدة في هذه القارة. (انظر: Nature 572, 143–145; 2019).

كبر الصورة

تعدّدت أسباب الشعور بالتشاؤم لدى الكثير من المشاركين. فعند سؤالهم عن أكبر التحديات التي تعوق تقدمهم الوظيفي الشخصي، ذكر ثلثاهم (64%) نقص التمويل في مجالهم، في حين ألقى ما يقرب من نصف المشاركين (45%) باللوم على نقص فرص العمل، وأشار 40% إلى تبعات الجائحة. وقال ربع المشاركين إن رغبتهم في البقاء في الوسط الأكاديمي هي واحدة من الأسباب التي تعرقل تقدّمهم.

عادةً ما ينتهي المطاف بباحثي ما بعد الدكتوراة، الذين لا يستطيعون العثور على عمل دائم، بالحصول على وظيفة جديدة في مجال أبحاث ما بعد الدكتوراة. وكما ورد في مقالة سابقة (انظر: Nature 587, 505–508; 2020)، فإن أكثر من 30% من المشاركين عملوا في وظيفتين على الأقل في هذا المجال، وعدد قليل منهم استكمل ما يصل إلى ست وظائف. ومن الواضح أن المهمة التي كان يُنظر إليها في الأصل على أنها فترة "تدريب" قد تحولت إلى حالة دائمة من الانتظار لدى الكثيرين. 

"من الصعب فهم السبب الذي يدفع أي شخص إلى بدء مسيرته المهنية في الوسط الأكاديمي"

حالة الخوف والقلق التي يشعر بها المشاركون بشأن مستقبلهم الوظيفي، وحررت التعليقات التالي مراعاة للاختصار والوضوح. 

  • انعدام الاستقرار الوظيفي هو أكبر مشكلة يواجهها الباحثون في بلدي. سوف ينتهي عقدي بنهاية هذا العام، ولا أدري هل سأنضم إلى صفوف العاطلين، أم سأحصل على وظيفة أخرى تتيح لي -على الأقل- البقاء في مجال العلوم عامًا آخر. دائمًا ما أفكر في احتمالية الاضطرار إلى ترك المجال برمّته. فيزيائي، إسبانيا
  • كل عام أقضيه في مجال أبحاث ما بعد الدكتوراة يقلّل من فرصي في الحصول على وظيفة خارج الوسط الأكاديمي. كيميائي، أيرلندا
  • لا يحصل باحثو ما بعد الدكتوراة على الدعم من مُشرفيهم فيما يتعلق بحياتهم المهنية، ولا يحصلون على أي توصيات حول كيفية المضي قدمًا. باحث في مجال الطب الحيوي، الهند
  • كنت أتمنى لو كان العمل الذي أحبّه وأجيده كثيرًا لا ينطوي على كل هذا الخوف والعزلة. فنُدرة فرص العمل في الوسط الأكاديمي أمرٌ يبعث على القلق. باحث في مجال الطب الحيوي، كندا
  • إذا ألقينا نظرة موضوعية على الفرص الوظيفية، سنجد أنه من الصعب فهم السبب الذي يدفع أي شخص لبدء مسيرته المهنية في الوسط الأكاديمي. لا بدّ من تغيير المنظومة بالكامل، إذا أردنا حدوث أي تحسّن على مستوى أبحاث ما بعد الدكتوراة. باحث في مجال الطب الحيوي، المملكة المتحدة
  • تُسارِع الجامعات بإغلاق أبوابها أمام أي فرصة للتعاقد على وظيفة بدوام كامل، لكنها لا تجد غضاضةً في استغلال الكثير من العاملين بعقود مجحفة قصيرة الأجل، فبعد أن تكرِّس قدرًا كبيرًا من حياتك للتعليم والحصول على درجة الدكتوراة، تأتي المكافأة في صورة تعاقدات محدّدة المدة، قصيرة الأجل، دون وجود أيّ ضمان للاستقرار. أخصائي نفسي، الولايات المتحدة
  • أرى أن باحثي ما بعد الدكتوراة عالقون في وظائفهم، ولا يملكون الأدوات التي يحتاجونها للتقدم في حياتهم المهنية. فالتقدّم لا يستلزم الاجتهاد في العمل؛ بل يتطلب أنْ تكون محظوظًا بما يكفي للتوصّل إلى اكتشاف مهم، أو التعرّف على الشخص المناسب لتحصل على الوظيفة التالية. كيميائي، الولايات المتحدة
  • لا تزداد الفرص الوظيفية، بل تتضاءل. أتلقّى في وظيفتي الثالثة في أبحاث ما بعد الدكتوراه مقابلًا أقل مما كنت أحصل عليه في أول وظيفة، رغم أن لدىّ الآن خبرةً أكبر. باحث في مجال الطب الحيوي، كندا
  • الاستثمارات الهائلة التي تنفقها الصين في مجال العلوم الأساسية تجعل باحثي ما بعد الدكتوراة ينظرون نظرةً إيجابية إلى مستقبلهم الوظيفي إذا أرادوا العودة إلى العمل في الصين. هناك فرص عمل كثيرة في بلدي، بما فيها وظائف ما بعد الدكتوراة، أو وظائف التدريس في الجامعات. أشعر بالارتياح إزاء هذا الوضع، وبالتفاؤل تجاه المستقبل. عالِم فلك، كوريا الجنوبية
  • عدد المناصب المتاحة ضمن هيئات التدريس أقل بكثير من عدد طلاب أبحاث ما بعد الدكتوراة، وهو ما يؤدي إلى حالة من التنافس المحموم. وباحثات ما بعد الدكتوراة اللاتي يرغبن في الحصول على وظيفة في مجال التدريس لا يَجْرُؤْن على الإنجاب أو الحصول على إجازات. باحثة في مجال الطب الحيوي، الولايات المتحدة

المختبر الذي أعمل فيه لديه تمويل يكفي للعامين القادمين، وهو وضعٌ مثالي كي أُنهي عملي، ثم أبحث عن وظيفة جديدة، ربما في المجال الأكاديمي، أو القطاع الصناعي. كلاهما خيارٌ مناسب لي. يحدوني التفاؤل بشأن الحصول على وظيفة في المستقبل. باحث في مجال الطب الحيوي، الولايات المتحدة

طموحات أكاديمية

على الرغم من تضاؤل فرص الحصول على وظيفة بحثية أكاديمية أكثر من أي وقت مضى، خاصةً في ظل الجائحة التي يشهدها العالَم حاليًّا، يتمنّى ما يقرب من ثلثي المشاركين في الاستبيان (63%) الحصول على وظيفة في الوسط الأكاديمي. وذكر رُبع المشاركين (26%) أنهم لم يحسموا قرارهم بعد بشأن خططهم المستقبلية. وكانت نسبة الرجال (68%) الذين يطمحون إلى الوظائف الأكاديمية أكثر من النساء (59%). تقول ناتالي سيريساينجتاكسين، وهي باحثة ما بعد الدكتوراة في أمراض السرطان بمركز العلوم الصحية بجامعة تكساس في هيوستن، إنها متردّدة بين الحصول على وظيفة في المجال الأكاديمي، أو البحث في مجال آخر، وتضيف قائلة: "إنه قرار صعبٌ للغاية. ومن الصعب أن أتخلّى عن هذا الحلم. فأنا أحبّ توجيه الطلاب، والتفكير في المسائل الكبرى". ويُذكر أنها -في الوقت نفسه- ليست واثقة من أن لديها المهارات اللازمة للعمل في المختبرات، وتؤهلها للمنافسة، فضلًا عن قلقها من أن إدارة مختبرها الخاص قد تستحوذ على حياتها. تقول سيريساينجتاكسين: "لا أدري إنْ كان الحصول على هذه الوظيفة سيجعلني سعيدة، أم لا."

أمّا كريستال ستاربيرد، أخصائية البيولوجيا البنيوية في كلية ييل للطب في نيو هافن بولاية كونيتيكت، فلديها رؤيةٌ أكثر وضوحًا بشأن مستقبلها، حيث تقول: "أتقدّم حاليًّا لشغل إحدى وظائف التدريس بالجامعة". وتعقب ستاربيرد، التي عملت لدى شركة «فايزر» للمستحضرات الدوائية قبل بدء برنامج الدكتوراة، بقولها إنها لاقت تشجيعًا من الجامعات للتقديم على وظيفة في مجال التدريس فور حصولها على درجة الدكتوراة. وقد قرّرت استكمال أبحاث ما بعد الدكتوراةن حتى تكتسب المزيد من المهارات والخبرات، لكنها لم تنس هدفها الأساسي قطّ، وهو إدارة مختبرها الجامعي. وتضيف ستاربيرد قائلة: "إذا رأيتُ فكرةً تستحق السعي، فسأفعل ما يلزم لدفعها قدمًا".

لا يتوافر سوى النزر اليسير من البيانات حول معدّلات النجاح في أبحاث ما بعد الدكتوراة في الوسط الأكاديمي. وأحد أسباب ذلك أن باحثي ما بعد الدكتوراة لا يشكّلون مجموعة محدّدة الملامح، وأعدادهم المسجّلة أقلّ من أعدادهم الفعلية. ووفقًا لتقرير نُشر في عام 2018، يتوقع حوالي 15% من باحثي ما بعد الدكتوراة في الولايات المتحدة الحصول على وظيفة ضمن هيئات التدريس بالجامعات (S. C. McConnell et al. eLife 7, e40189; 2018).

ويقول روري دنكان، الذي يقيم في إدنبره، ويشغل منصب مدير قسم المواهب والمهارات في مركز البحوث والابتكار بالمملكة المتحدة، وهو الجهة المموّلة الرئيسة للأبحاث في المملكة المتحدة، إن الأرقام ليست في صالح الباحثين الذين يريدون الحصول على وظائف أكاديمية ثابتة في بلاده، مضيفًا بقوله: "نحن ندعم حوالي 40 ألف باحث ما بعد الدكتوراة في جامعاتنا، ولا يوجد لدينا هذا الكمّ من الوظائف الأكاديمية، ونحاول المساعدة في تزويد الموهوبين بمهارات عامة واسعة النطاق، ومطلوبة في مجال الابتكار والأبحاث. سيعمل بعض هؤلاء الباحثين في الوسط الأكاديمي، لكن أغلبهم سيضطرون للعمل في قطاعات أخرى".

وحسب تقدير كولتهارد-جراف، فإن حوالي 30% من باحثي ما بعد الدكتوراة في المختبر الأوروبي للبيولوجيا الجزيئية يحصلون على وظائف في هيئات التدريس، وهي نسبة تفوق بالتأكيد المتوسط العالمي. وتضيف أيضًا قائلة إنّ حوالي ضعف هذا العدد يَعتبِرون المسار الأكاديمي وجهتهم المفضلة للعمل، وهو ما يعني أن نسبة كبيرة من باحثي ما بعد الدكتوراة سيضطرون للجوء إلى خطة بديلة.

لقد تسببت قرارات تعليق التوظيف وتخفيض عدد العاملين بالجامعات أثناء الجائحة في زيادة ضبابية المشهد لمَن يتطلعون إلى الحصول على وظيفة في الوسط الأكاديمي (انظر الجزء المعنون بـ: "من الصعب فهم السبب الذي يدفع أي شخص إلى بدء مسيرته المهنية في الوسط الأكاديمي")، رغم أن التبعات الكاملة لهذا الوضع لم تتكشّف بعد. وقد أشار تحليل لإعلانات الوظائف الأكاديمية في أكتوبر 2020 إلى أن الوظائف الأكاديمية الشاغرة في الولايات المتحدة قد انخفضت بنسبة 70%، مقارنةً بالوقت نفسه من عام 2019 (انظر: go.nature.com/3pvjnkj).

البحث عن الإرشاد

في ظلّ هذا المستقبل الضبابي، قد يحتاج كثيرٌ من باحثي ما بعد الدكتوراة إلى الحصول على المشورة المهنية، لكن هذا الأمر لا يكون متاحًا دائمًا. فعندما طُلب من المشاركين في الاستبيان تحديد مصادر الإرشاد التي يستعينون بها، أشار كثيرون منهم إلى غيرهم من باحثي ما بعد الدكتوراة (70%)، مقارنةً بمَن أشاروا إلى مشرفيهم (67%). يقول دنكان إن باحثي ما بعد الدكتوراة يتمتّعون بقيمة كبرى لدى المؤسسات العلمية، وهو ما يجعل بعض المشرفين يُحْجِمون عن مساعدتهم في تحقيق التقدّم في مسيرتهم المهنية، ويضيف قائلًا: "من مصلحة المشرفين الإبقاء على الكفاءات المتميزة من الباحثين لأطول فترة ممكنة. وهناك حاجة إلى البحث الذاتي المتعمّق، لضمان حصول الشخص الذي يشغل دورًا انتقاليًّا على التطوّر الذي ينبغي أن يحصل عليه".

وتقول كولتهارد-جراف إن التطور والإرشاد المهني يمثلان أهمّ الأولويات لدى المختبر الأوروبي للبيولوجيا الجزيئية، مشيرةً إلى أن هناك مستشارَين مهنيَّين يعملان في المعهد الآن، وأنهما يقدّمان التدريب والمشورة لطلبة الدكتورا، ولباحثي ما بعد الدكتوراة، البالغ عددهم 500 شخص تقريبًا. وعندما تلتقي كولتهارد-جراف بأحد باحثي ما بعد الدكتوراة العازمين على العمل في المسار الأكاديمي، فإنها تقترح خطوات محدّدة تساعدهم على زيادة فرص نجاحهم. وتقول في هذا الصدد: "أحاول ألا أُثنيهم عن الفكرة". وعندما يخبرها باحثو ما بعد الدكتوراة عن انفتاحهم على استكشاف فرص أخرى، يكون لديها الكثير لتقدّمه إليهم، فتقول: "أناقش معهم البدائل؛ حيث إنهم لم يتعرّضوا لخيارات أخرى".

وجدت كولتهارد جراف أن الفضول وحب الاستطلاع هو المحرّك الأكبر للكثيرين من باحثي ما بعد الدكتوراة، ولذا، فإنهم ينجذبون إلى مسارات مهنية أخرى -مثل القطاع الصناعي، وتحرير الدوريّات، والشؤون التنظيمية في القطاع الحكومي– عندما يدلّهم أحدٌ عليها. وتقول عن ذلك: "الأشخاص الذين يتركون المسار الأكاديمي يجدون سبلًا لإشباع فضولهم، وأتمنى أن يفكروا في تلك الأهداف بالدرجة نفسها من الاهتمام".

تَمكّن أمار بارفاتي من تحويل دراسات ما بعد الدكتوراة، التي استمرت لعامين في علم الفيروسات بمعهد لاهويا لعلوم المناعة في كاليفورنيا إلى نقطة انطلاق لوظيفته الجديدة. فمنذ أغسطس الماضي، يعمل بارفاتي اختصاصيًّا في مجالَي الفحص المجهري، والكيمياء الحيوية في المختبر الوطني، شمال غرب المحيط الهادئ (PNNL)، وهو مختبر بحثي حكومي أمريكي، يقع في مدينة ريتشلاند بولاية واشنطن. لم يكن بارفاتي قطّ توّاقًا للعمل في الوسط الأكاديمي بخلاف الكثيرين من أقرانه، وعن ذلك يقول: "لم أكن لأحقق غالبًا التقدّم الذي أنشده".

استبيان دورية Nature لباحثي ما بعد الدكتوراة

سلسلة من أربع مقالات تعرض لمحةً سريعةً للحياة العملية لباحثي ما بعد الدكتوراة في الوسط الأكاديمي

في سبتمبر الماضي، نشرت دورية Nature نتائج استبيان أجرته حول مدى تأثير جائحة "كوفيد-19" على باحثي ما بعد الدكتوراة، ونظرتهم إلى المستقبَل. وتقدّم المقالة الثانية في هذه السلسلة نظرةً عامة على أحوال باحثي ما بعد الدكتوراة حول العالم، في حين تتناول المقالة الثالثة جودة حياة هؤلاء الباحثين، بما في ذلك الصحّة النفسية، وممارسات التمييز والتحرش. أما المقالة الأخيرة، فتسلّط الضوء على نظرة المشاركين إلى مستقبلهم المهني، وهي مسألة شديدة الأهمية لباحثي ما بعد الدكتوراة. أُعلن عن هذا الاستبيان، الذي شاركت في إجرائه شركة «شيفت ليرننج» Shift Learningالمتخصصة في أبحاث السوق في لندن، على موقع nature.com، وفيالمنتجات الرقمية لدار نشر "سبرنجر نيتشر"Springer Nature ، وعبر حملات البريد الإلكتروني. أُتيح الاستبيان باللغات التالية: الإنجليزية، والماندرين الصينية، والإسبانية، والفرنسية، والبرتغالية. ويمكن الاطلاع على مجموعات البيانات الكاملة للاستبيان عبر الرابط التالي: go.nature.com/3tmckuq.

مسارات بديلة

كان بارفاتي قد قَدّم على وظائف في مجال علم الفيروسات لدى عدد من شركات التكنولوجيا الحيوية والمستحضرات الدوائية، دون أن يحالفه الحظ، قبل أن يعلن المختبر الوطني شمال غرب المحيط الهادئ عن وجود وظيفة شاغرة. يقول بارفاتي: "كانت فرصة أكبر مما تصوّرتُ". لم يكن العمل في مختبر أبحاث وطني ضمن خططه على المدى البعيد، لكنْ تَبَيَّن أنها فرصة مثالية؛ فهو واحدٌ من بضعة باحثين يستخدمون مجهرًا إلكترونيًّا فائق البرودة، هو الأفضل من نوعه، وعن هذا يقول: "إنه أحد أروع الأجهزة التي يمكنك العمل بها". ويخطط بارفاتي لأنْ يصبح مسؤولًا عن جميع استخدامات المجهر، بدايةً من تجهيز العينات، ووصولًا إلى تحليل البيانات. فهذا المسار التكنولوجي المتطور هو سبيله إلى الأمان الوظيفي، إذ يقول: "أنوي البقاء هنا بعض الوقت".

عندما شارك برايان جرونديك في الاستبيان، كان يعمل وقتها باحثَ ما بعد الدكتوراة في مجال الكيمياء الدوائية بجامعة هارفارد في كامبريدج بولاية ماساتشوستس،. وبعد شهرين، تلقّى عرضًا من إحدى شركات التكنولوجيا الحيوية القريبة من بوسطن، وهو الآن بصدد بدء مسيرته المهنية في هذا المجال. يقول جرونديك: "فرص العمل هنا جيدة، ولست مضطرًا للانتقال إلى مكان آخر".

وكما هو الحال مع كثير من العلماء، بدأ جرونديك أبحاث ما بعد الدكتوراة وهو يحلم بإدارة مختبره الجامعي، لكنه تحمّس شيئًا فشيئًا لفكرة التركيز على العلوم، دون أن يضطر إلى الانشغال بالتدريس أو غيره من الالتزامات الأكاديمية، مشيرًا إلى أن تجربته في أبحاث ما بعد الدكتوراة قد هيّأته جيدًا لمساره الوظيفي، حيث يقول: "اكتسبتُ الكثير من المهارات التي لم أكن لأمتلكها بعد إنهاء مرحلة الدراسات العليا".     

لا يشعر جميع الباحثين أن لديهم الأدوات المناسبة للمضيّ قدمًا في حياتهم المهنية. فعندما طُلب من المشاركين في الاستبيان تحديد مَواطن الضعف لديهم، أشار 48% منهم إلى المهارات الحسابية، وتمنّى 47% منهم لو كانوا يجيدون أساليب تجريبية محدّدة، في حين عبّر 37% منهم عن أسفهم، لأنهم لا يملكون المهارات الإحصائية الكافية (انظر الجزء الخاص بعنوان "ماذا بعد؟").

كبر الصورة

وعلى الرغم من ذلك، تقول كولتهارد-جراف إن باحثي ما بعد الدكتوراة عادةً ما يفاجأون بالفرص التي يمكن أن تقودهم إليها مهاراتهم، إذا تحلّوا بسعة الأفق، وتضيف قائلة: "كثيرٌ من باحثي ما بعد الدكتوراة لم يدرسوا الخيارات المتاحة لهم بعيدًا عن المجال البحثي. فكلّ ما يفكّرون فيه هو الوسط الأكاديمي، أو شركات المستحضرات الدوائية والتكنولوجيا الحيوية"، لكنها ترى أن هناك الكثير من الفرص، وأنه يجدر بباحثي ما بعد الدكتوراة التغاضي عن تلك الصورة السيئة التي طالما ارتبطت بالمهن غير البحثية، كي يتمكنوا من التفكير في وظائف أخرى مجزية، وذات عائد مادي مرتفع. تقول كولتهارد-جراف: "هناك الكثير من وظائف المبيعات في مجال الأدوية، أو التكنولوجيا الحيوية، أو المعدات الطبية، لكنْ إذا قلتَ ذلك، ستجد الكثيرين من باحثي ما بعد الدكتوراة يقولون على الفور: "بالطبع لا، هذه الوظائف لا تناسبني"، دون أن يكلّفوا أنفسهم حتى عناء التفكير في الأمر.

وبعد التفكير مليًّا، تخطط وُو للبقاء على ما هي عليه الآن، موضحةً أنها لم تتخيل نفسها قطّ تدير مختبرًا خاصًّا بها، فضلًا عن أن المرّات القليلة التي تقدّمت فيها لشغل وظيفة في القطاع الصناعي لم تَعُدْ بأي جدوى. والآن، تتمنى أن تبقى عالمة أبحاث في المختبر الذي تعمل فيه الآن، حيث تقول: "مشرفتي تحتاج إلى شخص يساعدها في إدارة مختبرها، ولذا، يمكنني البقاء هنا طويلًا". 

تدعو وُو باحثي ما بعد الدكتوراة إلى التحلّي بالأمل، حتى وإنْ بدا المستقبل الوظيفي قاتمًا على المدى القصير، وتضيف قائلة: "لا داعي لليأس إذا كانت الأمور لا تسير على ما يرام، فالعالَم يحتاج إلينا".