أخبار

هل يمكن أن تتسبَّب زيادةُ رحلات الفضاء المتجهة إلى القمر في تلوث جليده الثمين؟

العلماء يلتمسون التّوجيه بشأن استكشاف المخابئ المُتجمِّدة عند قطبي القمر بطريقةٍ مسؤولةٍ.

ألكسندرا فيتس
  • Published online:
مركبةُ "فايبر" المتجوِّلة ستكون مُزوَّدة بمثقبٍ يبلغ طوله مترًا واحدًا، لاستخراج الجليد من تحت سطح القمر.

مركبةُ "فايبر" المتجوِّلة ستكون مُزوَّدة بمثقبٍ يبلغ طوله مترًا واحدًا، لاستخراج الجليد من تحت سطح القمر.

 Daniel Rutter/NASA Ames

أطلقت الصين في شهر ديسمبر 2020 بعثةً لجمع العينات القمرية، مُستهلةً بذلك طفرةً جديدة في عدد زائري القمر. فمِن المُقَرر أن تهبط ثماني مركباتٍ فضائية - على الأقل - من بلدانٍ تشمل روسيا، والهند، والصين، واليابان، والولايات المتحدة، على سطح القمر في السنوات الثلاث المقبلة.

وللمرة الأولى على الإطلاق، ستضطلع بعثات عديدة مقبلة بمهمة استكشاف بعضٍ من أكثر مناطق القمر إثارةً للاهتمام من الناحية العلمية، وهي تلك المناطق الموجودة عند القطبين. ويتحمس الباحثون لدراسة المياه المتجمدة في فوهاتٍ مُظَللة في هذه المناطق، غير أنهم يشعرون بالقلق إزاء احتمالية أن تتسبَّب زيادةُ الرحلات المتجهة إلى القمر في تلوُّث الجليد الذي يعتزمون دراسته.

يُمثِّل هذا الجليد أهميةً للعلماء لأسباب شتى، فالبعض منهم يرغب في تحليل عيناتٍ محتفظة بنقائها الأصلي لحل ألغازٍ تتعلق بالكيفية التي تراكمت بها المياه على سطحي الأرض والقمر منذ مليارات السنين، وأيضًا توقيتات حدوث ذلك. ويرغب البعضُ الآخر في استخراج الجليد، لاستخدامه كوقودٍ للصواريخ في قواعدَ مستقبلية على سطح القمر.

ويواجه المستكشفون في الوقت الراهن خيارًا معقدًا، فهل يبدأون في الحفر فورًا؛ لتحديد العمليات التي سيستخرجون بها الجليد؟ أم يمضون في المهمة بتأنٍ؛ حفاظًا على السجل العلمي المُرمَّز في الجليد؟ يقول كلايف نيل، اختصاصي علم الجيولوجيا في جامعة نوتردام بولاية إنديانا: "يرى بعض علمائنا، في اللحظة الراهنة، أنه من الأفضل عدم المساس به، لأننا سُنفسِده، بينما يرى البعض الآخر أن نمضي في استكشافه، ما دُمْنا في حاجة إلى ذلك".

لا بد من فض هذه التوترات قريبًا، لا سيما أن وكالة الفضاء الأمريكية «ناسا» تخطط لإرسال سلسلة من البعثات إلى القطب الجنوبي للقمر مع البدء بإرسال مركبات الإنزال الروبوتية في عام 2022.

في الأسبوع الماضي، أشار تقريرٌ صادر عن الأكاديميات الوطنية الأمريكية للعلوم والهندسة والطب (NASEM) إلى أن وكالات الفضاء بحاجةٍ إلى تحديد أولوياتها فيما يتعلق بالجوانب العلمية لقطبي القمر التي تعتزم دراستها، بحيث يتأتى لها استكشاف القطبين بطريقة فعَّالة. وتتولى اللجنة الدولية لأبحاث الفضاء "كوسبار" COSPAR - وهي اللجنة المنوط بها تحديد أفضل الممارسات لاستكشاف الفضاء - تقييم الموقف أيضًا، وستقرر في الأشهر المقبلة هل ستُصدِر توجيهاتٍ جديدة للمركبات الفضائية المتجهة إلى القمر، أم لا. وتنتظر وكالة الفضاء الأمريكية "ناسا" قرار لجنة "كوسبار"، وستُجرِي بعد ذلك - على الأرجح - تحديثًا للوائحها التنظيمية الخاصة بشأن كيفية زيارة القمر بطريقة مسؤولة.

ومع زيادة رحلات استكشاف القمر، أصبح "لدينا التزامٌ بعدم الإضرار بالأبحاث العلمية المستقبلية"، حسبما تقول ليزا برات، مسؤولة الحماية الكوكبية بوكالة الفضاء الأمريكية "ناسا"، التي تعمل بالمقر الرئيس للوكالة في العاصمة الأمريكية واشنطن. والسؤال المطروح هو: "كيف نؤدي المهمة على النحو الصحيح؟"

لم يسبق لأي مركبةٍ فضائية أن استكشفت قطبَي القمر وما يحويان من جليدٍ بشكلٍ مباشر. وتعتزم الصين إطلاق بعثة الاستكشاف "تشانجي-6" Chang’e-6، التي قد تزور القطب الجنوبي للقمر، ومن المُحتَمَل أن تَجرف بعض قطع الجليد والصخور، لتعود بها إلى الأرض بحلول عام 2023. سوف تكون هذه البعثة خلفًا للبعثة "تشانجي-5" Chang’e-5، التي جمعت صخورًا من دوائر العرض الوسطى للقمر في ديسمبر الماضي. وكانت اليابان والهند تتباحثان أيضًا عن إرسال بعثة روبوتية إلى القطب الجنوبي للقمر، مثلما تباحثت روسيا ووكالة الفضاء الأوروبية (ESA) حول الأمر ذاته.

بعد ذلك، يأتي دورُ وكالة الفضاء الأمريكية "ناسا". ففي عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، كانت الوكالة تتأهب لإرسال مجموعة من البعثات إلى القمر. ووفقًا للخطط الحالية، تعتزم الوكالة إرسال مركبتَي إنزالٍ روبوتيَّتَين إلى القطب الجنوبي في عام 2022، متبوعتَين بمركبة روبوتية متجوِّلة أكبر حجمًا، يُطلق عليها "فايبر" VIPER، وذلك في عام 2023. سوف تحفر المركبة بمثقبها الذي يبلغ طوله مترًا واحدًا في تربة القمر لاستخراج الجليد. وفي العام التَّالي مباشرةً، سوف يصل البشر إلى هناك، كي يبدأوا في استكشاف الفوهات الجليدية، وربما جمْع الجليد والعودة به، وهو لم يزل متجمدًا، إلى المُختَبَرات على الأرض من أجل دراسته، وذلك وفقًا لتقريرٍ أصدرته وكالة الفضاء الأمريكية «ناسا» الشهر الماضي.

مسار تصادمي

ثمة مشكلةٌ تتمثَّل في احتمالية أن يتسبَّب المستكشفون في تلويث الجليد القمري. هذه المشكلة لم يسبق لأحدٍ أن توقعها قبل خمسة عقود عندما أصبح رواد الفضاء الذين استقلوا المركبة "أبولو" أول بشريين يسيرون على سطح القمر. وحينذاك، ظنَّ الباحثون أن القمر جافٌّ تمامًا، ولم يدركوا حقيقة وجود مياه في العديد من الأماكن على سطح القمر، بما يشمل الماء المتجمد في الفوهات القطبية الداكنة، سوى في العقد الماضي، أو ما شابه1.

كل هذه المياه من الممكن أن تكون قد وصلت إلى القمر عن طريق الكويكبات أو المذنَّبات الغنية بالمياه، أو بفعل الرياح الشمسية التي تقصف سطحه. وقد يكون جزءٌ من تلك المياه قد أتى من داخل القمر نفسه، مُتفجرًا عبر ثوراتٍ بركانية من جَوفٍ غنيٍ بالمياه.

كبر الصورة

Source: Kevin Cannon

وربما يكون الجليدُ الموجود داخل الفوهات المحرومة من التعرُّض لأشعة الشمس عند قطبي القمر قد تراكم على مرِّ مليارات السنين. وإذا كان الأمر كذلك، فهو لا يحتفظ بسجلٍ لتاريخ القمر العتيق فحسب، ولكن لتاريخ الأرض أيضًا. ومن المُحتَمَل أن يكون القمر قد تشكَّل عندما اصطدم جسمٌ عملاق بالأرض حديثة النشأة آنذاك، منذ نحو 4.5 مليار سنة، دافعًا الحُطام إلى أعلى، ليلتحم ذلك الحطام مُشَكِّلًا القمر، وليربط تاريخهما ربطًا وثيقًا. وعلى سطح الأرض، أدى النشاط الجيولوجي، بما يشمل الصفائحٍ التكتونية، إلى محو الكثير من سجل التاريخ العتيق للكوكب، ولكن لا يوجد على القمر مثل هذا النشاط؛ وذاك موضوعٌ مثالي للدراسة.

يقول أرييل دويتش، اختصاصي علم الكواكب في مركز آيمز للأبحاث، التابع لوكالة الفضاء الأمريكية «ناسا»، والكائن في مطار موفيت فيلد بولاية كاليفورنيا: "يُقدِّم تاريخُ الماء على سطح القمر الكثير من القرائن حول كيفية تطور النظام الشمسي بمرور الزمن".

ويتوخى الكثيرُ من الباحثين الحذر بشأن كيفية استكشاف جليد القمر، نظرًا إلى أهميته. وعلى وجه الخصوص، عكف البعض منهم على دراسة مدى تأثر المخابئ المُجمَّدة بالتلوث الذي يُحتمل أن ينجم عن عوادم الصواريخ.

وفي العام الماضي، أجرت بارفاثي بريم، اختصاصية علم الكواكب في مُختَبَر الفيزياء التطبيقية بجامعة جونز هوبكنز في لوريل بولاية ميريلاند، بالتعاون مع زملائها، محاكاةً لمركبة إنزال متوسطة الحجم تصل إلى القمر عند 70 درجة جنوبًا؛ أي على بُعد بضع مئات من الكيلومترات من الفوهات المعبأة بالجليد في القطب الجنوبي. وأظهرت المحاكاةُ أنه على الرغم من أن الصاروخ لن يطلق الكثير من الماء، إلا أن الماء الذي يطلقه سينتشر في جميع أرجاء القمر، ويبقى مكانه لبعض الوقت2. وحتى بعد مرور يومين قمريين - ما يُعادِل شهرين على سطح الأرض - ستظل نسبة قدرها 30-40% من ماء الصاروخ موجودة، ويكون أغلبها في حالة تجمُّد على الجانب الليلي من القمر. تقول بريم: "تَمثَّل عامل التشتيت الأساسي في انتشار بخار الماء في كل مكان بالفعل". إذًا، يمكننا القول إن الجليد القطبي للقمر قد لوَّثه المستكشفون السابقون بالفعل.

وقد طرحت لجنةُ "كوسبار" الدولية سؤالًا على مئات علماء الكواكب حول مدى قلقهم بشأن احتمالية تداخل عمليات استكشاف القمر مع الجوانب العلمية التي تُدرس في القطبين. يقول جيرهارد كمينك، مسؤول الحماية الكوكبية في وكالة الفضاء الأوروبية (ESA) في مدينة نوردفيك الهولندية، ونائب رئيس لجنة الحماية الكوكبية المُنبثقة عن لجنة "كوسبار": "لقد أفاد أكثر من 70% ممن شاركوا في دراسةٍ استقصائية أُجريَت في عام 2020 بأنهم يشعرون بالقلق من احتمالية أن يُلحِق التلوث ضررًا بالسجل العلمي المحفوظ في جليد القمر".

وفي تقريرٍ رسمي قُدِّمَ إلى وكالة الفضاء الأمريكية "ناسا"، اقترح 19 عالمًا، من بينهم بريم ودويتش، ما يسمونه بعثة "الأصول أولًا" إلى فوهة مُظَللة في أحد قطبي القمر. وسيكون هدف تلك البعثة هو جمع عينات من الجليد، محتفظة بنقائها الأصلي، قبل زيادة أعداد الرحلات المتجهة إلى القمر. ستُبصِّرهم هذه البعثة بمدى أهمية السجل العلمي للجليد، وما إذا كان ينبغي تأجيل أنشطة استخراجه، أم لا، وفقًا لما أفادت به إستر بلتران، اختصاصية علم الفضاء في جامعة سنترال فلوريدا في مدينة أورلاندو، التي شاركت في كتابة التقرير المذكور.

ووكالة الفضاء الأمريكية "ناسا" ليس لديها في الوقت الحالي أموالٌ مُخَصَّصةٌ لمهمة "الأصول لها الأولوية"، وتواصل التخطيط لإرسال مركبات فضائية متعددة إلى المناطق القطبية القمرية، غير أن برات تستدرك قائلة إن الوكالة تصغي إلى العلماء الذين يهتمون بإنجاز الأشياء على النحو الصحيح، وتعتزم المضي قدمًا بحذرٍ، وتضيف قائلةً: "نحن بحاجة إلى تحقيق التوازن بين السعي للاستفادة من الموارد، والحاجة إلى الاكتشاف العلمي والمعرفة".

ومن جهة أخرى، إذا أقرَّت لجنةُ "كوسبار" توجيهاتٍ جديدة لاستكشاف القمر، فمن المُحتَمَل أن تتخذ وكالة الفضاء الأمريكية «ناسا» ووكالات الفضاء في بلدانٍ أخرى المنحى ذاته. تتطلب التوجيهاتُ الإرشادية الحالية التي تتبنّاها لجنة "كوسبار" من الدول الاحتفاظ بقائمة بجميع المواد العضوية - مثل مُرَكَّبات الكربون، والدهانات، والمواد اللاصقة - الموجودة على متن بعثات الفضاء المتجهة إلى القمر. فوجود قائمة من هذا النوع يسهِم في الحد من المخاوف المتعلقة بالتلوث، حسبما يقول كمينك، لأنها تكشف بالضبط للعلماء عن نوعية المواد بشرية الصنع التي دخلت بيئة القمر. ومن بين التغييرات التي يُحتمَل إدخالها على البعثات المستقبلية أيضًا: الاحتفاظ بقائمةٍ تشتمل على الغازات التي قد تنبعث من صواريخ هذه البعثات، أو نظم دعم الحياة التي تستخدمها.

قرارات كثيرة

وبرغم استمرار هذه المناقشات، لا يشعر بعضُ العلماء بقلقٍ بالغ إزاء قضايا التلوث، حيث يشير نيل وآخرون إلى أن بخار الماء الناتج عن عوادم الصواريخ يستقر فقط في هيئة طبقة رقيقة أعلى سطح القمر، ولذا، فلن يتطلب الأمر الكثير من العمل للحفر من أجل الوصول إلى الجليد النقي المطمور تحته. كذلك يُشير تقرير الأكاديميات الوطنية الأمريكية للعلوم والهندسة والطب، الذي صدر في الأسبوع الأول من يناير 2021، إلى أن مخاطر حدوث تلوثٍ للجليد المطمور منخفضةٌ. ويعتقد كيفن كانون، اختصاصي علم الكواكب في جامعة كولورادو للمناجم في جولدن، أن إحراز التقدُّم العلمي لاكتشاف أين وكيف يجري توزيع الجليد له قيمةٌ تفوق كثيرًا تلك المقادير الضئيلة من التلوث الناجمة عن استكشاف جليد القمر. وقد عكف كانون على رسم خرائط للأماكن التي يمكن أن توجد فيها أكبرُ مخابئ الجليد وأكثرها سهولة في الوصول إليها3 (انظر: "مخابئ الجليد القمري").

وطرح آخرون عدة أفكار لحماية الجليد القمري، فهناك اقتراحٌ بتخصيص أحد قطبي القمر للأغراض العلمية مع فتح الآخر للتعدين والاستكشاف. تقول بريم: "أحد الأشياء التي يتعيَّن علينا فعلها هو أن نتأكد من كوننا حكماء في قرارتنا، فمَن يدري أي نوع من العلوم قد ترغب أجيال المستقبل في استهدافه!"

References

  1. Li, S. et al. Proc. Natl Acad. Sci. USA 115, 8907–8912 (2018). | article
  2. Prem, P., Hurley, D. M., Goldstein, D. B. & Varghese, P. L.J. Geophys. Res. Planets 125, e2020JE006464 (2020). | article
  3. Cannon, K. M. & Britt, D. T. Earth and Space Science 7,e2020EA001291 (2020). | article