افتتاحيات

حماية المحيطات تحتاج إلى حلول وسط

مُقتَرَحٌ جديرٌ بالدراسة الجادة يوازن بين الخيارات المتاحة لتحقيق الأهداف المتعلقة بالمناخ، وحفظ الموارد البيئية، وتوفير الغذاء.

  • Published online:

بعد عام تعثر فيه تحقيق الأهداف بسبب العراقيل التي فرضتها الجائحة، من المتوقع أن يشكل عام 2021 نقطة فارقة على صعيد التنوع البيولوجي وشؤون المناخ والمحيطات. ففي وقت لاحق من هذا العام، من المتوقع أن يحتشد قادة العالم لحضور اجتماعات اتفاقيات الأمم المتحدة بشأن كل من التنوع البيولوجي، والمناخ، لوضع برامج عمل مستقبلية في كلا المجالين. ويُرتقب أن تكون للسياسات المتعلقة بالمحيطات أولوية في كليهما.

وقد بدأ الزخم يشتد وراء ما يُعرَف بحملة "30 × 30"، الرامية إلى حماية 30% من كوكب الأرض (برًّا وبحرًا) بحلول عام 2030. وعلى سبيل المثال، في شهر ديسمبر الماضي، دعَّمت اللجنة رفيعة المستوى لاقتصاد المحيطات المستدام هدف الحملة المتمثل في حماية 30% من المحيطات. وتضم هذه اللجنة رؤساء 14 دولة ساحلية، من بينها بعض من كبرى الدول، مثل إندونيسيا، وبعض من أصغرها، مثل بالاو، وهو ما يُعَد خطوة مهمة، بَيْدَ أنّه هدف طموح. فحاليًّا، تُصنف نسبة قدرها 15% من أراضي اليابسة من بين المناطق المحمية، وحوالي 7% فقط من المحيطات تُصنف أو يُشار إليها على أنها من المناطق البحرية المحمية، التي ترجع تسميتها هذه إلى أن ممارسة صيد الأسماك والأنشطة الصناعية الأخرى محظورة، أو تخضع لقيود داخلها. كما تخضع نسبة قدرها 2.6% فقط من المحيطات لحماية بيئية شاملة، أو كبيرة. وعلى الرغم من أن هذه الأرقام تشهد تحسنًا، فقد تأخر تحقيقها، إذ تجدر الإشارة إلى أنه في السابق، استُهدِفت حماية نسبة قدرها 17% من أراضي اليابسة و10% من المحيطات بحلول عام 2020.

وسيتطلب تحقيق أقصى استفادة من إمكانات المحيطات، بهدف مساعدة البشرية، ممارسات مستدامة حقًّا فيما يخص صيد الأسماك، بالإضافة إلى استثمارات في تقنيات الطاقة المتجددة، مثل مزارع طاقة الرياح البحرية، والشحن عديم الانبعاثات. كما يجب ترميم بيئات الأعشاب البحرية والأيك الساحلي المتعطش لامتصاص الكربون، غير أن الجهود المبذولة لتحقيق هذه الأهداف تخلق صراعات لا مهرب منها، نظرًا إلى أن الأطراف المتمثلة في الحكومات، ومجتمعات الحفاظ على البيئة، وجهات التصنيع، ينزع كل منها إلى وضع أولويات مختلفة عن غيره. وهذه الخلافات تعوق المضِيّ قدمًا في تحقيق أهدافنا.

وقد تساعد أبحاث نُشرت مؤخرًا في دورية Natureفي الأسبوع الثالث من شهر مارس الجاري في إنهاء بعض التوترات بين هذه الأطراف لدى حسم المناطق التي تجب حمايتها، إذ يقدم إنريك سالا -أحد دعاة المحافظة على البيئة، والمُستَكشِف التابع لمنظمة "ناشيونال جيوجرافيك" National Geographic- وزملاؤه نموذجًا يوضح كيف يمكن حماية المحيطات على نحو يحقق أقصى استفادة من المنافع البيئية، وصناعة صيد الأسماك، على حد سواء1. وتجب دراسة هذا النموذج بعناية مع تقدُّم سير المحادثات في هذا الصدد، لأنه قد يساعد الدول على معرفة مجالات التَّوافق الممكنة.

"على الدول الالتزام بتقليل استعمال شِبَاك الجر في قيعان البحار، وهو من الممارَسات المستخدَمة في صيد الأسماك، التي تؤدي إلى تحريك الرواسب الغنية بالكربون الموجودة في هذه القيعان".

وقد قيَّم واضعو هذه الدراسة بيانات حول توزيع التنوع البيولوجي بالمحيطات (شملت 4242 نوعًا)، وحول 1150 مخزنًا من مخازن الأطعمة البحرية الطبيعية المُستَغَّلة تجاريًّا، وحول الكربون في بعض الرواسب البحرية. واستعانوا بهذه البيانات لوضع نموذج للمساحات التي يمكن فيها إقامة المناطق البحرية المحمية، لتحقيق نتائج معينة على نطاق ثلاثة أهداف أساسية. وعلى سبيل المثال، يمكن لخطة تحمي 71% من المحيطات أن تحقق 91% من أقصى قدر ممكن من فوائد التنوع البيولوجي، و48% من فوائد الحد من الانبعاثات الكربونية، ولكن دون تغيير في كميات الأسماك المصيدة التي تستخرجها مصايد الأسماك. وفي سيناريو آخر، يمكن حماية 28% من المحيطات، لتحقيق أقصى زيادة ممكنة في كميات الأطعمة البحرية المصيدة، مع ضمان الحصول على 35% من أقصى قدر من فوائد التنوع البيولوجي، و27% من أقصى قدر من فوائد الحد من الانبعاثات الكربونية.

ويوضح نموذج الباحثين أن تحقيق أفضل النتائج على صعيد الأهداف الثلاثة جميعها سيتطلب بعض التسويات، إذ سيتعيَّن على الدول والأطراف المعنية الموازنة بين مزايا كل من الأهداف الثلاثة، وعيوبها. ورغم صعوبة تحقيق ذلك، إلا أنها خطوة ضرورية. فعلى سبيل المثال، سيتعين على بعض البلدان التبرع بقليل مما لديها من مصائد الأسماك المربحة. وبموجب هذا النموذج، سيتعين على الدول الالتزام بتقليل استعمال شِبَاك الجر في قيعان البحار، وهو من الممارسات المستخدَمة في صيد الأسماك، التي تؤدي إلى تحريك الرواسب الغنية بالكربون الموجودة في هذه القيعان، ما قد يؤدي إلى انبعاثات من هذا الكربون. ووفقًا لأحد التقديرات2، فإن تأثير هذه العملية على قدرة المحيط على تخزين الكربون أكبر من تأثير مشكلات أخرى تحظى باهتمام أكبر، مثل فقدان مخزون الكربون البيولوجي عند إزالة الأيك الساحلي.

ويجب على البلدان أيضًا إيلاء اهتمام بالإنصاف وبالحقوق في الموارد البيئية، وضمان أن قرارات إقامة المناطق المحمية تُتَّخَذ بالتشاوُر مع المجتمعات المتأثرة بهذه القرارات، التي تكون مُسْتَضْعَفة في كثير من الأحيان؛ فيقدر تقرير اللجنة رفيعة المستوى الصادر في ديسمبر الماضي أن الفرص الاقتصادية التي توفرها الموارد الجينية البحرية، والسياحة البيئية، ومصايد الأسماك، والطاقة المتجددة، وأرصدة الكربون قد تحقق أرباحًا صافية تبلغ 15.5 تريليون دولار أمريكي بحلول عام 2050. وحسب ما أشار إليه أندريس سيسنيروس مونتِمايور وزملاؤه من جامعة كولومبيا البريطانية في فانكوفر بكندا في هذا الصدد3، فإن العديد من الدول الساحلية لا تتوفر له البنية الأساسية، أو أنظمة الحوكمة اللازمة لتعزيز ما يُسمى بـ"الاقتصاد الأزرق المستدام". ومثلما قد يكون متوقعًا، فإن بعض الدول غير مُجَهَّز لضمان حماية مخزونه السمكي المحلي من الاستخدام كعلف بالمزارع، أو لوقاية مجتمعاته المحلية أو نظمه البيئية من التضرر بصورة جسيمة من إنشاء الموانئ.

وفي الوقت الحاضر، فإن الجزء الأكبر من اقتصاد المحيطات ليس أزرق أو مستدامًا تمامًا. فقد أظهرت دراسة أُجريَت على أكبر 100 شركة عاملة في مجال اقتصاد المحيطات (تسهم معًا بـ60% من حوالي تريليوني دولار أمريكي من الإيرادات السنوية لهذا المجال) أن غالبية الأرباح تتولد من استخراج النفط والغاز. وحتى النرويج، التي شاركت في رئاسة اللجنة رفيعة المستوى، أعلنت مؤخرًا عن منح 61 ترخيصًا جديدًا لاستخراج النفط والغاز البحري، فضلًا عن اعتزامها منح تراخيص بالتَّعدين في قاع البحار بحلول عام 2023. وهذه الخطوات تُعَد مخيبة للآمال. ويجب على مجموعات الحفاظ على البيئة والباحثين الاستمرار في ممارسة الضغوط على الدول، للوفاء بوعودها، إذ تنتظر قادة العالم مهمة كبيرة في اجتماعات التنوع البيولوجي والمناخ القادمة. وتوسيع نطاق الاقتصاد الأزرق صعب، نظرًا إلى العواقب الاقتصادية التي تترتب على حماية مزيد من المحيطات، لكنْ لا يوجد الآن زخم في هذا الاتجاه فحسب، بل أيضًا بحوث لإثبات إمكانية تحقيق هذا الهدف. وإذا اعتنت البشرية بالمحيطات، فستعتني بنا هي أيضًا.

 

 

References

  1. Sala, E. et al. Nature https://doi.org/10.1038/s41586-021-03371-z (2021). | article
  2. Atwood, T. B., Witt, A., Mayorga, J., Hammill, E. & Sala, E. Front. Mar. Sci. https://doi.org/10.3389/fmars.2020.00165 (2020). | article
  3. Cisneros-Montemayor, A. M. et al. Nature 591, 396–401 (2021). | article