أخبار

آمالٌ في استمرار الاجتماعات الافتراضية بعد انتهاء جائحة «كوفيد-19»

أظهر استطلاع رأْي أجرته دورية Nature أن عامًا من عقد المؤتمرات البحثية عبر الإنترنت قد أثمر فوائد كبيرة، لكن مزج عناصر من هذه المؤتمرات في الاجتماعات الفعلية مستقبلًا سيشكل تحديًا.

أريانا ريميل

  • Published online:
أجبرت جائحة "كوفيد-19" العلماء على مشاركة أبحاثهم في مؤتمرات افتراضية خلال العام الماضي.

أجبرت جائحة "كوفيد-19" العلماء على مشاركة أبحاثهم في مؤتمرات افتراضية خلال العام الماضي. 

Credit: Laurence Dutton/Getty

أظهر استطلاع رأْي شمل أكثر من 900 شخص من قراء دورية Nature أن الباحثين، رغم معاناتهم مثل الجميع مما يُعرف بظاهرة "الإجهاد الناجم عن المؤتمرات الافتراضية"، قد أدركوا خلال جائحة "كوفيد-19" أهمية المؤتمرات العلمية الافتراضية. وبعد مرور عام حافل بالمؤتمرات الافتراضية القائمة على العروض التقديمية للأبحاث، أعربت نسبة قوامها 74% من المشاركين في الاستطلاع أنها ترى أن الاجتماعات العلمية ينبغي أن تظل افتراضية، أو أن تستمر في تضمين عناصر من المؤتمرات الافتراضية، حتى بعد انتهاء الجائحة، إذ أشار قراء الدورية إلى أن سهولة حضور المؤتمرات من أي مكان في العالم هي مزية هائلة، وإنْ كانوا قد أقروا بأن الفعاليات الافتراضية لم تنجح في محاكاة القدرة على بناء شبكات العلاقات التي أُتيحت لهم في مقابلاتهم وجهًا لوجه مع زملائهم.

على سبيل المثال، كتب أحد المشاركين في الاستطلاع: "أُقَدِّر حقًّا عالَم الإمكانات الهائلة الذي تفتحه المؤتمرات الافتراضية، لكنني أفتقد بشدة فرصة مقابلة الأشخاص، والتفاعل مع الأصدقاء والزملاء".

مر عام على القرار الشهير بإلغاء أول مؤتمر علمي بسبب الجائحة، عندما ألغت الجمعية الفيزيائية الأمريكية (APS) اجتماعها قبل أيام فقط من موعد انطلاقه في دِنفر بولاية كولورادو الأمريكية، حيث كان من المقرر تدشين الاجتماع في الثاني من مارس، ليصبح بذلك هذا الاجتماع الأول ضمن سلسلة من الإلغاءات المماثلة، ويستهل بذلك "عادة جديدة" دَرَجَ عليها الباحثون.

والآن، بعدما نجح منظمو المؤتمرات في الانتقال إلى عقد المؤتمرات الافتراضية، يتعين عليهم أن يدرسوا من الناحية اللوجستية والمالية كيفية الجمع بين مزايا المؤتمرات الفعلية، والافتراضية، وذلك بإدراج عناصر من المؤتمرات افتراضية عند استئناف الاجتماعات الفعلية.

ويقول عديدٌ من الباحثين إنهم تمكنوا في العام الماضي من حضور اجتماعات أكثر من أي وقت مضى، بفضل بعض البوابات الإلكترونية؛ فقد حضر 75% من القراء الذين شاركوا في استطلاع دورية Nature عدة اجتماعات افتراضية منذ مارس من العام الماضي، فيما حضر 18% منهم اجتماعًا واحدًا على الأقل.

وأخبرت سامانثا لولر، عالمة الفلك من جامعة ريجينا في كندا، دورية Nature بأن المنصات الافتراضية أتاحت لها حضور الاجتماعات، دون أن تؤثر سلبًا على مهامها التدريسية، أو مسؤولياتها، بوصفها أُمًّا لأطفال صغار.

"أفتقدُ بشدةٍ فرصة مقابلة الأشخاص، والتفاعل مع الأصدقاء والزملاء".

أعرب أيضًا جوان لاراوندو، وهو مهندس مدني من جامعة بونتيفيكال زافييريان في بوجوتا، عن حماسه لحضور مؤتمرات، استحال انضمامه إليها في السابق، بسبب تكاليف السفر، وبعض الشؤون اللوجيستية المعقدة. وأشار إلى أنه دُعي لعرض أبحاثه في اجتماعات أكثر من ذي قبل.

كما ذكر المشاركون في الاستطلاع أن انخفاض البصمة الكربونية الذي أسهمت فيه الاجتماعات الافتراضية قد شكَّل الفائدة الأكبر لهذه الاجتماعات، بعد ما تتيحه من وصول سهل إلى المؤتمرات. فوفقًا لأحد التقديرات، أنتج اجتماع خريف عام 2019 للاتحاد الجيوفيزيائي الأمريكي، الذي استُقدم فيه أكثر من 25 ألف مشارك إلى سان فرانسيسكو في كاليفورنيا، ما يعادل 80 ألف طن من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون التي تولدت فقط من سفر المشاركين لحضور الاجتماع.

وتعقيبًا على ذلك، تقول لورين وايتمارش، وهي خبيرة في علم النفس البيئي من جامعة باث في المملكة المتحدة: "كان من الصعب أن نقنع منظمي المؤتمرات بأن يقروا حتى بإمكانية عقد المؤتمرات الافتراضية"، لكنها الآن تعرب عن تفاؤلها؛ نظرًا إلى أن العلماء سيعيدون النظر في تبَنِّي نماذج المؤتمرات التي تتطلب من المشاركين "السفر على متن الطائرات حول العالم" عدة مرات سنويًّا.

ووفقًا للاستطلاع الذي أجرته دورية Nature، استمتع الطلاب، أكثر من المنتمين إلى أي مجال آخر، بالاجتماعات الافتراضية، بسبب تكلفتها المنخفضة، إذ أشار 27% من الطلاب المشاركين في الاستطلاع إلى أن توفير التكاليف المالية كان أفضل فائدة تحققت من هذه الاجتماعات، في حين بلغت نسبة المستطلعين الذين أعربوا عن ذلك ممن قطعوا شوطًا أكبر في مشوارهم المهني حوالي 17%. ففي الفعاليات الافتراضية، تنتفي الحاجة إلى السفر، الذي قد يكون مكلفًا، كما أن رسوم التسجيل للمشاركة في هذه الفعاليات تكون أقل تكلفةً. وعلى سبيل المثال، خفَّض القائمون على الاجتماع السنوي لجمعية دراسة التطور (SSE) -الذي يُنظَّم بالتعاوُن مع جمعيتين صغيرتين أخريين- رسوم تسجيل الطلاب من أكثر من 300 دولار أمريكي تُدفع لحضور فعاليات الجمعية، لتصل قيمة رسوم المشارَكة في جلساتها المنعقدة افتراضيًّا في عام 2021 إلى 10 دولارات.

محاكاة منقوصة

ويقول الباحثون إنه على الرغم من وجود فوائد للفعاليات الافتراضية، فإن لها عيوبًا، من بينها الإجهاد الناجم عن قضاء وقت طويل أمام الشاشات الإلكترونية، وفروق التوقيت بين الأماكن التي تنعقد فيها هذه الفعاليات، وبعض المناطق الزمنية. ومع ذلك، فإن الغالبية العظمى من الباحثين تتفق على أن العيب الأكبر لهذه الفعاليات هو ضعف فرص بناء شبكات علاقات بها.

وحول ذلك، يقول تيون بوسيما، عالِم وبائيات الأمراض المعدية من المركز الطبي بجامعة رادبود في هولندا، إن "فكرة اضطرارك للذهاب إلى المؤتمرات لمجرد مواكبة أحدث الأفكار العلمية قد عفا عليها الزمن تمامًا".

فيما تقول سامانثا لولر إن عدم وجود إمكانية للتفاعل بتلقائية مع الآخرين في الفعاليات الإلكترونية يصعِّب بناء العلاقات بين طلاب الدراسات العليا والأعضاء الآخرين في شبكة معارفها ممن قد يقدمون لهؤلاء الطلاب التوجيه، أو يتعاونون معهم في الأبحاث يومًا ما.

ويحاول منظمو المؤتمرات إيجاد حلول بديلة لمثل هذه المشكلات، من بينها البرامج الإرشادية الرسمية التي تجمع بين العلماء ممن هم في مقتبل حياتهم المهنية والعلماء من ذوي الخبرة. كما تضم الحلول تنظيم "صالات نقاش" افتراضية على منصّات المؤتمرات الإلكترونية، حيث يمكن للحاضرين الالتقاء، وإلقاء التحية على بعضهم البعض بين العروض التقديمية، إلا أن هذا ليس كافيًا، وفقًا لعديدٍ من المشاركين في الاستطلاع، الذين أخبر أحدهم دورية  Nature بأن "المنصات الافتراضية تجرِّد مساعي التعاون العلمي الحقيقية من مغزاها".

ومع ذلك، ذكر العديد من المشاركين في استطلاع دورية Nature أن التواصُل لتأسيس علاقات على المنصات الافتراضية لم يكن سيئًا للغاية. وعلى سبيل المثال، تقول هاولي هيلمبريخت، التي تدرس لنيل درجة الدكتوراة في الهندسة الكيميائية بجامعة واشنطن في سياتل، إن العلماء في بداية حياتهم المهنية، والانطوائيين منهم، قد يشعرون برهبة أقل لدى طرح الأسئلة في أثناء الجلسات الافتراضية، والتواصُل مع أشخاص جدد، بما في ذلك خلال التفاعُل مع العلماء البارزين.

كبر الصورة

كبر الصورة

ويلفت العلماء ذوو الإعاقة أيضًا إلى أن مكاسب المؤتمرات الافتراضية لا تخلو من أوجه النقص. فقد كَتَب أحد المشاركين في الاستطلاع: "أعاني بعض الإعاقات التي تجعل حضوري لهذه الفعاليات من المنزل أسهل كثيرًا، لكنني ما زلت أفتقد فرصة بناء العلاقات مع الآخرين، وأواجه مشكلات تتصل بالأعطال التكنولوجية".

مستقبَل غامض

وبعد عام كامل من انتقال المؤتمرات إلى الإنترنت، لا يزال منظموها يعملون على توفير تجربة افتراضية أفضل للعلماء. ويسوق هانتر كليمنز، مدير الاجتماعات في الجمعية الفيزيائية الأمريكية، تشبيهًا لهذه الجهود قائلًا: "هذا يشبه قيادة طائرة في أثناء بنائها".

إذ يعمل منظمو المؤتمرات أيضًا على التصدي لمستقبل غامض، واضطرابات مالية. ومع أن بعض الجمعيات العلمية لا يجني أرباحًا من المؤتمرات الفعلية، بل ينظمها على أساس تساوي تكاليفها مع أرباحها، فإن بعضها الآخر يجني إيرادات من هذه الفعاليات. وقد كان أبرز آثار إلغاء هذه الفعاليات هو فرْض أعباء مالية على بعض الجمعيات العلمية، إذ تحكمت هذه الإلغاءات -في الوقت نفسه- في لوجستيات هذا العالَم الافتراضي الجديد.

على سبيل المثال، يشارك ميتش كروزان عالِم الأحياء التطورية من جامعة بورتلاند بولاية أوريجون الأمريكية في التخطيط لمؤتمر عام 2021 الافتراضي، الذي تستضيفه جمعية دراسة التطور. ويستقطب هذا المؤتمر الصغير عادة 1800 شخص لحضوره، لكن كروزان يشعر بالقلق إزاء مصير هذه الفعالية. فقبل اندلاع الجائحة، كان فريق التخطيط الذي يعمل معه قد حجز أماكن انعقاد الاجتماعات السنوية للجمعية قبل مواعيدها بأربع سنوات. ويحاول منظمو هذه الاجتماعات الآن تجديد التفاوُض على عقود حجز تلك الأماكن، وتغيير مواعيد المؤتمرات المستقبلية امتدادًا إلى عام 2026، لتجنب دفع رسوم إلغاء تصل قيمتها إلى حوالي مائة ألف دولار. ويقول كروزان: "أوضحت لنا هذه التجربة أننا أكثر ضَعْفًا من الناحية المالية مما كنا نعتقد".

فقدَتْ المؤتمرات الافتراضية رونقها الحديث في العام الماضي، لكن كما تقول باميلا بالينجر، التي تشغل منصب المدير الأول للاجتماعات والمَعارض في الجمعية الأمريكية لأبحاث السرطان (AACR)، يرجح أن تستمر هذه المؤتمرات الافتراضية، حتى مع عودة الاجتماعات الفعلية، ومن المحتمل أن يكون الاجتماع السنوي الخاص بالجمعية الأمريكية لأبحاث السرطان، المزمع عَقْده في عام 2022، ويستقطب عادة 22 ألف شخص لحضوره شخصيًّا، مزيجًا من عالَمَي المؤتمرات الفعلية، والافتراضية، إلا أن بالينجر تضيف قائلة إنّ دفْع مَبالغ لقاء حجز أماكن انعقاد المؤتمرات الفعلية، ولقاء التسجيل في منصّاتها الافتراضية، قد يكون باهظ التكلفة في حال المؤتمرات المتخصصة الأصغر الخاصة بالجمعية.

ومع ذلك، يأمل لاراوُندو وآخرون أن يواصل منظمو الاجتماعات إعطاء الأولوية لإتاحة حضور هذه الفعاليات، وهو ما تتيحه المنصات الافتراضية. فالاكتفاء بعقد الاجتماعات مستقبلًا على أساس المشاركة بالحضور الفعلي قد يُوقِع المزيد من الظلم على الباحثين من البلدان ذات معدلات التطعيم المنخفضة ضد "كوفيد-19"، إذ لن يكون هؤلاء الباحثون عرضة للإصابة بالعدوى إذا اختاروا السفر دون تحصين سابق فحسب، بل قد يواجه بعضهم أيضًا قيودًا على السفر من دون الوثائق التي تثبِت أنهم تلقّوا تطعيمًا ضد المرض. وعن ذلك، يقول لاراوندو: "سيكون من المحزِن أن نعود إلى الطريقة القديمة لعقد الفعاليات".