أنباء وآراء

فك شفرة الآليات المحرِّكة لهجرة صقور الشاهين

تتيح التطوراتُ التكنولوجية طرقًا جديدة لدراسة الدور الذي لعبه التغيُّر المناخي والجينات في تشكيل حركة هجرات صقور الشاهين في الماضي. فهل يمكن أن يساعدنا هذا على التنبؤ بمصير هجرات هذه الطيور مستقبلًا؟  

سِيميون ليسوفسكي، وميريام ليدفوجِل

  • Published online:

الهجرةُ سلوكٌ شائع الانتشار في المملكة الحيوانية، ويُعتقَدُ أن عالَم الطيور حظي بدراسةٍ شاملة لهذه الظاهرة فيه أكثر مما حظي بها غيرُه. وفي بحثٍ نُشِر مؤخرًا في دورية Nature، طرح جونجرو جو وزملاؤه1 مجموعةً من الرؤى المتعمقة حول العوامل التي يُحتمل أنها تقف وراء تطوُّر هجرات صقور الشاهين (أو الصقور الجوَّالة) Falco peregrinus. وأكثر ما تشتهر به هذه الطيور –على الأرجح– هو سرعتها الفائقة في الطيران، التي تتجاوز 320 كيلومترًا في الساعة عند انقضاضها على فرائسها من أجل صيدها.

ولا يزال ظهور الطيور واختفاؤها موسميًّا يشكلان لغزًا، لا تتوقف عنده حيرة البشرة وذهولهم. ولم نبدأ إلا في وقت غير بعيد في فهْم هذه الظاهرة على نحوٍ أفضل، ودحض تكهُّنات العصور الوسطى التخيُّلية، التي رجحت أن الطيور تدخل سباتًا شتويًّا في أعماق البحيرات خلال فصل الشتاء، لتظهرُ مجددًا في فصل الربيع2. وبدايةً من نهاية القرن التاسع عشر، كشفت طيورٌ عُلِّقت حلقاتٌ معدنية صغيرة الحجم في سيقانها أسرارًا تتعلق برحلاتها، وأماكنها، ومصائر أفرادها.

وبفضل بعض التطورات التكنولوجية على عدة أصعدة مختلفة، أصبح بمقدورنا استخدامُ أجهزة تتبُّعٍ خفيفة الوزن3 من أجل تعقُّب هذه الطيور المهاجرة باستمرار في أرجاء كوكبنا. وقد أماط هذا اللثام عن مجموعة متنامية من الأدلة التفصيلية حول هذه الظاهرة، غير أن التطورات التكنولوجية لم يقف دورها عند توصيف سلوك أفراد الطيور، فالتطور الذي شهدته تقنية تحديد تسلسل الحمض النووي عالية الإنتاجية فتح الباب على مصراعيه أمام إمكانية الربط بين المعلومات المتعلقة بحركات الهجرة الضخمة هذه، والتحليلات المتعمقة على نطاق جينومات أفراد الطيور. وتهدف هذه الجهود إلى التعرُّف على العوامل القابلة للتوريث التي تدخل في تحفيز سلوك الهجرة.

وقد أثمر التقدم الذي أُحرِز في هذا الميدان عن إنجازات هائلة بالفعل، عزَّزت فهْمنا لجوانب مختلفة من هجرة الطيور، بيْد أنه لا يزال من الصعب الوصول إلى فهم تام للآليات التي تنظم هذا السلوك المعقد المليء بالتحديات. ومع ذلك، يبدو أن فك شفرة هذه الآليات التنظيمية قد بات أكثر أهمية من أي وقت مضى، إذا وضعنا في الاعتبار أن التغيُّر العالمي، سواءً الذي طرأ على المناخ أو الموائل الطبيعية، يفرضُ تحدياتٍ غير مسبوقة على الطيور المهاجرة، وعلى الأشخاص الذين يحاولون حماية الهجرات الحيوانية المهددة 4.

ومثلما يكون مطلوبًا في الكثير من التحديات الضخمة التي تواجِه المجتمعات، تستلزِم دراسةُ النسق التنظيمي الذي يتحكم في هجرة الطيور مشاركة تخصُّصات مختلفة، وتكاملًا فيما بينها. لذا، استخدم جو وفريقه مجموعةً متنوعة من المقاربات المتكاملة والمثيرة للإعجاب، بهدف دراسة هجرة مجموعات صقور الشاهين التي تتكاثر في أقاصي شمال القارة القطبية الشمالية، وتهاجر جنوبًا كل عام. وقد درس واضعو الدراسة الكيفيةَ التي يُحتمل أن تكون مساراتُ هجرة هذه الطيور قد تشكلت بها في الماضي، وكيف أثَّر ذلك على ديناميات تلك المجموعات وتطوُّرها إلى وقتنا الحالي. كما بحث جو وفريقه أيضًا الجينات التي يُحتمل أنْ تلعب دورًا رئيسًا في التحكُّم في سلوك الهجرة لدى هذه الطيور، وكيف من المحتمَل أن تؤثر هذه العوامل مجتمعةً على مصير هذا النوع.

واستعان جو وزملاؤه بأجهزة تتبُّع بالأقمار الصناعية، ثُبِّتت على ظهور 56 طائرًا من هذه الصقور (شكل 1)، من أجل تعقُّبها على مدار عدة سنوات، بهدف حسم المسارات الكاملة لهجرتها، التي بلغ عددها 150 مسارًا، تبدأ من ست مجموعات سكانية مختلفة تتكاثر في القارة القطبية الشمالية. كما حدد الباحثون التسلسل الجينومي الكامل لـ35 طائرًا. وإضافةً إلى ذلك، وضعوا تصوُّرًا للظروف المناخية السابقة التي صادفتها هذه الطيور عبر النطاقات التي تتوزع عليها، وذلك باستخدام سجلات لحبوب اللقاح، تبدأ من حقبة الذروة الجليدية الأخيرة (أي قبل 22 ألف عامٍ). وتُقدِّم بيانات التوقعات المناخية هذه رؤىً كاشفةً جديرةً بالاهتمام حول سيناريو الأحداث الماضية، التي من المحتمل أنها قد أدت إلى تكوُّن المسارات المختلفة لهجرة هذه الصقور، وتشعُّب مساراتها. وتشير الأدلة إلى أن هذه المجموعات السكانية التي استوطنت الشمال تضاءلت أعدادها في الماضي، نظرًا إلى تقلُّص حجم الموائل التي تتكاثر بها في بيئات التندرا، عندما انحسرت الأغطية الجليدية هناك قبل قرابةِ فترةٍ تتراوح بين 10 آلاف و15 ألف سنة.

شكل 1| أحد صقور الشاهين Falco peregrinus مُثبَّت به جهازُ تتبُّع بالأقمار الصناعية. استخدم جو وفريقه1 هذا الجهاز لوضع خريطة لمسارات الهجرة التي تسلكها مجموعات هذا النوع الذي يتكاثر في القارة القطبية الشمالية.

شكل 1| أحد صقور الشاهين Falco peregrinus مُثبَّت به جهازُ تتبُّع بالأقمار الصناعية. استخدم جو وفريقه1 هذا الجهاز لوضع خريطة لمسارات الهجرة التي تسلكها مجموعات هذا النوع الذي يتكاثر في القارة القطبية الشمالية.

Credit: Andrew Dixon

وفي الوقت الحالي، تَحْدُث الرحلات السنوية لمجموعات هذه الطيور، التي يتعقب واضعو الدراسة مساراتها ضمن النطاقات المناخية الملائمة لمعيشتها؛ بمعنى أن أفراد الطيور التي تنتمي إلى المجموعة السكانية نفسها تختبر الظروف نفسها، في حين تختلف هذه الظروف من مجموعة سكانية إلى أخرى. وربما يُعَد هذا أحد أسباب التزام أفراد هذه المجموعات بِسَلْك المسارات نفسها باستمرار، واستقرارها في المناطق الاستوائية معتدلة الطقس، الخاصة بأفراد المجموعة نفسها، شتاءً.

ويشير تحليلُ الباحثين إلى أن الجين ADCY8 ربما يلعب دورًا في تعزيز سلوك الهجرة لدى صقور الشاهين، فمِن خلال مقارنة تسلسلات الحمض النووي لمجموعات هذه الطيور بعضها ببعض، توصل جو وفريقه إلى أن هذا الجين تحديدًا يتباين بشدة بين المجموعات المختلفة، ويخضع، على أغلب الظن، لعملية انتخاب طبيعي من نوعٍ ما. كما يُرجح أنه يرتبط وظيفيًّا بتعزيز الذاكرة طويلة المدى، التي يُحتمل أنها تلعب دورًا شديد الأهمية في مجموعات الطيور التي يتعين عليها الهجرة لمسافاتٍ أطول. ونظرًا إلى أن التعلُّم قد يكون عنصرًا مهمًّا في نجاح الهجرة، انصَبّ تركيزُ جو وفريقه على تحديد العناصر الجينية الموروثة، التي قد تُعزِّز القدرة على التعلم من خلال تشكيل الذاكرة. كما درست أبحاث أخرى6دورَ الجينات التي يُحتمل أن تكون لها علاقةُ بالذاكرة طويلة الأمد في سياق هجرة الطيور.

وتُمثِّل الدراسة البحثية لجو وزملائه نموذجًا رائدًا للكيفية التي يمكن أن تُستخدم بها إحصائيات معقدة ومقاربات من تخصصات متعددة في الاستدلال على التاريخ التطوري لأحجام المجموعات السكانية. كما تُسلِّط دراستُهم الضوء على الكيفية التي يُمكن أن يُستخدم بها توقيتُ أحداث انقسام المجموعات في استنباط الأنماط التي تدخل في تشكيل الإطار التطوري الإيكولوجي لها. وتتيح هذه الرؤى المتعمقة نمذجة ديناميات المجموعات السكانية عبر نطاقاتٍ زمنية كبيرة، بما في ذلك سيناريوهاتها السابقة والمستقبلية. ويخلُص جو وزملاؤه كذلك إلى استنتاجٍ جديرٍ بالأخذ في الاعتبار، مفاده أن المجموعات التي تتكاثر في القارة القطبية الشمالية وتهاجر إلى أوروبا سوف تطرأ عليها تغيرات كبيرة مستقبلًا، نتيجةً للاحترار العالمي، وأن هذا سيفرضُ عليها تعديلات سلوكية محدَّدة، من بينها التكيُّف مع الهجرة لمسافاتٍ أقصر.

ويمكن أن تتيح التخصصات المتعددة التي تمتاز بها دراسة جو وفريقه وضع نموذج عمل لتشجيع تبَنِّي مقاربات بحثية شاملة مشابهة. وتُعَدّ الأنواعُ المهاجرة التي تتباين استراتيجياتها في الهجرة تبايُنًا كبيرًا خير نموذج للمنظومات التي يمكن دراستها في سياق هذه الجهود. وعلى سبيل المثال، بعضُ الأنواع الفرعية من العصفور الأبيض المُتوَّج Zonotrichia leucophrys، الموجودة في أمريكا الشمالية تنطلق في هجرات لمسافاتٍ طويلة، في حين لا يهاجر بعضها الآخر7 وتتنوُّع أنماط هجرة طائر أبو قلنسوة Sylvia atricapilla تنوُّعًا كبيرًا، لا سيما فيما يتعلق بالوجهات التي تقصدها الطيور من أفراده، والمسارات التي تسلكها8.

وإضافةً إلى ذلك، لا سيما في سياق دراسة تكوُّن الذاكرة المتصلة بالهجرة، فمن المُرجَّح أن يتعين إجراء دراساتٍ مشابهة لتلك التي أجراها جو وزملاؤه، من أجل عقد مقارنة بين الهجرات الأولى للطيور اليافعة، والمسارات التي تسلكها عند بلوغها واكتسابها الخبرة. كما تتعيَّن دراسةُ الأنواع التي تُعلِّم فيها الطيورُ البالغة صغارها مسارات الهجرة، مثل فصائل طائر الغُرنوق (الكُركي)9 .بعد ذلك، تجب مقارنةُ البيانات الناتجة من هذه الدراسات مع نتائج دراسات العديد من أنواع الطيور الخوَّاضة، أو الجواثم، التي تنجح فيها الأفراد اليافعة بهذه المجموعات في هجراتها بالاعتماد على نفسها، أو حتى تختار مساراتٍ تختلف عن تلك التي يسلكها الأفراد البالغون10 .وهذه النُّهُج المعتمِدة على المقارنة، إضافةً إلى ما يكملها من مَواطن قوة في المناهج البحثية المتنوعة، قد يُمهدان الطريق لتوصيف البِنْية الجينية المسؤولة عن سلوك الهجرة، والبرهنة على العوامل المسببة لهذا السلوك.

ويرجح أن ثمة خيطًا رفيعًا يفصل بين التبسيط المُفرط الذي تنطوي عليه الدراسات القائمة على تخصُّصٍ واحدٍ، وتأثير التكامُل الذي توفره الدراسات متعددة التخصُّصات، غير أن دراسة جو وزملائه هي مثال آخر لأهمية أن نسلك مقارَبة متعدد التخصُّصات، تضع الأدلة المستقاة من مجالات مختلفة في سياقها، من أجل تقديم رؤى جديدة، وتوسيع آفاق العلوم. وستكون هناك حاجة إلى المزيد من مثل هذه المقاربات، من أجل فهم العمليات السلوكية المعقدة، كالهجرة. كما أن ذلك سيوفِّر لنا الأدوات اللازمة لإكساب الجهود الرامية للحفاظ على الطبيعة فعاليةً أكبر في حماية ظاهرة طبيعية تُدهِشنا وتُلهِمنا، وتُمثِّل جزءًا لا يتجزأ من العديد من النُّظُم الإيكولوجية على كوكب الأرض.

References

  1. Gu, Z. et al. Nature 591, 259–264 (2021). | article
  2. Magnus, O. Historia de Gentibus Septentrionalibus (Giovanni Maria Viotto, 1555).
  3. Bridge, E. S. et al. BioScience 61, 689–698 (2011). | article
  4. Bay, R. A. et al. Science 359, 83–86 (2018). | article
  5. Wilcove, D. S. & Wikelski, M. PLoS Biol. 6, e188 (2008). | article
  6. Delmore, K. E. et al. eLife 9, e54462 (2020). | article
  7. Ramenofsky, M., Campion, A. W., Pérez, J. H., Krause, J. S. & Németh, Z. J. Exp. Biol. 220, 1330–1340 (2017). | article
  8. Delmore, K. E. et al. Proc. R. Soc. B 287, 20201339 (2020). | article
  9. Mueller, T., O’Hara, R. B., Converse, S. J., Urbanek, R. P. & Fagan, W. F. Science 341, 999–1002 (2013). | article
  10. Grönroos, J., Muheim, R. & Åkesson, S. J. Exp. Biol. 213, 1829–1835 (2010). | article

سيميون ليسوفسكي

باحث في مؤسسة تابعة لمعهد ألفريد فيجينر، هي مركز هِلمهولتز للأبحاث البحرية والنظم البيئية الأرضية القطبية، 14473 بوتسدام، ألمانيا.

ميريام ليدفوجِل

باحثة في معهد أبحاث الطيور، 26386، فيلهِلمسهافن، ألمانيا، وكذلك في معهد ماكس بلانك للبيولوجيا التطورية، بِلون، ألمانيا.

البريد الإلكتروني:  simeon.lisovski@awi.de، liedvogel@evolbio.mpg.de