رؤية كونية

لماذا ينبغي على الدول الغنية أن تتبرع بعُشر لقاحاتها؟

تشير نظريات الألعاب إلى أن التبرع بجرعات من لقاحات مكافحة الجائحة يمكن أن يساعد الدول من جميع مستويات الدخل.

جافين يامي
  • Published online:

JENNIFER SPARROW

في أثناء كتابتي لهذه السطور، تم إعطاء 191 مليون جرعة من اللقاحات المضادة لـ"كوفيد-19"، أكثر من ثلاثة أرباعها  أُعطي في 10 دول فقط. وتسهم هذه الدول بنسبةٍ قوامها 60% من الإجمالي العالمي للناتج المحلي، بينما في حوالي 130 دولة، بها 2.5 مليار شخص، لم تُعْطَ جرعة واحدة من هذه اللقاحات. وتمثل البلدان ذات الدخل المرتفع 16% فقط من سكان العالم، لكنها اشترت أكثر من نصف جرعات اللقاحات المضادة لـ"كوفيد-19".

إنّ مبلغ الأربعة مليارات دولار الذي تعهّد البيت الأبيض برصده هذا الشهر من أجل التوزيع العادل للقاحات يقدم الكثير من العون في تغطية تكلفة اللقاحات الخاصة بالدول الفقيرة. وتغيير الإطار الذي ينظِّم إبرام صفقات اللقاحات وشرح حيثياته لعموم الأفراد في الدول الغنية من شأنه أن يكسِب هذا التعهد مزيدًا من القوة.

إنني أقيمُ في الولايات المتحدة الأمريكية. ولذا، ورغم أنني من الفئة الأقل عرضة لمخاطر الإصابة بالفيروس، سأكون قادرًا على تلقّي تطعيم ضد "كوفيد-19" قبل العديد من العاملين في القطاع الصحي، وقبل الأشخاص الأكثر عرضة لمخاطر الفيروس في الدول الفقيرة. وهذا ينافي الإنصاف، ومن شأنه أن يؤدي إلى إطالة أمد الجائحة. فعندما يخرج انتشار فيروس كورونا "سارس-كوف-2" عن السيطرة، سيُفسَح له مجال أوسع للتطوُّر إلى سلالات خطرة. ومن ثم، يمكن أن يتحول تفشي مرض "كوفيد-19" في أي مكانٍ إلى تفش له في كل مكان.

ولتقديم المساعدة للحيلولة دون حدوث ذلك، يجب على الدول الغنية أن تتبرع بعُشْر مخزونها من اللقاحات إلى البقاع الأكثر فقرًا، وأن تتفاوض على صفقات شراء مباشِرة مع مُصَنّعي اللقاحات، لزيادة الإمداد العالمي من هذه اللقاحات.

وقد سعى العديد من العاملين في مجال الصحة العامة جاهدين إلى تجنب التفاوت الذي نشهده الآن في توزيع اللقاحات، إذ نَعِي أن الدول الغنية قد اكتنزت اللقاحات خلال الأوبئة السابقة، كما حدث في جائحة إنفلونزا الخنازير في عام 2009، على سبيل المثال. لذا، حاول العشرات منا ممن يعملون في مجال الصحة العالمية -خلال مكالمات أسبوعية طويلة، على مدار عدة أشهر، عبر تطبيق "زووم"Zoom - الحد من ممارسات الاكتناز هذه، والعمل على وضع آلية عالمية لتَشارُك لقاحات "كوفيد-19". وقد تمخضت تلك الجهود عن "مبادرة إتاحة لقاحات "كوفيد-19" على الصعيد العالمي"، (المعروفة اختصارًا باسم "كوڤاكس" COVAX)، التي يتشارك في قيادتها كل من التحالف العالمي للقاحات والتحصين (Gavi)، وتحالف ابتكارات التأهب الوبائي، ومنظمة الصحة العالمية. وهذه المبادرة تمثل أول "اتحاد شرائي" من نوعه، يمكن فيه للدول الغنية التعاوُن على شراء اللقاحات وتمويل تطويرها وتصنيعها، والحرص على أن يتم إرسال بعض من إمداداتها إلى البلدان الأكثر فقرًا.

ورغم انضمام حوالي 190 دولة إلى مبادرة "كوڤاكس"، ففي نهاية المطاف، اشترى ما يقرب من 36 دولة غنية معظم جرعاته عبر صفقات مباشرة مع شركات إنتاج اللقاحات، بدلاً من شرائها عبر اتحاد مبادرة "كوڤاكس". ولا تزال مبادرة "كوڤاكس" تتوقع تأمين حوالي ملياري جرعة من لقاحات "كوفيد-19" بحلول نهاية عام 2021، لكن الدول الغنية اشترت بالفعل 5.8 مليار جرعة، جرى التعاقُد على شرائها في أغلب الأحيان قبل اكتمال التجارب الإكلينيكية، من خلال صفقات ثنائية. أما مبادرة "كوڤاكس"، فلا تزال تتعرض للتجاهُل.

فما العمل الآن؟ يجب على الدول الغنية أن تسهم ببعض من جرعات لقاحاتها. فربما مقابل كل تسع جرعات تقدمها لمواطنيها، يمكنها التبرع بجرعة واحدة لمبادرة "كوڤاكس". وهذا بعيد كل البعد عن "الإنصاف"، لكنه في حدود ما هو ممكن، ومن شأنه أن يحقق فوائد أخرى إلى جانب تقليل فرص حدوث فاشيات لسلالات دخيلة على البلدان، قد تكون فعالية اللقاحات التي يجري اكتنازها أقل ضدها.

ووفقًا لتحليل لنتائج النزعات القومية في توزيع اللقاحات، انظر: (go.nature. com/37wr )، التي يتلقى في ظلها الأفراد في الدول الغنية التطعيمات فورًا، في حين يُترك أفراد الدول الفقيرة لسنوات بدون تلقّي هذه التطعيمات، قد يخسر الاقتصاد العالمي 9 تريليونات دولار أمريكي. وسوف تتكبد الدول الغنية، التي قد تُكبِح صادراتها، نصف هذه الخسائر. وسوف تستمر عرقلة سلاسل التوريد العالمية التي تسهم بدور في الصناعات، بيد أن بعض الدول بدأت تتخذ زمام المبادرة في هذا الاتجاه. وعلى سبيل المثال، تُعَد النرويج أول دولة غنية تعهدت بالتبرع بجرعات لاتحاد "كوڤاكس"، بالتوازي مع تطعيم مواطنيها (وتعتزم المملكة المتحدة التبرع بالجرعات الفائضة لديها بعد تطعيم جميع مواطنيها).

وقد لجأتُ أنا وزملائي إلى استخدام نظريات الألعاب، لتَوَقُّع ما يمكن حدوثه إذا أعادت الدول الغنية تنظيم إبرام صفقات شرائها للقاحات، لزيادة الإمداد العالمي من هذه اللقاحات (D. McAdams et al. BMJ Glob. Health 5, e003627; 2020). وفي الوقت الحالي، تُعَد كل عملية شرائية للقاح لعبة صفرية، يسفر فيها مكسب طرف عن خسارة مكافئة للطرف الآخر، بيد أن صفقات شراء اللقاحات يمكنها أن تتضمن بنودًا تُلزِم شركات تصنيع اللقاحات بمشاركة بعض معلوماتها وتقنياتها لدعم عملية إنتاج لقاحاتها عن طريق شركات مصنعة أخرى. وكمثال من أرض الواقع على ذلك، يمكن لمعهد "سيرام" في الهند تصنيع اللقاح الذي أنتجته شركة "أسترازينيكا"AstraZeneca   بالتعاون مع جامعة أكسفورد، بهدف توفير جرعات للبلدان ذات الدخول المنخفضة والمتوسطة.

وقد تمول اتفاقية شراء متقدمة أيضًا الاستثمارات المحفوفة بالمخاطر، التي من شأنها تسريع عجلة تصنيع اللقاحات. فإذا فشل أحد اللقاحات الواعدة في التجارب، يمكن استخدام منشأة تصنيعه لإنتاج لقاح مختلف وناجح، مع تخصيص جزء من جرعاته للبلدان الفقيرة. وتخلق هذه الصفقات ما يسميه الاقتصاديون بـ"التداعيات الإيجابية". فمع هذا التعاون، لن تكون عملية توزيع اللقاح العالمية لعبة تسفر عن خسارة طرف بسبب مكسب آخر.

"إذا استمرت دول العالم الغنية في اكتناز اللقاحات، فإن الجائحة العالمية سوف تستمر، ربما لفترة تمتد إلى سبع سنوات أخرى".

وقد يرفض البعض في الدول الغنية فكرة تَشارُك جرعات اللقاحات، بحجة أن الحكومات بحاجة إلى أن تضع مواطنيها في المقام الأول، وأنه لا يوجد أي سياسي قد يجازف بالتخلي عن بعض هذه الجرعات، لكن استطلاعات الرأي العام داخل العديد من تلك الدول تُظْهِر أن المواطنين يريدون من حكوماتهم أن تكون أكثر تعاونًا مع الدول الأخرى. على سبيل المثال، توصل استطلاع للرأي في المملكة المتحدة إلى أن ما يقرب من ثلثي السكان لا يريدون مَنْح الدول الغنية الأولوية في تلقي اللقاحات المضادة لـ"كوفيد-19" على حساب البلدان الفقيرة. وإذا استمرت دول العالم الغنية في اكتناز اللقاحات، فإن الجائحة العالمية سوف تستمر، ربما لفترة تمتد إلى سبع سنوات أخرى.

وتزعم حُجَج أخرى معارِضة لتَشارُك اللقاحات أن بلدانًا فقيرة عديدة -مثل منغوليا، وڤيتنام- قلصت بالفعل فاشيات مرض "كوفيد-19" بها باستخدام تدخلات غير دوائية، مثل إجراء اختبارات الكشف عن المرض، وتتبُّع مخالطي المصابين به، وارتداء الكمامات، إلا أن معاقبة الدول التي استخدمت مثل تلك الإجراءات بحرمانها من اللقاحات، فتلك المعاقَبة إجراءٌ غير منصف، فكيف سيستجيب المواطنون لنصائح الصحة العامة في الجائحة القادمة، إذا اعتقدوا أنها ستحرمهم من الحصول على اللقاح؟

مِن مصلحة الجميعِ التعاوُن لدعم الوصول إلى التطعيمات. ومخالفة ذلك تستجلب هزيمةً للذات.

جافين يامي

مدير مركز دراسة تأثيرات السياسات على الصحة العالمية في جامعة ديوك في دورهام بولاية نورث كارولينا الأمريكية.

البريد الإلكتروني:  gavin.yamey@duke.edu