أخبار

وسط المخاوف المرتبطة بالسلالات الجديدة.. الخلايا التائية القاتلة قد تعزز المناعة ضد ‎«كوفيد»

يتطلع الباحثون إلى العثور على أسلحة جديدة لصدّ هجمات "كوفيد-19"، وتوفير حماية دائمة ضده.

هايدي ليدفورد
  • Published online:
خلية تائية تستهدف جزيئات فيروس كورونا (صورة توضيحية).

خلية تائية تستهدف جزيئات فيروس كورونا (صورة توضيحية).

Credit: Juan Gaertner/SPL

مع تصاعُد المخاوف إزاء سلالات فيروس كورونا المتحوِّرة، التي يحتمل أن تكون مُقاوِمَة جزئيًا لمفعول الأجسام المضادة، تجدَّد الاهتمام بالاستجابات المناعية الأخرى، التي تَقِي من الفيروسات. وعلى وجه التحديد، تتجه أنظار العلماء إلى الخلايا التائية (وهي مجموعة من الخلايا المناعية التي يمكنها استهداف الخلايا المصابة بالفيروس، والقضاء عليها)، إذ يعلّقون عليها آمالهم في توفير درجة من المناعة ضد مرض "كوفيد-19"، حتى إن قلَّت فاعلية الأجسام المضادة في مواجهة المرض.

ويعكف الباحثون حاليًا على التدقيق في البيانات المتاحة، بحثًا عن إشارات يمكن الاعتماد عليها في قياس قدرة الخلايا التائية على المساعدة في إكساب الجسم مناعة مستدامة.

وحول هذا الشأن، تقول ديانا جرايبوش، محللة التكنولوجيا الحيوية في بنك "إس في بي ليرينك" SVB Leerink للاستثمار، الذي يقع مقره في مدينة نيويورك: "لا يغيب عنَّا أن الأجسام المضادة غالبًا ما تكون حلًا أقل نجاعة، ولكن يُحتمل أن نجد في الخلايا التائية سبيل الخلاص الذي ننشُده"، مضيفة: "الأمر منطقي من الناحية البيولوجية. وصحيح أننا لا نمتلك البيانات المؤيِّدة لهذا الطرح، ولكن لنا أن نتطلَّع إليه بعين التفاؤل".

تركزَتْ عملية إنتاج لقاح فيروس كورونا على الأجسام المضادة إلى حدٍ بعيد. ولذلك أسباب وجيهة، حسبما يرى أليساندرو سيت، عالم المناعة في معهد لاهويا للمناعة في كاليفورنيا؛ إذ يمكن للأجسام المضادة -خاصة تلك التي ترتبط بالبروتينات الفيروسية الأساسية، ومن ثم تمنع الإصابة بالعدوى- أن تتحكّم فيما يُعرف بالمناعة المُعَقِّمة، التي لا تقلل من شدة المرض فحسب، وإنما تمنع الإصابة بالعدوى من الأصل.

وعليه، فإن المناعة المعقِّمة توفِّر أعلى مستويات الحماية، ومن ثم يطمح العلماء إلى بلوغه، غير أنه يتطلب عادة أعدادًا كبيرة من الأجسام المضادة، على حد قول سيت، الذي يضيف: "سيكون هذا أمرًا رائعًا إذا تحقق، ولكن الأمور لن تجري بالضرورة على هذا النحو".

وبالإضافة إلى الأجسام المضادة، يُنتِج الجهاز المناعي وحدات من الخلايا المقاتلة، قادرة على استهداف الفيروسات. تبحث بعض هذه الخلايا، التي تُعرف بالخلايا التائية القاتلة، عن الخلايا المصابة بالفيروس، وتقضي عليها. وهناك خلايا أخرى، تعرف بالخلايا التائية المساعدة، تعد ضرورية لأداء الوظائف المناعية المختلفة، ومن بينها تحفيز إنتاج الأجسام المضادة، والخلايا التائية القاتلة.

لا تمنع الخلايا التائية الإصابة بالعدوى، بالنظر إلى أن نشاطها لا يبدأ إلا بعد مهاجمة الفيروس للجسم، غير أنها تلعب دورًا مهمًا في التخلّص من العدوى حال وقوعها. وكما تقول اختصاصية المناعة، أنيكا كارلسون، التي تعمل بمعهد كارولينسكا في العاصمة السويدية ستوكهولم، فإن الخلايا التائية قد تكون هي العنصر الحاسم في التفريق ما بين نوعين من الإصابة بمرض "كوفيد-19": إصابة طفيفة، وإصابة حادة تستدعي العلاج في المستشفى. وفي تفسير ذلك، تقول كارلسون: "لو تمكنَتْ الخلايا التائية من الفتك بالخلايا المصابة بالفيروس قبل انتقاله من المجرى التنفسي العلوي، فإن ذلك سينعكس على درجة تأثر الشخص بالمرض". كما يمكن لهذه الخلايا الحد من انتقال العدوى، وذلك عن طريق تقليص كمية الفيروس المنتشر في أنحاء الجسم؛ وهو ما يعني أن الشخص المصاب سوف ينشر كمية أقل من الفيروس في محيطه الاجتماعي.

وربما تكون الخلايا التائية أقدر من الأجسام المضادة على مقاومة التهديدات التي تنطوي عليها السلالات الناشئة؛ فقد أظهرت الدراسات التي أجراها سيت وزملاؤه أن المصابين بفيروس "سارس-كوف-2" SARS-CoV-2 يُنتِجون عادة خلايا تائية تستهدف ما لا يقل عن 15 جزءًا مختلفًا من بروتينات فيروس كورونا (A. Tarke et al. Cell Rep.Med. https://doi.org/fvqm; 2021). غير أن القطع البروتينية التي المستهدَفة تختلف اختلافًا كبيرًا من شخص إلى آخر؛ ما يعني أن المجتمع سينتج في المحصلة طيفًا عريضًا من الخلايا التائية التي يمكنها الإيقاع بالفيروس. ويقول سيت: "على خلاف ما يحدث في حالة الأجسام المضادة، فإن هذا التنوُّع في الخلايا التائية يُصَعِّب عملية تحور الفيروس إلى حدٍّ بعيد، ومن ثم إفلاته من إمكانية اكتشافه بواسطة الخلايا".

لا يغيب عنَّا أن الأجسام المضادة غالبًا ما تكون حلًا أقل نجاعة، ولكن يُحتمل أن نجد في الخلايا التائية سبيل الخلاص الذي ننشُده".

ولذلك، فعندما أظهرت النتائج المخبرية أن سلالة 501Y.V2، المُكتشفة في جنوب إفريقيا (والمعروفة أيضًا باسم B.1.351) مُقاوِمة جزئيًا للأجسام المضادة، التي أنتجها الجسم ضد سلالات فيروس كورونا السابقة، تساءل الباحثون عما إن كانت الخلايا التائية أقل تأثرًا بتلك الطفرات.

وتُشير النتائج الأولية أن ذلك قد يكون صحيحًا. ففي مسوَّدة بحثية منشورة في التاسع من فبراير الماضي، وجد العلماء أن غالبية استجابات الخلايا التائية للتطعيم ضد فيروس كورونا، أو للعدوى السابقة، لا تستهدف المناطق الطافرة في سلالتين مكتشفتين حديثًا، منهما سلالة 501Y.V2 (D. T. Skelly et al. Preprint at https://researchsquare.com/article/rs-226857/v1;2020).

ولو ظلت الخلايا التائية نشطة في مواجهة سلالة 501Y.V2، فإنها قد تَقِي من الإصابة بحالات حادة من المرض، حسبما يقول جون وِيرِي، اختصاصي المناعة في جامعة بنسلفانيا في فيلادلفيا، غير إنه يحذِّر، في الوقت نفسه، من صعوبة معرفة ذلك من خلال البيانات المتوافرة حتى الآن. ويضيف وِيرِي قائلًا: "إننا نحاول استنباط كثير من المعلومات العلمية والآلية، من بيانات لا تتوفَّر على تلك المعلومات في واقع الحال".

تحديث اللقاحات

يعكف الباحثون على تحليل بيانات التجارب الإكلينيكية لعديد من لقاحات فيروس كورونا، بحثًا عما إذا كانت ثمة دلائل على زوال فعّالية اللقاحات في مواجهة سلالة 501Y.V2. وحتى الآن، تبيَّن أن ثلاثة لقاحات -على الأقل- أصبحت أقل فعالية في الوقاية من الإصابة الطفيفة بمرض "كوفيد-19" في جنوب إفريقيا، حيث تنتشر سلالة 501Y.V2، مقارنة بالدول التي يقل فيها انتشار تلك السلالة. وهذه اللقاحات الثلاثة هي: اللقاح البروتيني الذي أنتجته شركة "نوفافاكس" Novavax، ويقع مقرها في مدينة جايثرسبيرج بولاية ميريلاند الأمريكية، ولقاح تُعطى منه جرعة واحدة، أنتجته شركة "جونسون آند جونسون" Johnson& Johnson، في مدينة نيو برونزويك بولاية نيوجيرسي، ولقاح من إنتاج شركة "أسترازينيكا" AstraZeneca، في مدينة كامبريدج البريطانية بالتعاون مع جامعة أكسفورد.

ويسعى بعض مطوِّري اللقاحات إلى إيجاد طرق إلى تصنيع لقاحات جديدة ضد فيروس كورونا، تكون قادرة على تحفيز الخلايا التائية بشكل أكثر فاعلية. ففي حالة اللقاحات القائمة على الأجسام المضادة، تَرصُد الأجسام المضادةُ البروتينات الموجودة خارج الخلية فحسب، وعدد كبير من هذه اللقاحات يستهدف البروتينات الشوكية، التي توجد على سطح الفيروس. إلا أن البروتين الشوكي "متغير إلى حدٍ بعيد"، على حد قول كارلسون، ما يعني أنه عُرضة للطفرات، وتترتب على ذلك زيادة الخطورة المتمثلة في قدرة السلالات الناشئة على الإفلات من اكتشافها بواسطة الأجسام المضادة.

وعلى النقيض من ذلك، يمكن للخلايا التائية استهداف البروتينات الفيروسية التي يُعبَّر عنها داخل الخلايا المصابة، وبعض هذه البروتينات يتَّسم بدرجة عالية من الاستقرار، حسب قول كارلسون، ومن ثم فإن هذا يطرح إمكانية تصميم لقاحات ضد البروتينات المعرضة لطفرات أقل من البروتينات الشوكية، وكذلك إدراج أهداف من بروتينات متعددة في لقاح واحد.

وقد عمدَتْ شركة "جريستون أونكولوجي" Gritstone Oncology للتكنولوجيا الحيوية، ومقرها مدينة إميريفيل في ولاية كاليفورنيا، إلى تصميم لقاح تجريبي يدمج الشفرة الجينية لأجزاء من بروتينات متعددة تعود إلى فيروس كورونا، والمعروفة بقدرتها على استثارة استجابات الخلايا التائية، إضافةً إلى دمج البروتين الشوكي كاملًا، وذلك لضمان إطلاق استجابات مناعية قوية بواسطة الأجسام المضادة. ومن المقرر أن تبدأ التجارب الإكلينيكية خلال الأشهر القليلة المقبلة.

ويأمل أندرو ألين، رئيس شركة "جريستون أونكولوجي"، أن تكون اللقاحات الحالية فعالة ضد السلالات الجديدة، وألا تكون هناك حاجة إلى اللقاح الذي تعمل شركته على إنتاجه. ويقول: "هدفنا الرئيس من هذا اللقاح أن نكون مستعدين لأسوأ الاحتمالات"، ويستدرك بقوله: "لدينا بصيصٌ من الأمل في أن يكون كل ما فعلناه مضيعة للوقت، لكن يحسُن بنا أن نكون مستعدين للتعامل مع السيناريوهات المختلفة".