أنباء وآراء

إغلاق حلقة إعادة تدوير البلاستيك الحيوي 

المواد البلاستيكية هي مواد نفيسة، غير أنَّها تستهلك الموارد البترولية، وتبقى في البيئة دون أن تتحلل. وفي هذه الدراسة، أنتج الباحثون مواد بلاستيكية عالية الأداء، مُشتقَّة من زيوت متجددة، وصمموها على المستوى الجزيئي، بحيث تكون قابلةً بالفعل لإعادة التدوير.

شارلوت كيه. ويليامز، وجورجينا إل. جريجوري
  • Published online:

أدَّت الصور الصادمة للمواد البلاستيكية المتراكمة في مكبَّات النفايات والمحيطات إلى إعادة النظر في استخدام البلاستيك. فإنتاج هذه المواد لا يستهلك موارد النفط الخام المتناقصة فحسب، بل إنَّ أغلبها لا يُعاد تدويره على نحوٍ فعال، ويلوث البيئة. وتوجد أنواعٌ عديدة من البلاستيك، لكنَّها كلها تحتوي على البوليمرات. وبينما سيتطلب حل مشكلة المواد البلاستيكية العديد من الأساليب المختلفة، فإنَّ أهمها هو ضرورة إعادة تصميم التركيب الكيميائي للبوليمرات المستخدَمة في إنتاج المواد البلاستيكية، بغرض تحسين استدامتها1. والأهداف الرئيسة في هذا الشأن هي تنويع المواد الخام المستخدَمة في صناعة المواد البلاستيكية، بحيث لا تقتصر على الوقود الأحفوري، والحفاظ على الطاقة والموارد القيمة التي تدخل في تركيب هذه المواد، وكذلك الإبقاء على جميع خصائصها المفيدة، وذلك من خلال سلاسل متعددة من عمليات إعادة التدوير، بالإضافة إلى تصميم مواد بلاستيكية يمكن تحليل بِنْيتها الجزيئية بالكامل عند الحاجة2-4. وفي بحثٍ نُشِرَ مؤخرًا في دورية Nature، قدَّم لنا الباحث مانويل هويسلر وزملاؤه5 مواد بلاستيكية لديها من الإمكانات ما يجعلها تستوفي كل هذه المعايير.

البولي إيثيلين عالي الكثافة (HDPE) هو مادة بلاستيكية تُستخدَم على نطاقٍ واسع، وتتميز باحتوائها على سلاسل طويلة مستقيمة من بوليمر البولي إيثيلين، الذي يتكون من وحداتٍ متكررة من الإيثيلين (CH2CH2). وعندما تتبلور مادة البولي إيثيلين عالي الكثافة، فإنَّها تكتسب خصائص ممتازة، تجعلها صالحةً للاستخدام في تطبيقاتٍ متنوعة، من بينها العزل الكهربائي، وصناعة الأنابيب، وزجاجات المنظفات. ويُعاد عادةً تدوير تلك المادة ميكانيكيًّا، عن طريق صهرها وإعادة معالجتها6(الشكل 1أ)، غير أنَّ المنظومة القائمة حاليًّا لمعالجة النفايات البلاستيكية تفتقر إلى الكفاءة. فقد وجدت الوكالة الأمريكية لحماية البيئة (EPA) أنَّ المواد البلاستيكية التي كانت تُستخلص من تدفق نفايات المواد البلاستيكية المختلطة ليُعاد تدويرها لم تزد نسبتها في عام 2018 على 10% من إجمالي كمية البلاستيك. وبلغت نسبة هذه المواد حوالي 30% فقط لدى استخلاصها من زجاجات البولي إيثيلين عالي الكثافة (انظر: go.nature.com/3jw8meq). كما أنَّ تقنية إعادة التدوير الميكانيكية يمكن أيضًا أن تنتج مواد منخفضة الجودة بعد كلٍ من جولاتها، وفي حال البولي إيثيلين عالي الكثافة، قد يصعب التحكم في تبلوُر المنتجات المُعاد تدويرها7-8.

شكل 1 | إعادة تصميم البولي إيثيلين عالي الكثافة (HDPE). أ. مادة البولي إيثيلين عالي الكثافة ذات الاستخدامات التجارية هي نوع من البلاستيك يُستخدم على نطاقٍ واسع، يتكون من بوليمر خامل كيميائيًّا، ويتشكل من مونومرات غير متجددة مشتقة من المواد البترولية. وعلى الرغم من إمكانية إعادة تدويرها ميكانيكيًّا (عن طريق الصهر وإعادة المعالجة)، فإنَّ هذه العملية يمكن أن تؤدي إلى تراجع أدائها. ب. من هنا، قدّم لنا هويسلر وزملاؤه5 في هذا البحث مواد بلاستيكية، لها خصائص شبيهة بخصائص البولي إيثيلين عالي الكثافة، لكنَّها تتكون من مونومرات متجددة مشتقة من النباتات، أو الطحالب الدقيقة. وتحتوي هذه المونومرات على مجموعات كيميائية عند كل من طرفيها، تشكل "نقاط انكسار" في سلاسل البوليمر الناتجة. وتسمح نقاط الانكسار هذه بإعادة تدوير البوليمر كيميائيًّا، لتحويله إلى مونومراته الأولية، التي يمكن استخدامها بعد ذلك لإعادة تصنيع البلاستيك. كما صنع الباحثون أغراضًا مختلفة باستخدام تلك المواد البلاستيكية الجديدة، منها حافظة للهواتف المحمولة، وأوضحوا أنَّ خصائص هذه المواد البلاستيكية لا تتدهور بعد كل حلقةٍ من حلقات إعادة التدوير.

شكل 1 | إعادة تصميم البولي إيثيلين عالي الكثافة (HDPE). أ. مادة البولي إيثيلين عالي الكثافة ذات الاستخدامات التجارية هي نوع من البلاستيك يُستخدم على نطاقٍ واسع، يتكون من بوليمر خامل كيميائيًّا، ويتشكل من مونومرات غير متجددة مشتقة من المواد البترولية. وعلى الرغم من إمكانية إعادة تدويرها ميكانيكيًّا (عن طريق الصهر وإعادة المعالجة)، فإنَّ هذه العملية يمكن أن تؤدي إلى تراجع أدائها. ب. من هنا، قدّم لنا هويسلر وزملاؤه5 في هذا البحث مواد بلاستيكية، لها خصائص شبيهة بخصائص البولي إيثيلين عالي الكثافة، لكنَّها تتكون من مونومرات متجددة مشتقة من النباتات، أو الطحالب الدقيقة. وتحتوي هذه المونومرات على مجموعات كيميائية عند كل من طرفيها، تشكل "نقاط انكسار" في سلاسل البوليمر الناتجة. وتسمح نقاط الانكسار هذه بإعادة تدوير البوليمر كيميائيًّا، لتحويله إلى مونومراته الأولية، التي يمكن استخدامها بعد ذلك لإعادة تصنيع البلاستيك. كما صنع الباحثون أغراضًا مختلفة باستخدام تلك المواد البلاستيكية الجديدة، منها حافظة للهواتف المحمولة، وأوضحوا أنَّ خصائص هذه المواد البلاستيكية لا تتدهور بعد كل حلقةٍ من حلقات إعادة التدوير.

كبر الصورة

بيد أن ثمة بديل لإعادة التدوير الميكانيكية، هو إعادة التدوير الكيميائية (التي تُعرف كذلك باسم تقنية إعادة التدوير مغلقة الحلقة). ففي هذه العملية، تُفكَّك البوليمرات ذات السلاسل الطويلة بعد استخدامها، لإنتاج وحدات البناء الجزيئية ذاتها (المونومرات) التي استُخدمت في الأصل لصنعها. وتكمن فائدة هذا النهج في أنَّه يمكن إعادة بلمرة هذه المونومرات على نحوٍ متكرر لإنتاج مواد تتسم بالأداء الرفيع ذاته، والخصائص ذاتها التي كانت تتسم بها المواد الأصلية، لكن لسوء الحظ، فإن هذه الاستراتيجية لا تحقق الأثر المرجو منها في حال البولي إيثيلين عالي الكثافة، لأنَّ كسر الروابط المتكونة فيما بين ذرات الكربون في هذه المادة يتطلب قدرًا كبيرًا من الطاقة. وقوة هذه الروابط تفسر أيضًا سبب بقاء البولي إيثيلين في البيئة لفتراتٍ طويلة دون تحلُّل، ومقاومته للتحلل الإنزيمي كذلك.

والآن، يفيد هويسلر وزملاؤه في بحثهم بابتكار مواد بلاستيكية تتسم بالعديد من الخصائص الأساسية التي يتمتع بها البولي إيثيلين عالي الكثافة، لكنَّها في الوقت ذاته مصممة بحيث يمكن إعادة تدويرها بالكامل بتقنية الحلقة المغلقة، إذ طوَّر الباحثون عملياتٍ كيميائية عالية الإنتاجية (تتجاوز معدلات إنتاجية تفاعلاتها نسبة 95%)، لتحويل الزيوت المُشتقَّة من النباتات أو الطحالب الدقيقة إلى بوليمرات ذات أوزانٍ جزيئية عالية. وتحتوي سلاسل البوليمرات هذه على نسبةٍ ضئيلة من روابط الكربونات أو الإسترات، وتفصل بين هذه الروابط مسافات ثابتة (الشكل 1ب). بعد ذلك، يمكن الاستعانة بتفاعلات التحلل بالإذابة المعروفة القائمة على الماء، أو الكحولات الشائعة، لتفكيك جميع سلاسل البوليمرات تمامًا، وهو ما يتيح استعادة المونومرات بالكامل تقريبًا (بنسبة 96%)، وإجراء عملية إعادة تدوير مغلقة الحلقة. وقد أشار الباحثون إلى أنَّ عزل المونومرات من تفاعلات التحلل بالإذابة يجري عبر عمليةٍ بسيطة ومباشرة، وأنَّه يمكن إعادة بلمرة المونومرات بنجاح مرةً أخرى، لإنتاج مواد تحتفظ بخصائص المادة البلاستيكية الأصلية.

ويتمثل أهم إنجازات هذا البحث في أنَّه يقدم في الوقت نفسه حلولًا لعدد كبير من التحديات الصعبة التي عرقلت التقدم في مجال البوليمرات المستدامة لفترةٍ طويلة. فعلى مدار عقود عديدة، عمل باحثون من تخصص هويسلر وزملائه ذاته على تطوير العمليات الكيميائية المستخدَمة حاليًّا في تحويل الزيوت الطبيعية إلى مونومرات مفيدة9. أمَّا هنا، فيستخدم الباحثون عملية تحفيز عالية الكفاءة (معدلات إنتاجية تفاعلاتها تتراوح من 80% إلى 90%)، لإضافة مجموعاتٍ كيميائية على نحوٍ انتقائي عند نهايات المونومرات. وتشكِّل هذه المجموعات أساس "نقاط الانكسار" المرغوبة في البوليمرات. وتجري بعد ذلك بلمرة المونومرات باستخدام طرق معروفة. وقد وجد الباحثون أنَّ استخدام مونومر مشترك معين (كربونات ثنائي الإيثيل) في تفاعل البلمرة يتيح تكوين بوليمرات عالية الوزن الجزيئي. وهذا ضروري لإنتاج مواد بلاستيكية تُطابِق الخصائص الحرارية والميكانيكية للبولي إيثيلين عالي الكثافة، وخصائصه في عمليات المعالجة التي يخضع لها.

كما بيَّن هويسلر وزملاؤه أنَّه يمكن معالجة تلك المواد البلاستيكية الجديدة باستخدام تقنياتٍ صناعية شائعة، مثل القولبة بالحقن، والطباعة ثلاثية الأبعاد، وأوضحوا أيضًا إمكانية أن تُضاف إليها الملونات، أو ألياف الكربون (التي تُستخدم على نطاقٍ واسع كإضافاتٍ لتقوية البوليمرات). وأوضح الفريق كذلك أنَّ حل تلك المواد الجديدة بالإذابة يجري على نحوٍ انتقائي عند خلطها بالمواد البلاستيكية التقليدية، مثل مادة البولي إيثيلين تيرفثالات التجارية (PET)، التي تُستخدم على نطاقٍ واسع في صنع زجاجات المشروبات، والتي قد يُعاد تدويرها هي الأخرى كيميائيًّا بتفاعلات التحلل بالإذابة. وتشير هذه النتيجة الدالة على جدوى الفكرة إلى أنَّ إعادة التدوير الانتقائية لتلك المواد البلاستيكية الجديدة قد تصبح ممكنةً في المستقبل.

وعلى الرغم من أنَّ نتائج الدراسة واعدة للغاية، من المهم أن ندرك أنَّ هذا العمل لا يزال بحثًا أساسيًّا في مراحله الأولى، فالكمية التي استخدمها الباحثون للبرهنة على إمكانية إعادة تدوير تلك المواد لإنتاج بوليمراتٍ جديدة من بوليمراتها الأولية لم تتجاوز 20 جرامًا. وستكون هناك حاجة إلى مزيد من الأبحاث لتطبيق عملية إعادة التدوير هذه على منتجات الصناعة وعملياتها واسعة النطاق. كما تظل هناك معضلاتٍ هندسية كبرى لم تُحَلّ بعد، تتعلق بمراحل أخرى من دورة حياة بوليمرات تلك المواد، منها صعوبة إيجاد طرقٍ لإنتاج المونومرات المشتقة من الكتلة الحيوية على نطاقاتٍ كبيرة، فضلًا عن صعوبة تطوير العمليات الصناعية اللازمة لإنتاج تلك المواد البلاستيكية، وتشكيلها، وإعادة تدويرها.

وإضافةً إلى ذلك، قد تصعِّب اعتبارات اقتصادية نجاح هذه الجهود. فالمواد البلاستيكية المستخدمة في الصناعة، مثل البولي إيثيلين عالي الكثافة، تُنتج بملايين الأطنان، ويُباع عادةً الكيلوجرام الواحد منها بسعرٍ يتراوح من دولار واحد إلى ثلاثة دولارات. صحيحٌ أنَّه من غير المعقول أن نتوقع أن تنافس أي مادةٍ بلاستيكية جديدة المواد الأخرى من حيث التكلفة في غضون وقتٍ قصير من ابتكارها، لكنَّ تلك المشكلات المتعلقة بالأسعار تصعِّب بشدة طرح مواد بلاستيكية جديدة.

ونحتاج أيضًا إلى الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بمدى تكامل هذه المواد البلاستيكية الجديدة مع أنظمة إدارة النفايات الحالية، فلو أنَّها ستحل محل البولي إيثيلين عالي الكثافة، لا بد أن نثبت توافُقها مع جميع الطرق المستخدمة لفصل النفايات البلاستيكية في المرافق والمناطق الجغرافية المختلفة. كما أنَّه بخلاف أغلب استراتيجيات إعادة التدوير المستخدمة حاليًّا، تتطلب تقنية إعادة التدوير الكيميائية التي قدّمها هويسلر وزملاؤه وجود محطة معالجة كيميائية، غير أنَّ العمليات الكيميائية التي أشاروا إليها تبدو مناسبةً تمامًا للاستخدام مع الطرق الصناعية، وهذا مشجع. وإضافةً إلى ذلك، فإنَّ المنظومة التي يقدمها الباحثون تبدو متوافقةً مع التشريعات الأوروبية، التي تُلزِم المصنِّعين بتحمل مسؤولية المواد البلاستيكية في منتجاتهم، بعد أن يستخدمها المستهلكون.

وهذا الإنجاز الذي حققه هويسلر وزملاؤه ملهم وباعث على الحماس، نظرًا إلى التحديات شديدة الصعوبة التي تعوق ابتكار مواد بلاستيكية تتفوق في خصائصها على غيرها من المواد، ويمكن اشتقاقها من مصادر متجددة، وتتسم بالتوافُق مع تقنيات التصنيع والمعالجة واسعة النطاق، وبقابلية تدويرها بالكامل، إذ لا تفي بكل هذه المعايير سوى مواد قليلة. كما أنَّ دراسة الباحثين تُعَد مثالًا ممتازًا على قدرة الابتكار العلمي على حل المشكلات من جميع جوانبها، بدلًا من التركيز فقط على بعض أبعادها. ولا بُد أن ننطلق في الدراسات القادمة من التقييمات التي وفرها لنا هذا البحث عن دورة حياة المواد، لإدخال مزيدٍ من التحسينات على استدامتها. وبوجه عام، يجب على المجتمع أيضًا أن يطالب جهات التصنيع بتوفير تقييماتٍ مماثلة لدورات حياة المواد البلاستيكية المستخدمة حاليًّا، وبوضع تقديراتٍ لجميع آثارها البيئية، كي تصبح أولوياتنا واضحة عند النظر في بدائلها.

References

  1. Science to Enable Sustainable Plastics. A White Paper from the 8th Chemical Sciences and Society Summit (CS3); available at go.nature.com/3pfImyw (2020). 
  2. Rahimi, A. & García, J. M. Nature Rev. Chem. 1, 0046 (2017). | article
  3. Coates, G. W. & Getzler, Y. D. Y. L. Nature Rev. Mater. 5, 501–516 (2020). | article
  4. Fortman, D. J. et al. ACS Sustain. Chem. Eng. 6, 11145–11159 (2018).| article
  5. Häußler, M., Eck, M., Rothauer, D. & Mecking, S. Nature 590, 423–427 (2021). | article
  6. Ellen MacArthur Foundation. The New Plastics Eeconomy: Rethinking the Future of Plastics & Catalysing Action (2017).
  7. Vollmer, I. et al. Angew. Chem. Int. Edn 59, 15402–15423 (2020). | article
  8. Oblak, P., Gonzalez-Gutierrez, J., Zupančič, B., Aulova, A. & Emri, I. Polym. Degrad. Stab. 114, 133–145 (2015).| article
  9. Stempfle, F., Ortmann, P. & Mecking, S. Chem. Rev. 116, 4597–4641 (2016).| article

شارلوت كيه. ويليامز، وجورجينا إل. جريجوري تعملان في قسم الكيمياء بجامعة أكسفورد، أكسفورد OX1 3QR، المملكة المتحدة. وقد كشفت ويليامز وجود تضاربٍ في المصالح من الناحية المالية بمشاركتها في هذا التقرير (انظر: go.nature.com/2ncg7gl).

البريد الإلكتروني: charlotte.williams@chem.ox.ac.uk