افتتاحيات

نظرة عامة على دراسات الجينوم البشري على مدار 20 عامًا

على الباحثين والصحفيين وجهات التمويل أن يجددوا التزامهم بتحرِّي سياسات منصفة، وبالمشاركة المفتوحة للبيانات، حتى تتحقق أهداف "مشروع الجينوم البشري".

  • Published online:

فتحَتْ المسودات البحثية الأولى عن الجينوم البشري، التي نشرتها دوريتا Nature، وساينس Science قبل عشرين عامًا، الباب على مصراعيه أمام ما تنبأ البعض بأنه سيكون "قرن ثورات حقل البيولوجيا". ففي غضون السنوات العشرين الأولى من القرن الحالي، تطورت حصيلتنا المعرفية عن الجينوم البشري من مجرد بيانات مليئة بالثغرات والأخطاء لتسلسلين جينوميين، إلى وصف شامل للتنوع الجيني بين مئات الآلاف من الأفراد من أنحاء العالم كافة. كما بدأ عدد الأدوات المتاحة لدراسة هذا التنوع يتزايد. ويعرض هذا العدد الخاص من دورية Nature الآفاق التي وصلنا إليها بفضل تسلسل الجينوم البشري، والأشواط التي ما زال علينا أن نقطعها للوصول إلى آفاق أبعد، بيد أن بعضًا من جوانب منظومة أبحاث الجينوم البشري لم يتغير إلا بالكاد، الأمر الذي يبقى مدعاة للقلق.

وإلى اليوم، لم يُحسَم الكثير من المشكلات التي ينطوي عليها مبحث الجينوم البشري، سواء من القضايا الأخلاقية، أم القانونية، أم الاجتماعية، بما في ذلك موضوعات معينة، مثل خصوصية المشاركين في الدراسات الجينومية، والحصول على موافقات طوعية ومستنيرة منهم، للإسهام في مثل هذه الدراسات، والتمثيل المنصف لمختلف الأطياف في جموع الباحثين والمشاركين في هذه الأبحاث. كما تتفاوت إلى اليوم إتاحة الوصول الحر والمفتوح للبيانات الجينومية. على سبيل المثال، أشار باحثون في الأسبوع الثاني من فبراير الجاري إلى المشكلات التي ترتبت على القيود المفروضة على الوصول إلى بيانات جينومات فيروس كورونا الجديد، حتى ونحن في غمرة جائحة. لذا، على الباحثين والصحفيين وجهات التمويل التصدي لتلك القضايا، إذا كانوا عازمين على تحقيق أهداف "مشروع الجينوم البشري" Human Genome Project الواعدة، من أجل الوصول إلى فهم أفضل للأمراض، وتطوير أدوات تشخيصها ووسائل علاجها.

أُتيحت المسودة البحثية سالفة الذكر التي نشرتها دورية Nature عن الجينوم البشري للوصول الحر إليها فورًا، بل في الواقع كانت أولى النتائج التي أسفرت عنها جهود تجميع الجينوم البشري قد نُشِرت رقميًّا قبل ذلك بسبعة أشهر. وجاء ذلك سيرًا على "مبادئ  برميودا"Bermuda Principles ، وهو اتفاق بشأن مشاركة البيانات، وَقَّعَه أعضاء الاتحاد الدولي الذي جعل تنفيذ "مشروع الجينوم البشري" ممكنًا.

وقبل ذلك، في عام 1996، أعلنت دورية Nature التزامها بمبادئ إتاحة الوصول المفتوح إلى البيانات المتعلقة بأبحاث الجينوم. وعبر نشر أول ورقة بحثية لـ"مشروع الجينوم البشري"، أبدت تعاوُنها مع مبادرة ذات تمويل حكومي، تلتزم بمبادئ المشاركة المفتوحة للبيانات، بيد أن دورية Nature أقرت بالتحديات التي ستواجه الجهود الساعية إلى ضمان استمرار انتقال البيانات بحُرّية، وبلا قيود، وبأنه قد يتعين على المجتمع البحثي تقديم بعض التنازلات في سبيل إنفاذ تلك المبادئ، عندما تكون الشركات الخاصة هي مصدر البيانات، على سبيل المثال. وبالفعل، في عام 2001، استطاع زملاؤنا في دورية "ساينس" Science، بعد عدد من المفاوضات، نشْر المسودة البحثية عن الجينوم البشري، التي أنتجتها "شركة سيليرا" Celera Corporation، الكائنة في مدينة روكفيل بولاية ميريلاند الأمريكية. وبالرغم من أن هذه الورقة البحثية أُتيح الوصول الحر إليها فورًا، فقد كان هناك بعض القيود على مطالعة بياناتها كاملة.

وبعد مرور 20 عامًا، بدأنا نعهد المساومات والعراقيل التي تعطل عجلة البحث العلمي في ثلاثة من مجالات أبحاث الجينوم، هي: جمع البيانات من المشاركين في الأبحاث، وإيداع هذه البيانات في قواعد بيانات متاحة لعموم الأفراد، وإتاحة البيانات للباحثين والعاملين في مجالات الرعاية الصحية. وحتى الآن، لم يتحقق الأمل في خلق بيئة بحثية يُتاح فيها تمامًا الوصول المفتوح إلى البيانات.

وإذا كان لدراسات الجينوم أن تُطْلِق ثورة حقيقية في الطب، فيجب أن يُدمَج بينها وبين بيانات الأنماط الظاهرية، أي تلك البيانات المتعلقة بالخصائص الفسيولوجية، والتاريخ الطبي، وسمات أخرى مميَّزة يمكن أن ترتبط بتبايُن الجينوم البشري، بيد أن العملية التي تُجمع بها هذه البيانات تعزز احتمالية خرق خصوصية المشاركين في الدراسات، الذين بدأوا الآن –عن وجه حق– يتملكون المزيد من مقاليد السيطرة على مجريات هذه العملية، على سبيل المثال، باختيار الكيفية التي تُستخدَم بها بياناتهم. كما يجب تقييم ممارسات العلماء في الدراسات لضمان الحصول على الموافقات اللازمة من المشاركين وحماية مصالحهم.

وتتمثل الخطوة التالية في إيداع بيانات التسلسلات الجينومية التي جُمِعت وغيرها من البيانات المصاحِبة في قواعد بيانات دولية معتمدة، قادرة على الاستمرار في حماية هذه المصالح، بيد أن الباحثين يفيدون عادةً بعجزهم عن إيداع هذه البيانات سريعًا، مشيرين إلى مشكلات تتعلق بخصوصية المشاركين في الدراسات، وبالحصول على موافقاتهم، أو وجود اتفاقات مسبقة مع الشركات التي قدمت بعضًا من البيانات. كما أن بعض أوجه القصور الفنية تجعل عملية إيداع البيانات تستغرق الكثير جدًّا من الوقت، إذ ينتج العلماء كمًّا متزايدًا من البيانات التي يتفاقم تعقيدها، والتي تفوق القدرة الاستيعابية لمستودعات تخزينها محدودة الموارد.

وأخيرًا، يواجه الباحثون صعوبة في العثور على البيانات، التي ينبغي إتاحتها مع الأبحاث المنشورة فورًا. وحتى بعد العثور عليها، فقد يواجهون صعوبات في الوصول إليها.

قصور في التنوع

خلال السنوات التي تلت نشر "مشروع الجينوم البشري" لأولى مسوداته عن التسلسل الجينومي البشري، تَبيَّن للباحثين أن بيانات الحمض النووي الخاصة بالأشخاص من ذوي الأصول الأوروبية، الذين يعيشون في دول ذات دخول مرتفعة، ممثَّلة بصورة مفرطة في قواعد بيانات الجينوم.

ومن الضروري لما يُعد شاملًا بحق من قواعد البيانات ومستودعات تخزين البيانات الرقمية أن يعكس كما ينبغي التنوع الجيني الشاسع للبشرية. والإخفاق في تحقيق ذلك على مدار عقدين من الزمان يُذَكِّرنا بما للعلم من تاريخ، هُمِّشت فيه قطاعات من البشرية، وتعرضت لإساءة المعاملة، لا سيما من الأفريقيين والسكان الأصليين. ومن هنا، يتخوف كثيرون من أفراد هذه المجتمعات –لأسباب يمكن تفهُّمها– من المشارَكة في أبحاث يجدون فيها أملًا ضعيفًا في تقديم النفع لهم، بل ويرون فيها ضررًا محتملًا لهم، فعلى سبيل المثال، عندما يُعزَى بعض الأمراض إلى فئة بعينها من البشر، فقد يؤدي ذلك إلى تعَرُّض أفراد تلك المجموعة السكانية للوصم والتمييز.

وقد دعت لجنة من الباحثين، شَكّلتها الأكاديمية الأفريقية للعلوم، بعض جهات التمويل الدولية لإيلاء اهتمام أكبر لاحتياجات مَن يسهمون ببياناتهم في دراسات الجينوم ولرغباتهم. ويتضمن ذلك إبرام اتفاقات معهم لطلب موافقة طوعية مستنيرة منهم على المشاركة في الأبحاث، بحيث توائم هذه الاتفاقات -بدرجة أكبر- أغراض البحث العلمي المحددة، بدلًا من طلب موافقتهم العامة، كما يحدث في أغلب الأحيان. وفي النهاية، فإن الطريقة المثلى لمباشرة الأبحاث هي أن تقوم على البحث فِرَق مكونة من أشخاص من عدة مجتمعات، يضطلعون بأدوار متساوية في العملية البحثية، ويتساوون في إسهامهم في مخرجات البحث.

ومع حلول ذكرى الإنجاز البارز المتمثل في نشر أولى المسودات البحثية عن تسلسل الجينوم البشري، يجب على مجتمع أبحاث الجينوم حول العالم –وهو يشمل جهات التمويل، والصحفيين، والباحثين، والمشاركين في هذه الأبحاث- تجديد التزامه بالمشاركة المفتوحة للبيانات. وفي الوقت ذاته، يجب على الباحثين بناء علاقات تعاوُن أقوى مع المشاركين في الأبحاث، من خلال تخصيص وقت أكبر للتواصل معهم، وبناء علاقة قائمة على الثقة معهم، والاستماع لهم، والتصدي لمخاوفهم. ويجب أن تُعَد هذه الخطوة جزءًا مهمًّا من أبحاث الجينوم، كما أنها ستكون محورية لمستقبل هذه الأبحاث.

"إن سرعة مشاركة البيانات قد تعود بمنافع كبرى على العِلْم، الذي من خلاله تعود هذه المشاركة بالنفع على المجتمع ككل".

نحتاج أيضًا إلى الالتزام بتحسين جودة مستودعات تخزين البيانات الرقمية، بحيث يُتاح الوصول إليها بدرجة أكبر، ولا تثقل كاهل مَن يريد الإسهام فيها بالأعباء. كما يجب أن تعكس طريقة إدارة هذه المنصات قدرًا أكبر من التنوع في وجهات النظر، ليس فقط وجهات نظر مجتمع أبحاث الجينوم العالمية، ولكنْ كذلك وجهات نظر الأشخاص الذين تستخدم هذه المنصات بياناتهم.

وكما رأينا بصورة متكررة خلال الجائحة، فإن سرعة مشاركة البيانات قد تعود بمنافع كبرى على العِلْم، الذي من خلاله تعود هذه المشاركة بالنفع على المجتمع ككل. وقد حان الوقت لدعم هذه الأسس، وتطوير ممارسات مشاركة البيانات، على أن تقوم دائمًا على أسس من الإنصاف والاحترام.