أخبار

كيف يرى العلماء خطة بايدن الطموحة لمكافحة مرض ‎«كوفيد-19‎»

تحمل الاستراتيجية في طيَّاتها تعهدًا بالأخذ بالمنهج العلمي.. والباحثون يتوقعون أن تواجهها عقبات عدّة.

إيمي ماكسمن، ونيدهي سوبارامان

  • Published online:
الرئيس الأمريكي جو بايدن يقدم خطته لمكافحة مرض "كوفيد-19"، وإلى يمينه تقف نائبته كامالا هاريس.

الرئيس الأمريكي جو بايدن يقدم خطته لمكافحة مرض "كوفيد-19"، وإلى يمينه تقف نائبته كامالا هاريس.

Credit: Mandel Ngan/AFP/Getty

المساواة في الرعاية الصحية، وتسريع وتيرة التحصين، واتباع طريقة أكثر ذكاءً في إجراء الفحوص، تلك هي الأركان الأساسية لاستراتيجية التعامل مع مرض "كوفيد-19"، الواقعة في 200 صفحة، التي أصدرتها إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن في الواحد والعشرين من يناير الماضي، قبل أن يتخطى عدد الوفيات في البلاد 420 ألف شخص من جرّاء الإصابة بفيروس كورونا. وقد تعهَّدت الإدارة -حسبما ورد في الخطة- "بالإنصات إلى رأي العِلْم"، ما يمثل تحولًا عن نهج الرئيس السابق دونالد ترامب، الذي أضفى في بعض الأحيان طابعًا سياسيًّا على الأدلة العلمية، وتجاهَل توصيات الصحة العامة.

وقد نشر عديد من الباحثين تغريدات على موقع "تويتر" Twitter، أعربوا فيها عن شعورهم بالارتياح إزاء الدور المحوري الذي تحتله الأدلة العلمية في خطة بايدن؛ إذ راحوا يحتفون بوجود استراتيجية وطنية على درجةٍ عالية من التنظيم لمواجهة الوباء، بعد شكواهم من أن فشل ترامب في إقرار مثل هذه الاستراتيجية قد عرقل عمليات فحص المصابين، وتتبُّع المخالطين، وغيرها من التدابير الضرورية لكبح جماح الجائحة.

وحول هذه الاستراتيجية، عَلَّق جيه. ستيفن موريسون قائلًا: "لنا أن ننظر إليها باعتبارها علامةً فارِقة". وموريسون هو مدير سياسة الصحة العالمية بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بالعاصمة الأمريكية واشنطن، الذي شَبَّه استراتيجية بايدن بحركة التعبئة الوطنية في أوقات الحروب.

وتقول جانيت هاميلتون، المديرة التنفيذية لمجلس اختصاصيِّي الأمراض الوبائية على مستوى الولايات والأقاليم، ومقره مدينة أتلانتا بولاية جورجيا، إن المبادرة بالإعلان عن خطة فيدرالية لَهِو أمر يبشر بالخير. وأضافت قائلة: "إنه لمن دواعي سرورنا حقًّا أن نشهد إصدار الاستراتيجية الوطنية، التي إنْ دلَّت على شيء، فإنما تدلُّ على أن لدينا مسارًا منسقًا يقودنا إلى الأمام".

ورغم ذلك، يقول العلماء الذين عملوا لفترة طويلة على الاستجابة الأمريكية لفيروس كورونا إن استراتيجية بايدن بحاجة إلى مزيد من التفصيل، لا سيما فيما يخص التمويل، وتوفير الكوادر اللازمة للتنفيذ، والإجراءات الخاصة ببعض المبادرات، مثل الخطة التي تهدف إلى توسيع نطاق رصد السلالات الجديدة المتحوِّرة من فيروس كورونا "سارس-كوف-2" SARS-CoV-2.

تركز خطة بايدن، في أحد جوانبها، على الفحوص؛ إذ تهدف الخطة إلى ضمان إخضاع جميع السكان لفحوص الكشف عن الإصابة بفيروس كورونا بصفة دورية، وذلك من خلال زيادة عدد المواقع التي يمكن فيها إجراء تلك الفحوص، إلى جانب التوسُّع في إنتاج الفحوص السريعة. وتقول هيلين تشو، الباحثة في مجال الأمراض المعدية بجامعة واشنطن في مدينة سياتل، إن توسيع نطاق الفحوص سيكون أمرًا مهمًّا، ولكنه لن يكون كافيًا، ما لم تشمل تلك الفحوص المجتمعات المحلية الأكثر تضررًا. وزادَتْ على ذلك بقولها إنَّ على الحكومة الأمريكية التفكير في كيفية التوسع في إجراء الفحوص المنزلية للأشخاص الذين لا يستطيعون الذهاب إلى مواقع الفحص، لارتباطهم بالتزامات العمل، أو واجبات رعاية الأطفال، أو نظرًا إلى ندرة وسائل المواصلات.

وهناك جانبٌ ثانٍ من خطة إدارة الرئيس بايدن يتمثل في التوسُّع في رصد السلالات الجديدة، محتملة الخطورة، من فيروس "سارس-كوف-2" في أنحاء البلاد، غير أن تشو تتطلَّع إلى إقرار استراتيجية منهجية، لتحديد تسلسل جينوم فيروس كورونا عبر البلاد، خلافًا لما يقوم به الباحثون الآن من إجراء الأبحاث على عينات تَصادَف أن حصلوا عليها من خلال مشروعات متفرقة. وقالت: "في اللحظة الراهنة، يُلاحَظ أن مَعامل الأبحاث الأكاديمية تُجرِي عمليات الرصد «بالقطعة»، أي ليس على المستوى المُنسّق عالي الفعَّالية، اللازم للتعرف على السلالات الجديدة من الفيروس، والتصدي لها بالسرعة الواجبة".

تنادي استراتيجية بايدن بإنشاء لوحة متابَعة أفضل على شبكة الإنترنت، بغرض تعقب تفشي الفيروس في المدن والبلدات عبر الولايات المتحدة الأمريكية، بحيث يستطيع الأفراد والمسؤولون اتخاذ قرارات مستنِدة إلى الأدلة بخصوص الأنشطة التي تنطوي على اختلاط اجتماعي، أو فتح المكاتب والمدارس. وتتضمن الخطة تعهُّدًا بتحديث نظم البيانات المستخدَمة داخل نظام الرعاية الصحية الأمريكية، بالنظر إلى أنها غير محدَّثة في أكثر الأحيان.

"نحن بحاجة إلى استثمار جدي في الموارد، بهدف بناء طرق بيانات فائقة السرعة".

لا تُخفي هاميلتون سعادتها بهذا الهدف؛ ولكنها تنبِّه إلى أنه لن يكون بالإمكان تحقيقه حتى يتوفر التمويل، مضيفة: "نحن بحاجة إلى استثمار جدي في الموارد، بهدف بناء طرق بيانات فائقة السرعة".

وعلى صعيد آخر، تعرب هاميلتون وتشو عن قلقهما من أن امتلاك المزيد من البيانات، بل وتنظيم مؤتمرات صحفية دورية من قِبل المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC) –اللذين يمثلان جانبًا آخر من خطة بايدن– لن يتغلبا على طوفان المعلومات الخاطئة التي تحيط بمرض "كوفيد-19"، إذ ترى هاميلتون أن الأفراد الذين يرغبون في الحصول على إجابات تستند إلى الأدلة بخصوص الثقة في الفحوص، وأمان اللقاحات، إلى غير ذلك من الأسئلة، يجدون مشقَّة في سبيل الحصول عليها من خلال شبكة الإنترنت. وتقول: "إننا في حاجة حقيقية إلى البحث عن طريقة تُعِيننا على أن نقدِّم للجمهور معلومات واضحة كل الوضوح".

تسريع جهود توفير اللقاح

سعيًا إلى تحقيق الهدف الطموح، المتمثل في توفير مئة مليون جرعة لقاح لسكان الولايات المتحدة خلال المئة يوم الأولى من رئاسة بايدن، يعتزم الفريق إنشاء مئة مركز تطعيم، تديرها الحكومة الفيدرالية، ووحدات تطعيم متنقلة في المناطق التي تعاني من نقص الخدمات، واستغلال المحال التجارية والملاعب الرياضية لهذا الغرض، بحيث تُجرى فيها عمليات التطعيم. ومن بين هذه الجهود المتلاحقة، زيادة عدد متلقي التطعيمات، ليشمل الأطباء المتقاعدين، أو المتدربين الأجانب، بالإضافة إلى طلاب كليات الطب، إلى جانب توجيه العاملين (مثل أطقم التمريض، ومساعدي الأطباء، والأطباء) من مختلف الجهات الفيدرالية لمساعدة الولايات.

سوف يتطلَّب تنظيم العمل بين هذا العدد الكبير من الأطراف الفاعلة الجديدة وجود تعليمات واضحة، على حد قول سعد عمر، اختصاصي اللقاحات، ومدير معهد ييل للصحة العالمية في مدينة نيو هيفن، بولاية كونيتيكت. فعلى سبيل المثال، في بداية طرح اللقاح في الولايات المتحدة، لم تتلق غالبية مراكز التطعيم تعليمات بخصوص الكيفية التي تُجرى بها عملية إعادة توزيع الجرعات غير المستخدَمة، المتبقية بحلول نهاية اليوم. ولا عجب في ذلك، فالأشخاص الذين يحجزون مواعيد لتلقِّي التطعيم لا يتقيَّدون بها دائمًا، على حد قول عمر، غير أنَّ بعض الولايات قد شَرَع بالفعل في وضع هذه التعليمات.

إنّ هذه المواقع سوف تواجه عقبات استثنائية، غير متوقعة في الأحوال العادية، ولذلك.. يتعيَّن على مسؤولي الصحة الاستعداد لمواجهتها أيضًا. يقول عمر: "نجاح برامج التطعيم أو فشلها متوقف على «التخطيط الجزئي» الذي يُجرى على المستوى المحليّ".

وإضافةً إلى كل ما تَقدَّم، تشدد خطة بايدن على مبدأ المساواة في الرعاية الصحية. كان الرئيس قد شكّل "فرقة العمل المعنية بالمساواة في الرعاية الصحية المرتبطة بمرض كوفيد-19"، من أجل ضمان تحقيق "استجابة عادلة للجائحة". ومِن المعلوم أن احتمالية وفاة شخص ذي أصول هسبانية أو سوداء من جرّاء الإصابة بالمرض في الولايات المتحدة أعلى بمقدار 2.8 مرة من نظرائهم البيض غير الهسبانيين، وتكون هذه النسبة 2.6 مرة في حالة الأشخاص الذين ينتمون إلى سكان أمريكا الأصليين.

يتوجَّب على فرقة العمل هذه أن تعمل بالتنسيق مع فريق الاستجابة الفيدرالي بأكمله، وأن يكون لديها إدراك واضح للأهداف، على حد قول جويل مولين، نائبة عميد قسم المساواة في الرعاية الصحية بكلية طب ديل بجامعة تكساس بمدينة أوستن، التي تقول: "ينبغي أن تُراعَى المساواة عند كل جانب من جوانب هذه العملية".

وبعيدًا عن فرقة العمل، تتناول الاستراتيجية طرقًا لتوفير اللقاحات للمجموعات السكانية الأكثر عرضة للخطر، ومجتمعات الملونين، وتقديم المعلومات عنهم. كما تشير إلى اعتزام الإدارة "مراعاة العدالة في إعادة فتح" الكليات، مشيرةً إلى أن الطلاب الذين ينتمون إلى أُسرٍ منخفضة الدخل كانوا أكثر عرضة لإلغاء خطط التحاقهم بالكليات خلال العام الماضي.

إنّ إجراء تغيير جذري في إمكانية الحصول على خدمات الرعاية الصحية سيستغرق وقتًا، حسبما أوردت رايتشيل هاردمان، التي تُعنَى بالبحث في مجال المساواة في الصحة الإنجابية بكلية الصحة العامة بجامعة مينيسوتا في مدينة مينيابوليس، في رسالة بريد إلكتروني لدورية Nature؛ حيث كتبَتْ تقول: "إن أزمة «كوفيد-19» قد فاقمت أوجه عدم المساواة والعنصرية الممنهجة في منظومتنا، وإنْ كانت حاضرة بطريقة أو بأخرى منذ 400 عام، وأبرزتها بشكل واضح". وأردفَتْ قائلة: "ينبغي أن تُتخذ من جهود التصدي لمرض "كوفيد"، والتخفيف من وطأته، نقطة انطلاق لتأسيس منظومات وبِنى جديدة، من شأنها أن تقود إلى تحقيق المساواة".

ومن بين المَحاور التي ترتكز عليها خطة بايدن: العمل على تضافر الجهود العالمية المبذولة لمكافحة الجائحة. ففي يوليو الماضي، شرع ترامب في إجراءات الانسحاب من منظمة الصحة العالمية، إثر اتهامها بتجاهل تقارير حول انتشار الفيروس في الصين. وما هي إلا فترة وجيزة، حتى بعث 750 خبيرًا في الصحة العالمية خطابًا إلى الكونجرس الأمريكي، تَضَمَّن تأكيدًا على أن تلك الاتهامات لا تقوم على دليل، وأنّ "الانسحاب سيكبِّدنا -على الأرجح- خسائر في الأرواح".            

جاء في استراتيجية بايدن لمكافحة "كوفيد-19" أن الولايات المتحدة سوف تعود إلى منظمة الصحة العالمية، وسوف تقدِّم التمويل والدعم اللازمين لإجراء إصلاحات تخصّ المنظمة، بحيث تكون أكثر استعدادًا للاستجابة إلى الطوارئ الصحية في المستقبل. وتنص الخطة أيضًا على أن البلاد تعتزم الانضمام إلى مبادرة "كوفاكس" COVAX، التابعة لمنظمة الصحة العالمية، التي تهدف إلى توفير اللقاحات في جميع أنحاء العالم. وفي إطار سعي بايدن إلى مكافحة الجوائح المستقبلية، سوف يدشّن المركز القومي لتقصي الأوبئة وتحليل الفاشيات.

ويقول موريسون إن الانضمام إلى منظمة الصحة العالمية ومبادرة «كوفاكس» يمثل "خطوة بالغة الأهمية"، غير أنه يستدرك مؤكدًا أن أمامنا طريقًا طويلًا لتوفير اللقاحات للدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط. يقول: "إلى أي مدى سيكون هذا الأمر ضمن قائمة أولويات الإدارة الجديدة، إذا كنا نعاني سلسلةً من الأزمات الطاحنة على المستوى الوطني: من الجائحة المستشرية في ربوع البلاد، إلى الأزمة الاقتصادية، إلى الصراع العنصري، إلى تلك الشريحة التي لا يُستهان بها من الأمريكيين الذين لا يصدقون أن بايدن قد فاز في الانتخابات؟"