أخبار

أضرار «كوفيد-19» على الصحة النفسية: العلماء يتتبعون ارتفاع مستويات الاكتئاب

باحثون يستعينون بمجموعات هائلة من البيانات لفك شفرة العلاقة بين تدابير التصدي لفيروس كورونا، والتغيرات التي تطرأ على صعيد الصحة النفسية للأفراد.

أليسون أبوت
  • Published online:
العزلة والخوف من العدوى من العوامل التي تسهم في زيادة القلق والاكتئاب.

العزلة والخوف من العدوى من العوامل التي تسهم في زيادة القلق والاكتئاب. 

Credit: RenataAphotography/Getty

مع دخول جائحة "كوفيد-19" عامها الثاني، تسببت سلالات جديدة سريعة الانتشار من الفيروس المسبب لهذا المرض في ارتفاع هائل ومفاجئ في عدد الإصابات به في العديد من البلدان، وهو ما أدى إلى تجديد فرض تدابير الإغلاق. وتجدر الإشارة إلى أن الدمار الذي أسفرت عنه الجائحة -الذي تَمثَّل في ملايين الوفيات، ونشوب صراعات اقتصادية، وفرض قيود غير مسبوقة على التواصل الاجتماعي- قد أثر تأثيرًا ملموسًا على الصحة النفسية للأفراد. ومن هنا، يتقصى باحثون في جميع أنحاء العالم أسباب هذا الإجهاد النفسي وآثاره، إذ يخشى البعض من أنّ هذا التدهور الذي شهدته الصحة النفسية للأفراد قد يطول أمده بعد انحسار الجائحة. ويأمل العلماء -في نهاية المطاف- في أن يتمكنوا من تطويع أطنان البيانات التي تجمعها الدراسات المعنية بالصحة النفسية من أجل فهْم أثر تدابير بعينها لمكافحة الجائحة على التغيرات التي تطرأ على رفاهية الأفراد، وإرشاد سياسات التصدي لما قد يَظهَر مستقبلًا من جوائح.

وفي هذا الشأن، يرى جيمس نازرو، عالم الاجتماع من جامعة مانشستر بالمملكة المتحدة، أنّ هذه الدراسات ستُنتِج لنا فيضًا هائلًا من البيانات، حيث يصفها قائلًا: "إنها لدراسات طموحة بمعنى الكلمة".

ويُذكر أنه وفقًا لاستطلاع أجراه مكتب الإحصاء الأمريكي في ديسمبر من العام الماضي، أفاد حوالي 42% من المستطلعين بأنهم عانوا بعض أعراض القلق أو الاكتئاب في ذاك الشهر، مقابل نسبة قوامها 11% ممن شملهم الاستطلاع نفسه في العام السابق على ذاك. وتشير البيانات في استطلاعات رأي أخرى إلى أن الوضع مماثل على مستوى العالم (انظر الشكل "الإجهاد النفسي الناجم عن جائحة كوفيد-19"). وتعقيبًا على ذلك، قالت لوانا ماركيز، المتخصصة في الطب النفسي الإكلينيكي بكلية الطب بجامعة هارفارد في بوسطن بولاية ماساتشوستس الأمريكية، التي ترصد تأثيرات الأزمة على الصحة النفسية للسكان في الولايات المتحدة وبقاع أخرى: "لا أعتقد أن هذا المنحنى سيعود إلى الصفر في وقت قريب".

Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit, sed do eiusmod tempor incididunt ut labore et             dolore magna aliqua.

كبر الصورة

وتضيف ماركيز قائلة إنّ الأحداث الكبرى التي هزّت المجتمعات، كهجمات الحادي عشر من سبتمبر الإرهابية في عام 2001، التي شهدتها مدينة نيويورك، قد خلفت وراءها إصابات بضوائق نفسية استمرت على مدار سنوات. ففي دراسة شارك فيها أكثر من 36 ألف شخص من المقيمين في تلك المدينة وعمال الإنقاذ بها، تَبين أن بعد مرور أكثر من 14 عامًا على الهجمات، ما زال 14% من المشاركين في الدراسة يعانون من اضطرابات ما بعد الصدمة، بينما يعاني 15% منهم من الاكتئاب. وهاتان النسبتان أعلى بكثير مما هما عليه لدى المجتمعات السكانية المناظِرة (5%، و8% على الترتيب، انظر: H. T. Jordan et al. Environ. Health 18, 12; 2019).

الخوف والعزلة

تقول مارسيلا ريتشيل –وهي طبيبة نفسية من المعهد المركزي للصحة النفسية في مانهايم بألمانيا– إن الضوائق النفسية الملحوظة خلال الجائحة ربما تنبع من الخوف من المرض، والقيود المفروضة على التفاعلات الاجتماعية، وتوتر العلاقات بين أفراد العائلات وبعضهم بعضًا في أثناء فترة فرض تدابير الإغلاق.

وحتى الآن، يثبت باستمرار في كل من الدراسات واستطلاعات الرأي التي أجريت في أثناء الجائحة أن الشباب -وليس كبار السن- هم الأكثر عرضة لتزايُد حدة الضوائق النفسية، ربما لأنّ حاجتهم إلى التفاعلات الاجتماعية أقوى منها لدى كبار السن. وتشير البيانات أيضًا إلى أن الإناث من الشباب أكثر عرضة للإصابة بالاضطرابات النفسية من الذكور من الفئة العمرية نفسها، وأن مَن لديهم أطفال صغار، أو سبق تشخيص مرضهم باضطراب نفسي معَرَّضون بشدة وبدرجة أكبر من غيرهم لخطر الإصابة بمشكلات الصحة النفسية. وفي ذلك الصدد، يقول فيكتور يوجو، وهو متخصص في سياسات الصحة النفسية بمنظمة "متحدون من أجل الصحة النفسية العالمية" في لندن، ومسؤول في إحدى حملات المنظمة: "تزايدت بوجه عام الأسباب التي نعلم أنها تجعل الأفراد عرضة لمشكلات الصحة النفسية وأمراضها".

ويرى العلماء الذين يجرون دراسات دولية ضخمة ومفصلة في ذلك الصدد أنهم قد يتمكنون في نهاية المطاف من إظهار كيف قد تقل وطأة الضغوط المؤثرة على الصحة النفسية أو تتفاقم باتخاذ إجراءات بعينها للسيطرة على "كوفيد-19"، على سبيل المثال، فيما يخص تدابير الإغلاق أو القيود على التفاعل الاجتماعي. كما يعتقد العلماء أنهم قد يتمكنون من معرفة ما إذا كانت فئات سكانية معينة -مثل الأقليات الإثنية- تتأثر بسياسات معينة أكثر من غيرها. ويقول باحثون إن هذا قد يرشدنا إلى سياسات للتصدي للمراحل القادمة من هذه الجائحة، وما قد يُستجد مستقبلًا من جوائح.

"لدينا تجربة طبيعية تُظهِر الكيفية التي تؤثر بها السياسات في البلدان المختلفة على الصحة النفسية للأفراد". 

من هنا، تقول كاثلين ميريكانجاس، المتخصصة في علم الأوبئة من المعهد الوطني للصحة النفسية في بيثيسدا بولاية ميريلاند الأمريكية: "لدينا فرصة حقيقية وتجربة طبيعية تظهِر الكيفية التي تؤثر بها السياسات في البلدان المختلفة على الصحة النفسية للأفراد". 

ولجمع نتائج تلك الدراسات، أطلقت ديزي فانكورت -متخصصة المناعة العصبية النفسية بكلية لندن الجامعية- برنامج "كوفيدمايندز" CovidMinds المموَّل من صندوق "وِيلْكَم" Wellcome، الذي شمل حوالي 140 دراسة طولية من أكثر من 70 دولة. وتستعين هذه الدراسات بأعداد كبيرة من المشاركين، وتُجمع فيها المعلومات الصحية على فترات منتظمة. كما يؤسس البرنامج شبكة علاقات بين العلماء في مختلف البلدان، ويشجع على استخدام استبيانات موحدة، بحيث يمكن المقارنة بين نتائج هذه الدراسات وبعضها البعض مباشرةً فيما يسنح من فرص للتعاوُن الدولي. وتضيف فانكورت قائلة في هذا الشأن: "قد يتيح لنا ذلك المقارَنة بين الاستجابات النفسية للأزمة، فضلًا عن المقارنة بين الاستجابات السياسية لها عبر مختلف البلدان".

وهذه المجموعة من الدراسات تتألف من مزيج من دراسات لمجموعات أتراب كانت قائمة بالفعل، ودراسات انطلقت في وقت مبكر من الجائحة. ويُعَد النوع الأول من الدراسات أفضل، إذ إن المشاركين فيه يمثلون -في أغلب الوقت- جميع شرائح المجتمعات السكانية، ومن ثم يمكن تعميم نتائجه. وحسبما يوضح كلاوس برجر -اختصاصي علم الأوبئة من جامعة مونستر الألمانية، ورئيس "دراسة الأتراب الوطنية الألمانية" German National Cohort، إحدى كبرى الدراسات المتعلقة بالصحة على مستوى العالم- يمكن للدراسات طويلة الأمد أن تحدد بدقة التغييرات التي تطرأ على صعيد الصحة النفسية في أوساط المشاركين فيها، نظرًا إلى امتلاكها لبيانات عنهم من قبل الجائحة، بيد أن دراسات الأتراب الكبيرة التي كانت قائمة قبل الجائحة تمضي بخطى بطيئة، ولا تُجمع العينات فيها بانتظام. أما دراسات الأتراب الأحدث، فتفتقر إلى بيانات خط أساس من وقت سابق على الجائحة، إلا أنه يمكن للعديد منها متابعة آليات تطوُّر الأزمة بطرق أكثر سلاسة.

وتقود فانكورت حاليًّا إحدى كبرى الدراسات الجديدة في هذا الصدد، تحمل عنوان "الدراسة الاجتماعية المعنية بكوفيد-19 بالمملكة المتحدة" UK COVID-19 Social Study. وقد استعانت هذه الدراسة -عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي في أغلب الوقت- بأكثر من 72 ألف شخص بالغ من المملكة المتحدة في الأسابيع القليلة الأولى من فرض تدابير الإغلاق لأول مرة في البلاد في مارس الماضي. ويملأ المشاركون في تلك الدراسة استبيانًا أسبوعيًّا عبر الإنترنت، مدته عشر دقائق، ويتضمن أسئلة كاشفة ترصد مشاعر القلق أو الاكتئاب.

بيانات آنية

تقول فانكورت: "بِوُرُود الردود على الاستبيان، بمعدل رد واحد كل 20 ثانية، نحصل آنيًّا على معلومات عن الكيفية التي يتأثر بها الأفراد نفسيًّا واجتماعيًّا بالجائحة، كما نرصد تحديدًا كيف تتغير هذه الاستجابات كردّ فعل لأمور بعينها، مثل فرض بعض الإجراءات الحكومية الجديدة، أو تخفيف تدابير الإغلاق". وتعطي فانكورت مثالاً على ذلك بالإشارة إلى أن مستويات القلق والاكتئاب المرتفعة التي كشفت عنها الدراسة في الأسابيع الأولى من الجائحة انخفضت في فترة فرض تدابير الإغلاق، بدلاً من مواصلة الارتفاع، كما توقع البعض.

من هنا، فإن نازرو -الذي يشارك في دراسة أتراب بعنوان "استقصاء الاتحاد الأوروبي حول الصحة، والشيخوخة، والتقاعد في أوروبا" Survey on Health, Ageing and Retirement in Europe، ودراسات استقصائية أخرى متعلقة بـ"كوفيد-19" والصحة النفسية- يقول: "إن دمج هذه النوعيات من الدراسات معًا سينبئنا بكيفية تعامل مختلف شرائح المجتمعات مع السياسات الحكومية، كما سيساعدنا على فهْم كيفية إدارة هذه الجائحة والجوائح المستقبلية". 

وتهدف دراسة أخرى، عنوانها "العاملون في مجال الرعاية الصحية في ظل كوفيد-19" COVID-19 Health Care Workers Study، إلى قياس درجة التأقلم مع الأزمة في أوساط العاملين في مجال الرعاية الصحية، ممن واجهوا مستويات غير مسبوقة من المرض والوفاة. وتجمع هذه الدراسة بيانات من 21 بلدًا، منها بلدان منخفضة الدخل في أمريكا اللاتينية وأفريقيا، حيث تندر بشدة موارد العناية بالصحة النفسية. يقول أولاتوندي أييندي، أحد الباحثين في فرع الدراسة المعنِيّ بنيجيريا: "نستهدف المقارنة بين البلدان المختلفة، لنعرف أوجه الاختلاف في تطوُّر الجائحة بها". ويرى أييندي أن من المحتمل أن تتباين بيانات الدراسة عبر المناطق الجغرافية تبعًا للاختلافات في جودة خدمات الصحة النفسية، ومدى توفُّر خدمات الرعاية الاجتماعية وتنوُّعها، وتعدد مستويات الفقر. وعلى سبيل المثال، لا توجد لدى بلدان عديدة في أفريقيا إلا نسبة ضئيلة من ممارسي الصحة النفسية المتوفرين في البلدان ذات الدخل المرتفع. ومن هنا، يضيف أييندي قائلًا: "نريد أن نعرف ما الذي يُنْتِج هذه الاختلافات".

شارَك في التغطية بول أديبوجو.