أنباء وآراء

جهاز عصبي اصطناعي للحفاظ على ضغط دَم متوازن

تترتب على إصابة الحبل الشوكي عواقب مسببة لقصور وظيفي، إحداها العجز عن الحفاظ على توازن ضغط الدَّم، وهي مُشكِلةٌ أمكن التحايُل عليها مؤخرًا عبر آلية اصطناعية، لإحياء رد فعل لا إرادي أساسيٍّ لاستقرار ضغط الدَّم.

باتريس جي. جيانيه
  • Published online:

يُعَد الشلل والقصور الحسي من أبرز عواقب إصابة الحبل الشوكي (SCI)، بيد أن الكثيرين يختبرون أيضًا -كنتيجة لهذه الإصابة- هبوط الضغط الانتصابي، وهو العجز عن الحفاظ على ضغط الدَّم الطبيعي عند الانتقال من وضع الاستلقاء إلى الجلوس، أو الوقوف1 ويمكن لهذه الحالة المرضية أن تمنع على المدى القصير الامتلاء الطبيعي للقلب بالدم، وهو ما قد يُسبِّب الدَّوخةَ، والدُّوار. أمّا على المدى الطويل، فإن نوبات هبوط الضغط الانتصابي  المتكررة تزيد من نِسب حدوث النوبات القلبية والسَّكتات الدماغية، التي تُعَد من المسببات الأساسية للوفاة لدى مَن لديهم إصابة بالحبل الشوكي. وفي بحث نُشر مؤخرًا في دورية Nature، أفاد الباحث جوردان سكوير وزملاؤه2 باكتشاف استراتيجية قائمة على جهاز عصبي اصطناعي تعويضي، يُخَفِّض هبوط الضغط الانتصابي الذي تسببه إصابة الحبل الشوكي. وقد تمكّن هذا الجهاز التعويضي حتى الآن من استعادة توازُن ضغط الدم لدى القوارض، والقرود، والبشر.

تُسبِّب الجاذبية تجمُّع الدَّم في القِسم السفلي من الجسم عند الجلوس، أو الوقوف. والسبب الرئيس لهبوط الضغط الانتصابي هو قصور في استجابات لا إرادية تمنع هذا التجمُّع، أهمها هو رد الفعل اللاإرادي أو المنعكس الذي تُطْلِقُه مستقبِلات الضغط، وهي خلايا عصبية تقيس مستوى ضغط الدم الشرياني، ودرجة امتلاء الأوعية الدموية الكبيرة وحجرات القلب بالدم3. وتنشط هذه المستشعرات في الثدييات عندما يكون الجِسم في وضع الراحة. ويؤدي انخفاض ضغط الدّم الشرياني أو حجم الدم إلى انخفاض في نشاط مستقبِلات الضغط. وهو ما يقود بدوره إلى تنشيط الفرع الوِدِّي من الجهاز العصبي اللاإرادي، لاستعادة توازُن ضغط الدَّم الطبيعي عبر زيادة المقاومة الوعائية، وتدفُّق الدم عودةً إلى القلب4. وتقطع إصابة الحبل الشوكي الاتصال بين جذع الدماغ السفلي –الذي يتلقّى المعلومات من مستقبِلات الضغط– والخلايا العصبية الودّية التي تُحفِّز الجهاز القلبي الوعائي، وتبدأ من الفقرات الصدرية والفقرات القطنية العليا في الحبل الشوكي (انظر الشكل1).

الشكل1: محاكاة لاستجابات ضغط الدم اللاإرادية. تتحكم استجابات ضغط الدم اللاإرادية في الثدييات، إذ يُخفِّض هبوط ضغط الدّم (كما يدل عليه الرمز-) نشاط خلايا عصبية تُدعى مستقبِلات الضغط، مؤديًا بذلك إلى تنشيط (كما يدل عليه الرمز +) لخلايا عصبية في جذع الدماغ، تُحفِّز وتُنَشِّط الخلايا العصبية الوُدية في الحبل الشوكي بشكلٍ مباشَر، إلا أنّ إصابة الحبل الشوكي تقطع هذا الاتصال، لتمنع بذلك استجابات ضغط الدم اللاإرادية من العمل كما ينبغي. وقد صمَّم جوردان سكوير وزملاؤه جهازًا يخدم كبديل عصبي تعويضي يمكنه التحايل على هذه المشكلة. فعند انخفاض ضغط الدم، يثير الجهاز تحفيزًا كهربيًّا يُسمَّى "الحفز الكهربي الموجَّه فوق الجافية" TESS في الناحية الخلفية للحبل الشوكي الصدري، من أجل تنشيط الخلايا العصبية الوُدّية (وإنْ كان ذلك يجري عبر مسار مختلفٍ عن ذاك المستخدَم في استجابات ضغط الدم اللاإرادية الطبيعية. وهو غير موضح). وترسل الخلايا العصبية الوُدية إشارات إلى القلب والأوعية الدموية من أجل زيادة خرج القلب والمقاوَمة الوعائية، لتُعيد بذلك توازُن ضغط الدم الطبيعي.

الشكل1: محاكاة لاستجابات ضغط الدم اللاإرادية. تتحكم استجابات ضغط الدم اللاإرادية في الثدييات، إذ يُخفِّض هبوط ضغط الدّم (كما يدل عليه الرمز-) نشاط خلايا عصبية تُدعى مستقبِلات الضغط، مؤديًا بذلك إلى تنشيط (كما يدل عليه الرمز +) لخلايا عصبية في جذع الدماغ، تُحفِّز وتُنَشِّط الخلايا العصبية الوُدية في الحبل الشوكي بشكلٍ مباشَر، إلا أنّ إصابة الحبل الشوكي تقطع هذا الاتصال، لتمنع بذلك استجابات ضغط الدم اللاإرادية من العمل كما ينبغي. وقد صمَّم جوردان سكوير وزملاؤه جهازًا يخدم كبديل عصبي تعويضي يمكنه التحايل على هذه المشكلة. فعند انخفاض ضغط الدم، يثير الجهاز تحفيزًا كهربيًّا يُسمَّى "الحفز الكهربي الموجَّه فوق الجافية" TESS في الناحية الخلفية للحبل الشوكي الصدري، من أجل تنشيط الخلايا العصبية الوُدّية (وإنْ كان ذلك يجري عبر مسار مختلفٍ عن ذاك المستخدَم في استجابات ضغط الدم اللاإرادية الطبيعية. وهو غير موضح). وترسل الخلايا العصبية الوُدية إشارات إلى القلب والأوعية الدموية من أجل زيادة خرج القلب والمقاوَمة الوعائية، لتُعيد بذلك توازُن ضغط الدم الطبيعي.

كبر الصورة

يُعالَج هبوط الضغط الانتصابي عادةً بإدخال تعديلاتٍ على أسلوب الحياة ( مثل استخدام ضمادات ضغط على الساقين، والنوم في وضعية شبه قائمة) وإعطاء أدوية مِثل الفلودروكورتيزون ( موسِّع لحجم الدَّم)، أو الميدودرين (الذي يُنشِّط المستقبِلات التي تلعب دور الوسيط في إحداث تأثير الأعصاب الوُدية على القلب والعضلات الوعائية)6،5، إلا أنه قد تكون لهذه الأدوية تأثيرات غير مرغوب فيها في بعض الأحيان. وتتضمّن المقارَبات الأُخرى لعلاج هبوط الضغط الانتصابي استخدام أحزمة شد البطن، والتحفيز الكهربي للعضلات الهيكلية في الأطراف السفليّة (وهو ما يؤدّي إلى تنشيط المضخّة العضليّة، ليساعد بذلك على امتلاء القلب بالدم). وقد استُخدِمت هاتان الاستراتيجيتان علاجيًّا، إلا أنّ فعاليتهما لم تثبُت بوضوح6.

إذًا، هل تُشكِّل الأجهزة الاصطناعية العصبية التعويضية بديلًا أفضل مما سبق؟ يتمثّل مبدأ عمل هذه الأجهزة في رد بعض الوظائف إلى حالتها الطبيعية عبر التحفيز الكهربي للمسارات العصبية التي توقفت استجاباتها نتيجةً لإصابة الحبل الشوكي. وفي أفضل الأحوال، يُفترض أن يحاكي هذا التحفيز بدقة نمط النشاط الذي يَضبط عادةً الوظائف المستهدَفة استعادتها. وقد سبق استخدام هذه المقاربة من أجل استعادة القدرة على الحركة لدى الرئيسيات7. كما استُخدِمَت لتنشيط عضلات الساق من أجل تحسين التحكم في ضغط الدَّم في مَن لديهم إصابة بالحبل الشوكي[]، على الرغم من غموض أسباب نجاحها الواضح في هذه السياقات.

وقد شرع سكوير وزملاؤه في تطوير جهازٍ اصطناعي عصبي تعويضي أكثر دِقة مما سبقه من تلك الأجهزة من أجل ضبط ضغط الدم. وكانت نقطة انطلاقهم تطوير نموذج دراسة لجرذان ذات إصابة بالحبل الشوكي. وأثبت تحليل نشاط الخلايا العصبية في الجرذان بهذا النموذج أن الاستجابات الخاصة بضغط الدم والأعصاب الوُدية غير مستقرة في هذه الحيوانات، التي لم تختبر، نظرًا إلى حجمها الصغير، أي هبوط ضغطٍ انتصابي، إلا أن واضعي الدراسة استخدموا غرفة ضغطٍ سلبي لإنقاص ضغط الهواء بالقرب من الجزء السفلي لأجساد الجرذان، وهو ما دفعَ الدّم للتجمّع في القِسم السفلي من أجسادها، لمحاكاة هذه الظاهرة لدى البشر.

وقد تساءل سكوير وزملاؤه ما الموضع المناسب ليستخدموا فيه التحفيز الكهربي –أو ما يسُمي بتقنية الحفز الكهربي الموجَّه فوق الجافية (TESS)– بحيث يمكن استثارة الاستجابات الودّية المُعَدِّلة لضغط الدم. ومن ثم، عملوا بصورة ممنهجة على تحفيز أجزاء مختلفة من الحبل الشوكي كهربيًّا في الجرذان المصابة، واكتشفوا أنّه يمكن رفع ضغط دم هذه الحيوانات إلى حدٍّ كبير عبر إرسال نبضات كهربية إلى الجهة الخلفية من الجزء السفلي من الحبل الشوكي الصدري. وقد كشفت مجموعة مذهلة من التجارب –استُخدِم فيها التصوير الشعاعي، والتحليل التشريحي إلى جانب النمذجة الحوسبية والعلاج اليدوي، بهدف تنشيط الخلايا العصبية أو تثبيطها في هذه المنطقة– أن الحفز الكهربي الموجَّه فوق الجافية يرفع ضغط الدم عبر تنشيط مجموعة فرعية من الخلايا العصبية الحسية الناقلة للإشارات العصبية الواردة (حيث تنقلها من الجِلد والعضلات و الأعضاء الداخلية إلى الحبل الشوكي). وتثير هذه الخلايا العصبية الناقلة للإشارات العصبية الواردة بشكلٍ غير مباشر الخلايا العصبية الوُدية الناقلة للإشارات الصادرة التي تتحكم في الدورة الدموية الحشوية ( أي في الأوعية الدموية في الأعضاء البطنية).

وكانت خطوة واضعي الدراسة التالية التي نمت عن درجة كبيرة من الابتكار هي تصميم منظِّم لضغط الدم، قائم على محاكاة هندسية لآليات بيولوجية يُعدِّل باستمرار الحفز الكهربي الموجَّه فوق الجافية ليمنع حدوث أي هبوط في ضغط الدم في الجرذان المصابة الخاضعة للتجربة. بعد ذلك.. نجح الباحثون في مواءمة تصميمهم لهذا "المنظم التعويضي لاستجابات ضغط الدم اللاإرادية"، بحيث يناسب قردة المكاك الريسوسي. وتَضَمَّن ذلك معاودة إجراء الاختبارات بصورة ممنهجة على كل قِسم من الحبل الشوكي في هذه القردة، من أجل تحديد الأقسام التي يجب أن يستهدفها الحفز الكهربي الموجَّه فوق الجافية، وتكبير حجم تصميم هذا الجهاز العصبي الاصطناعي التعويضي ليناسب تشريح القردة الأكبر. وأخيرًا -وهذا هو الأهم- أثبت الفريق البحثي أنّ هذا الجهاز يمكن أن يُعيد استقرار الضغط الدموي في شخص عانى من هبوط ضغط انتصابي معوِّق، بعد حدوث إصابة لديه في الحبل الشوكي.

وتُعَد هذه الدراسة التي تطبق نتائج التجارب المختبرية مباشرة على المرضى غير مسبوقة من نواحٍ عديدة، ومن ثم، تفتح الباب أمام العديد من التساؤلات. وعلى سبيل المثال، لا تزال الخلايا العصبية الحسية الناقلة للإشارات العصبية الواردة التي يُحَفِّزها الجهاز غير معروفة، كما لا تزال التأثيرات طويلة الأمد لتحفيزها مجهولة، فتشكيل الدوائر العصبية بالحبل الشوكي يختلف بعد إصابته9، كما أن ردود الأفعال اللاإرادية تتفاقم حدتها إلى حد أنّ المحفِّزات العصبية غير الضارة سابقًا، تصبح قادرة على استثارة حالات خطيرة من ارتفاع ضغط الدّم. وسنحتاج إلى مزيدٍ من الوقت والتجارب على الحيوانات، لتحديد ما إذا كانت هذه الخلايا العصبية الناقلة للإشارات العصبية الواردة ستُخَفِّف حدة الاستجابات اللاإرادية الناجمة عن نشاط عصبي مفرط، أم ستفاقِمها. ويرجح بالفعل أنه على عكس الحال مع استجابات ضغط الدم اللاإرادية الفعلية، فإن هذا الجهاز يتسم بأداء أفضل بكثير في منع نوبات انخفاض الضغط، مقارنةً بأدائه في تخفيف ارتفاع ضغط الدم.

ومن الممكن أيضًا أن تكون لهذا الجهاز الاصطناعي العصبي أضرار على الوظائف الكلوية والمِعدية المعوية، التي تُنَظِّمها الخلايا العصبية الوُدية الصدرية السفلية. وأخيرًا، يَستلزِم وضع إلكترود فوق الجافية في الحبل الشوكي جراحة باضعة، علمًا بأن مدى فعاليته على الأمد الطويل غير معروفة.

ومع ذلك، فهذه المحاوَلة التي أُجريت مؤخرًا لعلاج هبوط الضغط المعوِّق، الذي يترتب على إصابة الحبل الشوكي، لها أصل راسخ في قدر كبير من الأدلة المستقاة من الأبحاث العلمية العصبية قبل الإكلنيكية. وهي الاستراتيجية الأكثر تعقيدًا من بين المحاولات التي أُجريت حتى الآن في هذا الصدد. ويمكن لهذه المقاربة أن تحل محل العلاجات الحالية، على الرغم من أن الجَزْم بذلك قد يكون سابقًا جدًّا لأوانه.

References

  1. Claydon, V. E., Steeves, J. D. & Krassioukov, A. Spinal Cord 44, 341–351 (2006). | article
  2. Squair, J. W. et al. Nature 590, 308–314 (2021). | article
  3. Zeng, W.-Z. et al. Science 362, 464–467 (2018). | article
  4. Guyenet, P. G. Nature Rev. Neurosci. 7, 335–346 (2006). | article
  5. Krassioukov, A., Eng, J. J., Warburton, D. E. & Teasell, R. Arch. Phys. Med. Rehabil. 90, 876–885 (2009). | article
  6. Sarafis BKin, Z. K., Monga, A. K., Phillips, A. A. & Krassioukov, A. V. PM&R 10, S249–S263 (2018). | article
  7. Cho, N., Squair, J. W., Bloch, J. & Courtine, G. Bioelectron. Med. 5, 10 (2019). | article
  8. Aslan, S. C. et al. Front. Physiol. 9, 565 (2018). | article
  9. Krenz, N. R. & Weaver, L. C. Neuroscience 85, 443–458 (1998). | article

باتريس جي. جيانيه

باحث في قِسم علم الأدوية في كلية الطب بجامعة فيرجينيا، تشارلوتسفيل، فيرجينيا 22906، الولايات المتحدة الأمريكية.

البريد الإلكتروني: pgg@virginia.edu