رؤية كونية

ما تعلمتُه من سَحْب ورقتِي البحثية

يجب أن تُكافئ الحوافز المهنية الفضول عندما يشترك فيه الباحثون، بدلًا من مكافأة ادِّعاء الكمال.

بن دي هاس
  • Published online:

MAREN URNER

تلقيتُ في غمرة الجائحة رسالة بريدية إلكترونية تتساءل عما إذا كان بإمكاني الوصول إلى بيانات التجارب الخاصة بورقة بحثية نُشِرت لي في عام 2014، أم لا. وبعدها بثلاثة أشهر، طَلَبتُ سَحْب هذه الورقة البحثية. ولم أجد صعوبة في تقبل هذا الإجراء، بل على العكس من ذلك، أحيت هذه التجربة دوافعي الأساسية من إجراء الأبحاث.

دارت التساؤلات التي حَوَتها الرسالة البريدية الإلكترونية حول عمل بحثي شعرتُ بالفخر به. ففي تجربة لتصوير الدماغ، ضمت عشرات المشاركين، كنت قد توجهت أنا وبعض من زملائي بطلب إليهم بالإجابة عن بعض الأسئلة، في مهمة بصرية كلّفناهم بها، اتسمت إما بالسهولة، أو الصعوبة، إذ أردنا استقصاء تأثير الإلهاء على معالجة مؤثرات بصرية ليست ذات أهمية. وأشارت نتائجنا إلى أن الإلهاء يشوِّش تمثيل الصور في القشرة البصرية للدماغ، ليحفز بذلك نوعًا من الرؤية النفقية العصبية. وقد وجدناها نتائج مثيرة للاهتمام آنذاك، لكن تَبَيَّن أن من المحتمل أن تكون نتاجًا لإحصاءات خادعة، ترتبت على انحياز خفي في البيانات.

وكان مما ساعدني في هذه التجربة، معرفتي بالباحثة سوزان ستول، التي دَقّت ناقوس الخطر بلفت الانتباه إلى ذلك الاحتمال، وهي طالبة دكتوراة تحت إشراف عالِم الأعصاب سام شفارتزكوبف من كلية لندن الجامعية. ففي مؤتمر عُقِد في بروكسل، في عام 2019، ناقشنا النتائج المحيرة التي توصَّلت إليها ستول في مشروع بحثي، بُنِيَ على بحث لي، كنتُ قد قُمت به في أثناء دراساتي للحصول على درجة الدكتوراة، بالتعاون مع سام وآخرين.

ولم تعاملني سوزان وزملاؤها كمشتبه فيه مطلقًا، بل كزميل شاركهم الموقف نفسه، إذ أردنا جميعًا أن نعرف بالضبط السبب وراء نتائجها غير المتوقعة. وقد أخبرني  فريقها كيف يمكن لمشكلة ما في تحليل البيانات أن تؤثر على نتائج دراستي (وربما على نتائج العديد من الدراسات الأخرى). وقد ارتبطت المشكلة بالانحدار نحو المتوسط، فعندما تُقاس بصورة متكررة البيانات التي حُرِّفت بفعل عوامل تشويش (بيانات إضافية غير ذات أهمية)، ستبدو القيم أقل انحيازًا لاتجاه ما عما كانت ستبدو عليه في الوهلة الأولى. ومن ثم، اعتمل الشك في نفسي. وفي النهاية، جاءت النتائج في ورقتي البحثية مغايرة لما توصل إليه فريق ستول، إذ ابتعدت قيم المُعَامِلات في بحثي عن المتوسط.

أَعددنا العدة لاجتماع مرئي، ثم قررنا أن تُراجِع سوزان عمليات المحاكاة التي تجريها، بينما أتفحص بياناتي القديمة إذا تمكنت من العثور عليها. وقد شكل ذلك تحديًا، إذ تعرضت جامعتي الحالية لهجوم إلكتروني قبلها مباشرة بعدة أشهر، وحُظِر وصولي إلى محرك حفظ البيانات الاحتياطي في بادئ الأمر. وقد كان سهلًا لي أن أخبر الآخرين بأن البيانات قد فُقِدت (كما يحدث كثيرًا).

"ما أثار مخاوفي هو أنني في أثناء محاولة تكرار النتائج، اصطدمت بالإشكالية ذاتها"

عَزَمَ كل من سوزان وسام على سبر اللغز، وقد انتقل ذلك الفضول إليَّ، إذ قضيت أسبوعًا في جمع الملفات الضرورية، وترميز مسار بيانات للتحقق من صحة النتائج الأصلية. وما أثار مخاوفي هو أنني في أثناء محاولة تكرار النتائج، اصطدمت بدوري بالإشكالية ذاتها التي وجدتها سوزان. وكان مكمن الإشكالية بالدرجة الأولى هو أنني استخدمت البيانات نفسها للاختيار منها، والمقارنة بينها، لكنها أنتجت حلقة مفرغة أخرى من المعطيات والنتائج، أخذت تَبرُزُ مرارًا وتكرارًا. ولم أدرك أنا وزملائي أن هذه النتائج قد تخلق إشكالية في سياقنا، كما لم يفطن إلى ذلك أي شخص آخر في المجال قبل اكتشاف سوزان. وقد جاءت الانحرافات الناتجة مغايرة تمامًا للنماذج التي وفرَتْها الدراسة، وهو ما لم يتضح إلا من خلال اختبارات المحاكاة، وتأكيد البيانات.

وفجأة، بدا أن كل شيء يأخذ منعطفًا أكثر جدية بكثير، إذ أَعْدَدْتُ على الفور ملخصًا يوجز نتائجي الجديدة، وقمت بإرساله إلى المؤلفين المشاركين الأصليين، وأرفقته بمسودة أولية مكملة كإخطار بسحب الورقة البحثية. ولن أنسى مطلقًا الرد الذي تلقيته آنذاك من مشرفي في مرحلة الدكتوراة، جيرانت ريس من كلية لندن الجامعية (UCL)، الذي استهل رسالته البريدية الإلكترونية إليَّ قائلًا: "من الرائع أننا واصلنا محاولة تحرّي منهجيتنا، ونتائجنا!" كما شجعني على التعمق أكثر في البحث في المسألة وإجراء تحليل محايد. وهو ما أسفر عن اتجاهات إحصائية تتفق مع نتائجنا الأصلية، إلا أنها كانت أقل رسوخًا بكثير مما كنا نعتقد.

من هنا، قررنا سحب الورقة البحثية. وتُفسِّر مذكرة الوقائع التي أدّت إلى سَحْبها. كما أنها تشير إلى دراسة متخصصة قادتها سوزان، حتى يتسنى للآخرين التعلم من أخطائنا (انظر S. Stoll et al. Preprint at bioRxiv https://doi.org/fqs8; 2020). وعلى مر السنوات، كشف مجال التصوير العصبي عن عدد من المواضع التي يُحتمَل أنْ تكون قد شابَتْها أخطاء، ومن ثم عَدّل ممارساته وفقًا لها. وآملُ أن نسهم في هذا التطور، وأن نعزز  إدخال تحسينات على المجال، مثل فحوص التحقق من صحة النتائج باستخدام بيانات محاكية، إلا أن الدروس المستفادة هنا ليست فنية فحسب.

وأعتقد أن معظم العلماء يَوَدُّون أن ينظروا أكثر بعين النقد إلى بياناتهم واستنتاجاتهم، لأنهم مدفوعون برغبة طبيعية في التعلم، إلا أننا نواجه جميعنا حوافز وظيفية تُعَاقِب الإبلاغ عن الخطأ، وعن النتائج المغايرة لنتائجنا الأصلية. ولم أواجه أنا وزملائي المؤلفون حتى الآن تداعيات لسَحْب ورقتنا البحثية، لكننا كنا على استعداد لمواجهة أي مخاطر. وكباحث رئيس مبتدئ، ذي منصب جامعي غير دائم، أُوازِن بين دوري في التعليم المنزلي الجامعي الذي فرضته الجائحة، والعمل عن بُعْد، فإنني على دراية تامة بالخسائر الباهظة التي تُكَبِّدها إعادة تحليل ورقة بحثية وسَحْبها، من حيث الوقت المُستنفَد، وعلى صعيد وزن السيرة الذاتية. وقد طُلب مِنِّي في أثناء دراساتي ألا أحاول التحقق من رسوخ نتائج الدراسات قبل نشرها. وهذه ليست المهنة التي أنشدها، لكنْ لحسن الحظ، فقد علّمني المشرف على رسالة الدكتوراة الخاصة بي نقيضَ ذلك.

ونحن بحاجة إلى حوافز تُشجِّع الانفتاح والفضول اللذَين دفعانا إلى أنْ نصبح باحثين في المقام الأول، بيد أن تصوير بعضنا البعض كمذنبين، ومحاولة الإفراط في الترويج لبيانات بعينها أو إخفائها، أو شن هجوم على مَن يَثْبُت خطأهم لن يحقِّق إلا العكس.

إنّ النظر إلى بعضنا البعض كأقران يجمعهم هدف مشترك -هو فهم العالم- يُعَد مكسبًا لجميع الأطراف. فعندما بدأت في نشر بياناتي وترميزها في عام 2017، فعلت ذلك لأنني كنت أعي إلى أيّ مدى استفادت دراستي من قيام الآخرين بالشيء نفسه. وتلك الرغبة في المعرفة هي ما دفعت سوزان إلى الاستمرار في تقصي النتائج المحيرة التي توصلت إليها، وهي التي دفعتني إلى إعادة تحليل بياناتي، وشجعت زملاءنا على دعمنا طوال تلك الفترة.

وختامًا، يُتوقع أن ينطوي التقدم العلمي دومًا على اكتشاف أخطاء وتصحيحها. وقد شَرَع بعضُ لجان التعيينات الدائمة ووكالات المِنَح في سؤال المرشحين عما إذا كانوا يطبِّقون سياسة الوصول المفتوح، أم لا. وأقترِحُ أن يضيفوا إلى أسئلتهم سؤالًا، هو: "ماذا تعلّمت من أخطائك؟" 

بن دي هاس

عالِم نفس تجريبي من جامعة يوستوس ليبيش في مدينة جيسِن في ألمانيا.

البريد الإلكتروني: benjamin.de-haas@psychol.uni-giessen.de