كتب وفنون

كيف مهَّد الطب الدقيق الطريق لاكتشاف أول علاج للتليف الكيسي

عائلات مكلومة الأفئدة، وتضحيات، وعلم الوراثة، واستثمارات خيرية ... حكايات متنوعة في كتاب واحد.

هيدي ليدفورد

  • Published online:
تُوفي جوي أودونيل عن عمر يناهز اثني عشر عامًا، بسبب مرض التليف الكيسي.

تُوفي جوي أودونيل عن عمر يناهز اثني عشر عامًا، بسبب مرض التليف الكيسي.

Credit: O’Donnell Family

كتاب "أنفاس من مِلح: مرض وراثي مميت، وحقبة جديدة في العلوم، والمرضى وعائلاتهم الذين غيروا وجه الطب إلى الأبد"

 تأليف: بيجال بي. تريفيدي، دار نشر بن بيلا  (2020)

"الويل كل الويل للطفل الذي تفيض بشرته بمذاق مالح عندما تطبع قُبلةً على جبينه. إنه طفل ملعون، ولن يمكث في هذه الدنيا إلا قليلًا"، هكذا تقول نبوءة قاسية قادمة من أوروبا العصور الوسطى، ولكنْ لحسن الحظ لم يعد هذا هو الحال؛ فقد صار بإمكان الأطفال من ذوي البشرة المالحة -وهي علامة دالة على الإصابة بالمرض الوراثي المعروف باسم "التليف الكيسي"، وهو مرض يفتك بالرئتين والجهاز الهضمي– الآن البقاء على قيد الحياة حتى مرحلة البلوغ. يرجع الفضل في ذلك إلى أوائل العقاقير المُصمَّمة لعلاج الأشخاص المصابين بطفرة جينية مُحدَّدة، غير أن الوصول إلى هذه النقطة استغرق عقودًا حافلة بالتضحيات، والإحباطات، والبحث الدؤوب.

يؤرِّخ كتاب "أنفاس من مِلح" Breath from Salt  لجميع هذه التفاصيل. ففي هذا الكتاب تسبر الكاتبة العلمية بيجال تريفيدي أغوار أوجه التعقيد في علاج أي اضطراب جيني بصورة تكشف عن إتقانها للتفاصيل. ففي حقبة زمنية شديدة الاهتمام والانشغال بالوعود التي يقدمها الطب الدقيق، بل -وكما يزعم البعض- الدعاية المحيطة به، يُقدِّم لنا الكتاب قصة نجاح، ودرسًا من أرض الواقع في آن واحد.

تَتتبَّع تريفيدي في كتابها تاريخ الأبحاث العلمية التي أُجريت حول التليف الكيسي، حيث يبدأ بدوروثي أندرسن، المتخصصة في علم الأمراض، التي اشتهرت بأنها مدخنة شرهة، التي تعرَّفت على آثار المرض على الرئتين والبنكرياس في ثلاثينات القرن العشرين، وهي أيضًا التي أطلقت على المرض الاسم الذي يُعرَف به، وطوّرت أول اختبار تشخيصي له. وتُختتَم فصول القصة بالباحثين المعاصرين الذين يحدوهم الأمل في استخدام التحرير الجيني لعلاج ذلك الاضطراب والشفاء منه.

على مدار صفحات الكتاب، تنسج تريفيدي خيوط حكايات شخصية للعائلات المتضررة والعلماء. وتتمحور القصة حول حكاية جو وكاثي أودونيل، وهما زوجان من ولاية ماساتشوستس الأمريكية، فقدا ابنهما جوي بسبب مرض التليف الكيسي في عام 1986، عندما كان في الثانية عشرة من عمره. أحيت وفاة هذا الطفل في نفس أبويه الرغبة المتقدة والالتزام بالسعي لإيجاد علاج للمرض. وفي ظل الموارد المالية المتاحة تحت تصرف الزوجين وشبكة العلاقات التي يتمتعان بها، انخرط الاثنان في السعي نحو جمع مئات الملايين من الدولارات، بهدف تمويل الأبحاث. وفي منزلهما، كانا يحرران الشيكات من حساباتهما المصرفية الخاصة لصالح الأُسَر التي تناضل من أجل رعاية الأطفال المصابين بالمرض.

يُعَد التليف الكيسي من الأمراض المعروفة نسبيًّا، إذا ما قورن بالاضطرابات الوراثية النادرة. ويوضح كتاب "أنفاس من ملح" الأسباب الكامنة وراء ذلك. يتسم المرض بأنه أكثر شيوعًا بين الأشخاص المنحدرين من أصول أوروبية، وتتضمن قائمة المصابين به عائلات مرموقة، مثل آل أودونيل، لديها موارد مالية طائلة، وعلاقات سياسية هائلة. ورغم ذلك، فقد تطلَّب الأمر قدرًا هائلًا من الجهد، والتفاني، والمثابرة، لحشد هذه الموارد في رحلة البحث عن علاج.

استثمرت العائلات التي أضناها الحزن -حسبما جاء في كتاب "أنفاس من ملح"- جهودها وأموالها في تشييد مؤسسة التليف الكيسي (Cystic Fibrosis Foundation)، وهي مؤسسة خيرية تتخذ من بيثيسدا بولاية ميريلاند مقرًّا لها، وقد أصبحت من المؤسسات الرائدة في مجال الاستثمار في الأعمال الخيرية. توجه المؤسسة، التي تتمتع بخبرة في مجالات الأعمال والعلوم، الأنشطة البحثية وتطوير العقاقير بفعالية، وتقدم مدفوعات للأكاديميين أو الشركات عندما تصل الأبحاث إلى محطات بارزة، مثل تجهيز عقار مُرشَّح لمرحلة التجارب على الحيوانات، أو النجاح في تجربة إكلينيكية.

 

صلة جينية

ساعدت المؤسسة في تمويل الأبحاث التي اكتشفت السبب الجيني وراء المرض، وهو طفرات في الجين الذي يُرمِّز البروتين CFTR، الذي يُعَد عنصرًا رئيسًا في نقل الأيونات من الملح عبر أغشية الخلايا، وهو ما يفسر المذاق المالح للجلد. دفعت المؤسسة الخيرية شركات الأدوية نحو الاضطلاع بمهمة شاقة، تتمثل في تصميم عقاقير لإصلاح البروتين المُعطَّل، ومداواة الجسم المُعتل. وعلى الرغم من التشكيك واسع النطاق، تمكنت شركة "فيرتيكس فارماسيوتيكالز" Vertex Pharmaceuticals -ومقرها الحالي في بوسطن بولاية ماساتشوستس- من تحقيق المهمة في نهاية المطاف. ويرجع ذلك بدرجة كبيرة إلى أن "مؤسسة التليف الكيسي" تمكنت من تحمل الجزء الأكبر من التكلفة.

نُشر الكثير والكثير من الكتابات عن التليف الكيسي على مر السنين، لكن ما يميز كتاب "أنفاس من مِلح" هو أنه يمنحنا نظرة ثاقبة تنير العقول عن تفاصيل الصراع، بداية من الجهد الدؤوب في جمع التبرعات، إلى بطء وغموض عملية تطوير الكيمياء الدوائية اللازمة لتطوير العقاقير التجريبية.

تؤرخ تريفيدي لتطور اكتشاف الأدوية والبحوث الطبية الحيوية، واتجاهها نحو العلاجات الفردية، وترسم لنا صورة واقعية للعمليات بالغة الدقة التي يتضمنها الأمر. فقد كتبت، على سبيل المثال، أن إحدى الخطوات الحاسمة، وهي فصل إحدى الغدد العرقية من الجلد، تبدو "مثل استخراج شعرة شفافة من وعاء مليء بالهلام الشفاف".

تستكشف الكاتبة أيضًا الدوافع التي تحرِّك العلماء، وجامعي التبرعات، والمشاركين في التجارب، كما تتناول التأثيرات الوجدانية عليهم جميعًا. "هل يمكنكم أن تُسرعوا العمل قليلًا من فضلكم؟" هكذا توسلت أمٌّ ثكلى إلى أحد المسؤولين التنفيذيين في شركة «فيرتيكس» في جنازة أحد أبنائها الثلاثة المصابين بالتليف الكيسي. وقد غلبت الدموع ذلك المسؤول التنفيذي نفسه عندما علم أن أول دواء أنتجته شركته لعلاج التليف الكيسي قد حقق نجاحًا هائلًا في التجارب الإكلينيكية، وقد اعتُمِدَ ذلك الدواء المعروف باسم «إيفاكافتور» ivacaftor في عام 2012.

لكن هناك قضايا خلافية وأمور مثيرة للجدل بالطبع، منها التكلفة السنوية الباهظة التي حددتها شركة فيرتيكس لعقار «إيفاكافتور»، والتي تبلغ 294 ألف دولار أمريكي. حصلت مؤسسة التليف الكيسي على عوائد الملكية الفكرية، ووجدت نفسها متهمة بالتربُّح على حساب العائلات التي قدمت تضحيات لدعم المؤسسة. وبحلول عام 2019، وبعد عقود من العمل الشاق، نجحت المؤسسة في تطوير علاجات مُوجَّهة تستهدف الغالبية العظمى من المرضى المصابين بالتليف الكيسي، لكنْ لم يكن ضمن تلك العلاجات دواء شافٍ. باعت المؤسسة حقوق الملكية الفكرية الخاصة بها مقابل 3.3 مليار دولار في عام 2014، مما يجعلها المؤسسة الخيرية الأغنى في العالم التي تركز على مرض بعينه. وتعهدت المؤسسة بإعادة استثمار تلك الأموال في المجالات البحثية، من خلال دعم الجهود الجريئة للتوصل إلى علاج نهائي للتليف الكيسي.

قد تصبح الأدوات اللازمة لتحقيق ذلك الهدف متاحة في النهاية. فعلى مدار العقود التي انقضت منذ وفاة جوي أودونيل، أصبح من الشائع أن نسمع عن تطوير الشركات لعلاجات للأمراض النادرة. وكذلك تبنَّت مؤسسات خيرية عديدة نموذج مؤسسة التليف الكيسي، بيد أن هذا يدفعنا إلى التفكير بتمعن في الاضطرابات الجينية الأخرى التي لا تحظى بالاهتمام نفسه، ومن بينها مرض فقر الدم المنجلي، الذي يصيب -في الأساس- الأشخاص ذوي الأصول الأفريقية، الذين لا يمكنهم -في الغالب- الوصول إلى جهات التمويل، والمسؤولين السياسيين. فهؤلاء الأطفال أيضًا يستحقون جهودًا بحثية هائلة لإنقاذ حياتهم.

هيدي ليدفورد

مراسلة أولى لدى دورية Nature في لندن.