أنباء وآراء

تحويل الضوء إلى مادة «لافلين» غريبة

حالةُ "لافلين" هي طورٌ من أطوار المادة، يمتاز بسماتٍ مذهلة، مثل الاستثارات التي تسلُك سلوك أجزاءٍ من الجسيمات. وإنتاجُ حالةِ "لافلين" فوتونية، وهو الأمر الذي لطالما كان هدفًا أمام أعين الباحثين، يُعدّ إنجازًا على درجةٍ كبيرةٍ من الأهمية في مجال المُحاكاة الكمية. 

لورا كورمان
  • Published online:
شكل 1| أحجيةٌ ميكانيكيةٌ مُتشابكة. تعتمدُ أنواعٌ مُعينة من أطوار المادة عديدة الأجسام، مثل حالات لافلين، على الموضع المُحدَّد لكل الجُسيمات داخل النظام، تمامًا على غرار قِطَع الأُحجية المُتشابكة.

شكل 1| أحجيةٌ ميكانيكيةٌ مُتشابكة. تعتمدُ أنواعٌ مُعينة من أطوار المادة عديدة الأجسام، مثل حالات لافلين، على الموضع المُحدَّد لكل الجُسيمات داخل النظام، تمامًا على غرار قِطَع الأُحجية المُتشابكة.

Credit: Getty

يُمكِن أن يتشابه حلُّ مشكلةٍ فيزيائية صعبة تشابُهًا مُذهلًا مع تجميع قِطَع أُحجيةٍ ميكانيكية متشابكةٍ. ففي كلتا الحالتين، تتشابه الجسيمات، أو القِطع، ولكن من الممكن ترتيبها في بِنْيةٍ جميلةٍ تَعتمِد على الموضع الدقيق لكل مُكوِّن من هذه المُكوِّنات (شكل 1). وقد تمكَّن الفيزيائي روبرت لافلين من تحقيق إنجازٍ رائعٍ فيما يتعلق بحلِّ الأُحجيات، عن طريق تفسير البِنية التي تُشكِّلها الإلكترونات المُتفاعِلة في جهازٍ يُعرَف باسم "قضيب هول"1 Hall Bar. ولا يزال السلوكُ الغريب الذي تَسلُكه الإلكترونات يثير انبهار الفيزيائيين، بيْد أنَّه من غير الممكن محاكاة مثل هذا النظام، أو إجراءِ قياسٍ دقيقٍ للنطاقات الزمنية أو الطولية فائقة القصر، التي تتسم بها الجُسيمات. وفي بحثٍ سابقٍ نُشر بدورية Nature، سَلَّط كلارك وزملاؤه2 الضوءَ على استحداث حالة لافلين غير إلكترونية، تتألَّف من جسيماتٍ مُركَّبة من المادة والضوء، يُطلَق عليها "البولاريتونات"، التي يسهُل تتبُّعها وتعديلُها مقارنةً بالإلكترونات.

ولكي تتخيَّل حالة لافلين، يمكنك النظر مثلًا إلى "قضيب هول"، الذي يُرصَد فيه عادةً مثلُ هذه الحالات (شكل 2-أ). في هذه الأجهزة، تتعرض الإلكترونات التي تتحرك بحُرية في سطحٍ ثنائي الأبعاد لمجالٍ مغناطيسي قوي عمودي على السطح. في الفيزياء الكلاسيكية، سيبدأُ الإلكترون، أيًّا كان موضعه، في الحركة على امتداد مسارٍ دائري يُعرَف باسم المدار السيكلوتروني، ويعتمد نصفُ قطر هذا المدار على الطاقة الحركية للجُسيم. أما في ميكانيكا الكَمّ، فسيظل موضع الإلكترون حرًّا، بيْد أن نصف قطره المداري -وطاقته الحركية بالتبعية- يمكن أن يخضع للزيادة أو النُقصان في خطواتٍ منفصلة. وتؤدي هذه الخاصية إلى مجموعاتٍ ضخمة من الحالات متساوية الطاقة (أو ما يُعرف بانفطار الطاقة)، يُطلَق عليها مستويات "لانداو". ومن الممكن توزيع الإلكترونات غير المُتفاعِلة -التي تُضاف إلى مستوى "لانداو" الأدنى طاقةً- بين حالات انفطار الطاقة الخاصة بالمستوى بطرقٍ عديدة مختلفة.

كبر الصورة

كبر الصورة

وتؤدي إضافة تفاعلاتٍ تنافُريةٍ بين الإلكترونات إلى تقييد توزيع الجسيمات عبر حالات مستوى "لانداو" الأدنى، ما يدعم التوزيعات التي تنعدم فيها احتمالية وجود أي إلكترونين في الموضع نفسه. والحالات التي وصفها لافلين تُظهِر هذه الخاصية بالضبط، وتُفسِّر الخصائص العامة لتأثير هول الكمي الجُزئي، الذي بمقتضاه تعمل الإلكترونات الموجودة في مجال مغناطيسي قوي معًا، بحيث تَسلُك سلوكًا شبيهًا بالجسيمات التي تملك شحنةً كهربية كسرية. وبفضل هذا العمل، حاز لافلين على جائزة نوبل لعام 1998 في الفيزياء بالمشاركة مع عالِمَين آخرين. في واقع الأمر، حالاتُ لافلين في الحقيقة هي حالاتٌ عديدة الأجسام، يتعذر وصفها بواسطة التقريبات التقليدية، على غرار تقريب المجال المتوسط. وعوضًا عن ذلك، تَعتمِد حالةُ كل جُسيمٍ على الحالة الدقيقة لجميع الجُسيمات الأخرى، تمامًا كما هي الحال في ألعاب الأُحجيات المتشابكة.

تطلَّب الأمرُ من كلارك وزملائه إضافةَ عُنصرين إلى النظام الفوتوني، للحصول على حالة لافلين المُؤلَّفة من البولاريتونات. وكان العنصر الأول مُكافئًا للمجال المغناطيسي الذي من شأنه أن يتسبَّب في انفطار طاقة الحالات الفوتونية. أما العنصر الثاني، فكان وسيلةً تتفاعلُ بها الفوتونات بعضها مع بعض، ما من شأنه أن يُجبِر النظام على تكوين حالة لافلين، بدلًا من أي توليفةٍ أخرى من حالات الطاقة الأدنى المُنفطرة. وفي مجموعةٍ رائدةٍ من التجارب، كانت المجموعةُ البحثية ذاتها قد بيَّنت في السابق وجود كل عُنصر على نحوٍ مستقل4،3. أما في الدراسة الحالية، فقد أمكنهم الجمع بين هذه العناصر3.

استخدم كلارك وزملاؤه نظامًا فوتونيًّا يُسمَّى "التجويف البصري"، وهو يتألَّف من أربع مرايا (شكل 2-ب). وهذا الترتيب جعل جميع أنماط لاجير–جاوس المختلفة (وهي أنماطٌ من الضوء تتَّخذ تمثيلاتُ شدَّتها شكل الكعكة المُجوَّفة) تمتلك الطاقة نفسها، وتُشكِّل صورًا مكافئة لمستويات "لانداو". ويتفاعل الضوء المنتشر في التجويف مع سحابة من ذرات الروبيدوم، كي ترتقي هذه الذرات إلى حالات "ريدبرج" عالية الاستثارة، تكون كبيرةً نسبيًّا، وتتفاعل فيما بينها. أما عن فوتونات وذرات التجويف المُتفاعلة، فإنها شكَّلت البولاريتونات التي درسها الباحثون. وقد ورِثت هذه البولاريتونات كلًّا من انفطار الطاقة من جُزئها الفوتوني، والتفاعل من جُزئها الذري، ومن ثم أمكنها الدخول في حالة لافلين.

وقد رصد الباحثون أصغر حالة لافلين ممكنة؛ وهي تتألَّف من اثنين من البولاريتونات. وبيَّنوا خصائص هذه الحالة الكَمّية عن طريق إجراء دراسة الضوء المنبعث من التجويف بعناية. ونظرًا إلى أن النطاقات الزمنية للنظام أطول كثيرًا من تلك الموجودة في النُّظُم الإلكترونية، فقد تمكَّن كلارك وزملاؤه من قياس عدد الفوتونات في كل نمط ضوئي، إضافةً إلى الارتباطات المكانية والزمنية للفوتونات، ما يُبرهن على تكوُّن هذه الحالة التي طال البحث عنها.

"يُعَدُّ هذا العمل إنجازًا مُهمًّا في مجال المحاكاة الكمية".

يُعَدّ هذا العمل إنجازًا مُهمًّا في مجال المُحاكاة الكمية6،5، إذ يُصمِّم الفيزيائيون في هذا المجال تجاربَ تهدف إلى محاكاة الظواهر التي تحدث داخل نُظُم يصعُب التعديلُ فيها، وتستحيل نمذجتها حاسوبيًّا. ويختلف نظام المحاكاة اختلافًا تامًّا عن نظام المحاكاة الخاص بالظاهرة الأصلية، لكنْ يكون له العدد نفسه لمُعامِلات التحكُّم، ومن الممكن استخدامه في محاولة إعادة إنتاج المبادئ الأساسية التي تقوم عليها الظاهرة وفهْمها.

وتُقدِّم النتائج التي توصل إليها كلارك وزملاؤه مزيدًا من البراهين على صحة نهج المحاكاة الكمية، الذي يهدف إلى دراسة النُّظُم قوية الترابط. ويؤدي النهج دورًا محوريًّا في البحث عن مواد ذات خواص غريبة، والتوصُّل إلى حالات استثارة، من شأنها إحداث ثورة في مجال الإلكترونيات، أو الحوسبة الكمية. وقد جرى تنفيذُ هذا العمل على منصة ابتكرتها هذه المجموعة البحثية، حيث تمكنت من تخطي عوائق كانت حجر عثرة في طريق باحثين آخرين، فعلى سبيل المثال، نجح القائمون على التجربة ببراعة من فرض انفطار الطاقة، الذي يصعُب تحقيقه عندما لا يكون النظام متماثلًا بصورة جوهرية7، مثلما كان الوضعُ هنا.

وكان الإنجاز الأبرز الذي حقَّقه هذا العمل هو رصد أصغر حالة لافلين مُمكنة تتألَّف من بولاريتونات، وتوصيفها بعنايةٍ ودقةٍ. وربما تنجح الدراساتُ المستقبلية في إنتاج حالاتٍ أكبر، يصعُب التعامل معها حاسوبيًّا، وفي استكشاف استثارات هذا النظام. وسوف تُمثِّل هذه النوعية من التطوُّرات اختبارًا لقُدرة المنصة على استيعاب أكثر من اثنين من البولاريتونات، وبناء أُحجيات أكبر مُؤلَّفة من المادة والضوء.

References

  1. Laughlin, R. B. Phys. Rev. Lett. 50, 1395–1398 (1983)| article
  2. Clark, L. W., Schine, N., Baum, C., Jia, N. & Simon, J. Nature 582, 41–45 (2020). | article
  3. Schine, N., Ryou, A., Gromov, A., Sommer, A. & Simon, J. Nature 534, 671–675 (2016). | article
  4. Jia, N. et al. Nature Phys. 14, 550–554 (2018). | article
  5. Cirac, J. I. & Zoller, P. Nature Phys. 8, 264–266 (2012). | article
  6. Carusotto, I. & Ciuti, C. Rev. Mod. Phys. 85, 299–366 (2013). | article
  7. Clark, L. W. et al. Nature 571, 532–536 (2019). | article

لورا كورمان

تعمل في شركة «إكس-رايت يوروب جي إم بي إتش»، X-Rite Europe GmbH، 8150 ريجنسدورف، سويسرا.

البريد الإلكتروني: lauracorman@xrite.com