تحقيق إخباري

التوقعات الصحية لحياة المبتسرين

أصبح الأطفال المولودون قبل مرور 28 أسبوعًا من الحمْل يبقون على قيد الحياة حتى مرحلة البلوغ بمعدلاتٍ أعلى من ذي قبل. فما هي إذَن آثار الولادة المبكرة تلك على الإنسان في مراحل حياته اللاحقة؟ 

آمبِر دانس
  • Published online:

Credit: Red Méthot

"لقد تُوفِّيَ طفلُكِ ...".

هذه هي الكلمات التي وقعت على مسامع مارسيل جيرارد، طبيبة الأسنان، المُقيمة في مدينة جاتينو الكندية، حين كانت تقضي شهر العسل في جمهورية الدومينيكان في عام 1992، وهي في الأسبوع السادس والعشرين من الحمل.

وحين بدأت في النزيف، افترض الأطباء في العيادة المحلية أنَّ طفلها قد مات، لكنَّها وزوجها شعرا بركلةٍ من الجنين. وعندها تَحَقَّق الأطباء من نبضات قلبه، وأدركوا أنَّه على قيد الحياة.

نُقِل الزوجان جوًّا إلى مدينة مونتريال الكندية، لتتلقى جيرارد العلاج الطبي، ومن هناك أُخِذَا إلى مركز مستشفى جامعة سانت جوستين. وبعد 5 ساعات، وُلِدَت كامي جيرارد بوك، وكانت تزن 920 جرامًا فقط (رَطْلَين).

يعاني الأطفال المولودون مبكرًا جدًّا عن الموعد الطبيعي لولادتهم من الهشاشة، وعدم اكتمال النمو، كما تتسم رئاتهم على وجه الخصوص بالضعف، لأنَّها تفتقر إلى المادة الزلقة المعروفة باسم "خافض التوتر السطحي"، التي تمنع المجاري الهوائية من الانهيار عند الزفير. ولحسن حظ جيرارد وعائلتها، فقد كانت مستشفى جامعة سانت جوستين قد بدأت قبلها بوقتٍ قريب في إعطاء الأطفال المُبتَسَرين مادةً خافضة للتوتر السطحي، وكانت هذه المادة علاجًا جديدًا آنذاك.

وبعد ثلاثة أشهر في العناية المركزة، اصطحبت جيرارد طفلتها إلى المنزل.

تبلغ كامي جيرارد بوك اليوم 27 عامًا، وهي تدرس من أجل الحصول على شهادة الدكتوراة في العلوم الطبية الحيوية بجامعة مونتريال. وبالتعاون مع باحثين من مركز مستشفى جامعة سانت جوستين، تتناول كامي في أبحاثها الآثار طويلة المدى للولادة المبكرة للغاية، وهي (في حُكْم التعريفات المختلفة) ولادة الطفل قبل مرور فترة تتراوح ما بين 25 و28 أسبوعًا من الحمل.

وتُوضِّح كامي أنَّ الأُسَر تفترض -في كثيرٍ من الأحيان- أنَّها ستكون قد استوعبت المشكلات الرئيسة الناجمة عن الولادة المبكرة بمجرد وصول أطفالها إلى سن المدرسة، الذي بحلوله ستكون جميع مشكلات النمو العصبي قد ظهرت بالفعل، لكنَّ هذا ليس أمرًا حتميًّا. فقد وجد المشرفون على رسالة الدكتوراة الخاصة بها أنَّ الشباب صغار السن ممَّن وُلِدوا مبكرًا تظهر عليهم عوامل خطر تهدد بأمراض القلب والأوعية الدموية، وأنَّهم قد تظهر عليهم مشكلات صحية مزمنة أكثر بمرور الوقت.

لكنَّ كامي لا تدع تلك المخاطر تشغل بالها، وتقول عنها: "إنَّ مَن يبقون على قيد الحياة بعد ولادتهم المبكرة يتغلبون على مصاعب كثيرة للغاية. وأعتقدُ أنَّ لدى شعورًا ما بأنَّني سأتغلب على هذه المصاعب أيضًا".

وتُعَدُّ هي وغيرها من المبتسرين الذين يواجهون تلك المصاعب جزءًا من مجموعةٍ من البشر صارت اليوم أكبر من أي وقتٍ مضى، وهي مجموعة البالغين الشباب الذين بقوا على قيد الحياة بعد ولادتهم المبكرة للغاية من وقت الحمل. وللمرة الأولى، صار بإمكان الباحثين البدء في فهم الآثار طويلة المدى، المترتبة على ولادة الأطفال مُبكِّرًا إلى هذه الدرجة، إذ تنهمر عليهم حاليًّا نتائج دراسات الأتراب التي كانت تتتبَّع هؤلاء الأطفال منذ الولادة، مُوفِّرةً بياناتٍ عن النتائج المحتملة لحالتهم على المدى الطويل، بينما تُجرِّب دراساتٌ أخرى طرقًا للتقليل من تداعياتها الصحية.

وهذه البيانات يمكن أن تساعد الآباء على اتخاذ القرارات الصعبة المتعلقة بمواصلة الكفاح من أجل بقاء أطفالهم على قيد الحياة. فرغم أنَّ كثيرين من الأطفال المولودين في وقتٍ مبكر للغاية من الحمل يكبرون ويتمتعون بحياةٍ صحية، تظل هناك مخاوف كبيرة من احتمالية إصابتهم بإعاقةٍ ما، لا سيما الإعاقات الإدراكية، والشلل الدماغي.

ويعمل الباحثون حاليًّا على تطوير تدخلاتٍ طبية مبتكرة، لتعزيز فرص البقاء على قيد الحياة بين حديثي الولادة ممَّن وُلِدوا في مراحل مبكرةٍ للغاية من الحمل، ولتقليل احتمالية إصابة هؤلاء الأطفال بالإعاقات المختلفة. وتخضع حاليَّا للتجارب الإكلينيكية مركّبات دوائية عديدة تهدف إلى تحسين وظائف الرئة، والمخ، والعينين. كما يُقيِّم الباحثون برامج لدعم أمهات المبتسرين وآبائهم.

وبالإضافة إلى هذا، يستكشف الباحثون طرقًا لمساعدة البالغين الذين وُلدوا في مراحل مبكرةٍ للغاية من الحمل على التأقلم مع بعض الآثار الصحية طويلة المدى التي قد يواجهونها؛ إذ يجرِّب الباحثون على سبيل المثال جدوى بعض برامج التمارين الرياضية، لتقليل مخاطر أمراض القلب والأوعية الدموية التي اكتُشِفَت مؤخرًا لدى هذه الفئة.

"هذا وقتٌ مشوق بالنسبة لنا فيما يخص إحداث فارق حقيقي في حالتهم الصحية".

وتقول جيني تشيونج، اختصاصية طب حديثي الولادة في المستشفى الملكي للنساء بمدينة ملبورن الأسترالية، التي تدير دراسة الرُّضَّع التعاونية بمدينة فيكتوريا الأسترالية (VICS)، التي تتتبع منذ أربعة عقود مَن يبقون على قيد الحياة من الأطفال المولودين مبكرًا: "لقد وصلنا بالفعل إلى المرحلة التي نشهد فيها تزايُد أعمار هذه المجموعة. وهذا وقتٌ مشوق بالنسبة لنا فيما يخص إحداث فارق حقيقي في حالتهم الصحية".  

لقد تغَّير طب حديثي الولادة كثيرًا في أواخر القرن العشرين، إذ يتذكَّر ليكس دويل -طبيب الأطفال، والمدير السابق لدراسة الرُّضَّع التعاونية المذكورة آنفًا- أنَّه عندما بدأ في رعاية الأطفال المُبتَسَرين في عام 1975، كان يبقى على قيد الحياة عددٌ قليلٌ ممن يُولَدُون ووزنهم يقل عن ألف جرام، وهو وزن المولودين في الأسبوع الثامن والعشرين تقريبًا من الحمل. وبينما ساعد بدء استخدام أجهزة التنفس الصناعي في السبعينات بأستراليا في مواجهة تلك المشكلة، كان يتسبب أيضًا في إصاباتٍ بالرئة، حسبما ذكر دويل، الذي يشغل الآن منصب المدير المساعد للبحوث في المستشفى الملكي للنساء. وفي العقود التالية، بدأ الأطباء يعطون الأمهات اللاتي من المتوقع أن يلدن مبكرًا مواد الكورتيكوستيرويدات، للمساعدة على إنضاج رئات الأطفال قبل الولادة مباشرةً، لكنَّ العامل ذا التأثير الأكبر في تحسين فرص بقاء هؤلاء الأطفال على قيد الحياة ظهر في بداية التسعينات مع تطوير العلاج بالمواد الخافضة للتوتر السطحي.

وعن تلك المواد تقول آن مونيك نويت، اختصاصية طب حديثي الولادة في مركز مستشفى جامعة سانت جوستين، وواحدة ضمن المشرفين على رسالة كاميّ: "أتذكر لحظة وصول هذه المواد إلينا. لقد كانت معجزة"، إذ انخفضت احتمالية وفاة الأطفال المُبتَسَرين إلى نسبةٍ تتراوح بين 60 و73% عمَّا كانت عليه من قبل2،1.

واليوم، تعالِج مستشفيات عديدة بانتظامٍ الأطفال المولودين في وقتٍ مبكر للغاية، يقع ما بين الأسبوعين الثاني والعشرين والرابع والعشرين من الحمل، وكثيرًا ما تُنقَذ حياتهم. وتختلف معدلات بقاء هؤلاء الأطفال على قيد الحياة، حسب الموقع الجغرافي، وأنواع التدخلات الطبية التي تستطيع المستشفيات توفيرها. وعلى سبيل المثال، في المملكة المتحدة، من بين الأطفال الذين يُولَدون أحياء، ويتلقون رعايةً طبية، يبقى على قيد الحياة 35% من المولودين في الأسبوع الثاني والعشرين من الحمل، وتزيد تلك النسبة إلى 38% في حال المولودين في الأسبوع الثالث والعشرين، وإلى 60% في حال المولودين في الأسبوع الرابع والعشرين3.

وبالنسبة إلى مَن يبقون على قيد الحياة من أولئك الأطفال، فكلما كان وقت الولادة مبكرًا، زادت مخاطر إصابتهم بمضاعفاتٍ صحية، أو إعاقاتٍ مستمرة (انظر الشكل: "آثار الولادة المبكرة")، إذ هناك قائمةٌ طويلة من المشكلات الصحية المحتملة التي قد يتعرضون لها، تتضمن الربو، والقلق، واضطراب طيف التوحد، والشلل الدماغي، والصرع، وقصور الإدراك. وحوالي ثلث الأطفال الذين يُولدون في وقتٍ مبكر للغاية من فترة الحمل يصابون بواحدةٍ من الحالات الطبية المذكورة في هذه القائمة، حسبما أوضح مايك أوشيا، اختصاصي طب حديثي الولادة في كلية طب جامعة نورث كارولاينا بمدينة تشابل هيل الأمريكية، الذي يشارك في إدارة دراسةٍ تتتبَّع نمو الأطفال المولودين بين عامي 2002، و2004. وأضاف أوشيا أنَّ ثلثًا آخر في هذه المجموعة من الأطفال يعاني إعاقاتٌ متعددة، أما بقيّتهم، فلا يعانون أي إعاقات.

ويقول كايسي كرامب، طبيب الأسرة والمتخصص في الوبائيات بكلية إيكان للطب في مستشفى ماونت سيناي بمدينة نيويورك: "ينبغي التفكير في الولادة المُبكِّرة باعتبارها مرضًا مزمنًا، يتطلب متابعةً طويلة المدى"، وأشار إلى أنَّ هؤلاء الرُضَّع حين يكبرون ويصبحون أطفالًا أو بالغين، لا يحصلون عادةً على رعايةٍ طبية خاصة. وأضاف قائلًا: "لم يتعود الأطباء استقبال هذه الحالات، لكنَّهم سيواجهون المزيد منها من الآن فصاعدًا".  

التوقعات الصحية للمولودين مُبكِّرًا

ماذا ينبغي أن يتوقع الأطباء فيما يخص صحة هؤلاء الأطفال؟ في تقريرٍ نُشِرَ في عام 2019 في دورية "جورنال أوف ذا أمريكان ميديكال أسوسييشن" Journal of the American Medical Association4، استخلص كرامب وزملاؤه بياناتٍ من سجل المواليد في السويد. ودرسوا الحالة الصحية لأكثر من 2.5 مليون شخص وُلدوا بين عامي 1973، و1997، وفحصوا سجلاتهم للكشف عن إصابتهم بأي مشكلاتٍ صحية حتى نهاية عام 2015.

كبر الصورة

كبر الصورة

Source: Ref.4

وتبيَّن أنَّه مِن بين مَن وُلِدوا من هذه المجموعة في وقتٍ مبكر للغاية من الحمل، الذين بلغ عددهم 5391 شخصًا، عانى 78% حالة مرضية واحدة على الأقل ظهرت أعراضها في مرحلة المراهقة، أو في بدايات مرحلة البلوغ (اضطرابًا نفسيًّا، على سبيل المثال)، وذلك مقارنةً بنسبة قوامها 37% ممَّن وُلِدُوا بعد مرور مدة الحمل الطبيعية. وعندما تقصَّى الباحثون مؤشرات الوفاة المبكرة في هذه المجموعة، مثل أمراض القلب، وجدوا أنَّ 68% من المولودين في وقتٍ مبكر للغاية من الحمل كان لديهم مؤشرٌ واحد على الأقل من تلك المؤشرات، مقارنةً بنسبة تبلغ 18% بين الأشخاص الذين وُلِدُوا بعد مرور مدة الحمل الطبيعية، وإنْ كانت هذه البيانات تشمل أشخاصًا وُلِدوا قبل أن يشيع استخدام المواد الخافضة للتوتر السطحي والكورتيكوستيرويدات. لذلك، ليس واضحًا ما إذا كانت هذه البيانات تُعبِّر عن النتائج الصحية المتوقعة للأطفال المولودين في الوقت الحالي. وقد وجد الباحثون اتجاهاتٍ مماثلة في دراسة أتراب أُجرِيَت في المملكة المتحدة على المولودين في أوقاتٍ مبكرة للغاية من الحمل. ففي نتائج نُشِرَت في وقتٍ سابق من هذا العام5، وجد الفريق القائم على دراسة "إبيكيور" EPICure، الذي يقوده نيل مارلو، اختصاصي طب حديثي الولادة في كلية لندن الجامعية، أنَّ 60% ممَّن يبلغون من العمر 19 عامًا وكانوا قد وُلدوا في أوقاتٍ مبكرة للغاية من الحمل لديهم خللٌ في جانبٍ نفسي عصبي واحد على الأقل، وكثيرًا ما كان هذا الجانب هو الإدراك.

ومثل هذه الإعاقات يمكن أن توثر في التعليم، وكذلك في جودة الحياة. وفي هذا الصدد.. حاول كريج جارفيلد، طبيب الأطفال بكلٍ من كلية فاينبرج للطب في جامعة نورث ويسترن ومستشفى لوري للأطفال في مدينة شيكاجو بولاية إلينوي، أن يجيب سؤالًا أساسيًّا يتعلق بالسِّن الرسمي للالتحاق بالتعليم في الولايات المتحدة: "هل طفلك مستعدٌ لدخول مرحلة رياض الأطفال، أم لا؟".

ولإجابة هذا السؤال، حلَّل جارفيلد وزملاؤه نتائج الاختبارات المُوحَّدة وتقييمات المعلمين للأطفال المولودين في ولاية فلوريدا بين عامي 1992 و2002. وقدَّروا أنَّه بين مَن وُلِدُوا من هؤلاء الأطفال في الأسبوع الثالث والعشرين أو الرابع والعشرين من الحمل، عُد 65% منهم جاهزين للالتحاق بمرحلة رياض الأطفال عند السن القياسي للالتحاق بالتعليم، الذي يبلغ من 5 إلى 6 سنوات، مع تعديل أعمار هؤلاء الأطفال، لأخْذ ولادتهم المبكرة في الاعتبار، وهذا مقارنةً بنسبةٍ بلغت 85.3% بين الأطفال المولودين بعد مرور فترة الحمل الطبيعية6.

ورُغمَ البدايات الصعبة التي يمر بها هؤلاء الأطفال المولودون مبكرًا، فإنَّ كثيرًا منهم تصبح توقعاتٌهم لحياتهم إيجابية عند وصولهم إلى مرحلة المراهقة. ففي ورقةٍ بحثية7 نُشِرَت في عام 2006، قارن باحثون يدرسون حالات بعض الشباب، بلغ وزن كل منهم عند الولادة ألف جرامٍ، أو أقل، بين تصورات هؤلاء الشباب عن جودة حياتهم، وتصورات نظرائهم ممَّن كانت أوزانهم طبيعيةً عند الولادة. وفوجئ الباحثون بأنَّ نتائج المجموعتين كانت متكافئة. وعلى النقيض، وجدت دراسةٌ منشورة8 في عام 2018 أنَّ الأطفال المولودين قبل مرور 28 أسبوعًا من الحمل يفيدون بالفعل بانخفاض مستوى جودة حياتهم بدرجةٍ ملحوظة عنه بين نظرائهم. فهؤلاء الأطفال، الذين لم تكن لديهم إعاقاتٌ حادة، أعطوا أنفسهم درجاتٍ أقل بمقدار 6 نقاط من أصل 100 نقطة، مقارنةً بمجموعةٍ مرجعية في الدراسة.

وبعدما أمضى مارلو بعضًا من الوقت مع المشاركين في دراسته وعائلاتهم، قَلَّتْ مخاوفه بشأن احتمالية مواجهة هؤلاء الأطفال لمشكلاتٍ عصبية حادة. وحتى عند وجود تلك المشكلات، فإنها لم تكن تحدّ كثيرًا من قدرات معظم هؤلاء الأطفال والشباب، الذين وصفهم مارلو قائلًا: "هم يريدون الاطمئنان إلى أنَّهم سيعيشون حياةً طويلة، وسعيدة". وأغلبهم في طريقه إلى ذلك". وأضاف: "الحقيقة أنَّ أغلبية من يتمكنون من البقاء على قيد الحياة إثر ولادتهم في الأسبوع الثاني والعشرين من الحمل لا توجد لديهم إعاقاتٌ حادة مُقيِّدة لحياتهم".

صعوبة التنفُّس

بدأ العلماء لِتَوِّهِم في تتبُّع مَن وُلدوا في مراحل مُبكِّرة للغاية من الحمل، حتى وصولهم إلى مرحلة البلوغ، ثم مرحلة منتصف العمر، وما بعدها، وهي المراحل التي قد تظهر فيها مشكلاتٌ صحية كامنة. وعن ذلك تقول تالا الصدِيق، الطالبة في المرحلة الثانوية، وتبلغ من العمر 16 عامًا، وتقيم في مدينة جدة بالمملكة العربية السعودية: "أود أن يركز العلماء على تحسين النتائج الصحية على المدى الطويل، بقدر اهتمامهم بتحسينها على المدى القصير".  

عندما كانت والدة تالا في الأسبوع الخامس والعشرين من الحمل، وجاءها المخاض، وصل بأطبائها الأمر إلى تسليم العائلة أوراق الجنازة قبل الموافقة على إجراء عملية ولادة قيصرية. وكطفلةٍ حديثة الولادة، قضت تالا ثلاثة أشهر في وحدة الرعاية المركزة لحديثي الولادة (NICU)، حيث عانت فشلًا كلويًّا، وتعفنًا في الدم، وضِيقًا في التنفس.

ولم تنتهِ تلك المضاعفات مع أخْذها إلى المنزل. وما زالت الآثار المترتبة على ولادتها مبكرًا تتجلَّى كلَّما تكلَّمَتْ، إذ يرتفع صوتها، وتُسمَع معه أنفاسُها، لأنَّ جهاز التنفس الصناعي الذي استُخدم لمساعدتها على التنفس أتلف حبالها الصوتية. وعندما بلغت 15 عامًا، بدأت سُرَّتها فجأةً في إخراج إفرازاتٍ صفراء، واحتاجت إلى عمليةٍ جراحية. وقد تبين أنَّ ذلك ناجمٌ عن مواد متبقية من الفترة التي كانت فيها تتلقى المواد الغذائية من خلال أنبوبٍ يمر عبر سُرّتها. وهذا بالتأكيد لم يكن أمرًا يعلمه أطباؤها كي يتحققوا منه. ففي الواقع، لا يسأل الأطباء في كثير من الأحيان عما إذا كان المريض المراهق أو البالغ قد وُلِدَ مبكرًا، وهو ما يمكن أن يكشف الكثير.

يتجلَّى هذا في ما واجهته شارلوت بولتون، طبيبة الجهاز التنفسي، التي تعمل بجامعة نوتنجهام في المملكة المتحدة، والمتخصصة في علاج مرضى الانسداد الرئوي المزمن (COPD)، حيث كان مَن ارتادوا عيادتها الخاصة عادةً في الأربعينيات من العمر، أو أكبر سنًا، وفي أحيان كثيرة من المدخنين، أو ممَّن اعتادوا التدخين في الماضي، لكنْ في عام 2008 تقريبًا، بدأت بولتون تلاحظ مرضى من نوعٍ جديد، يُحالون إليها بسبب معاناتهم من صعوباتٍ في التنفس، وأعراضٍ شبيهة بمرض الانسداد الرئوي المزمن، كانوا في العشرينات من العمر، ومن غير المدخنين.

وبسؤالهم، اكتشفت بولتن أنَّ كثيرين منهم قد وُلدوا قبل مرور 32 أسبوعًا من الحمل. ولمزيدٍ من المعلومات، تواصلت مع مارلو، الذي كان بدوره قد بدأ يساوره القلق حيال تدهور وظائف الرئة لدى المشاركين في دراسة "إبيكيور" مع تَقدُّمهم في العمر. فالتغيُّرات في وظائف الرئة هي مؤشرٌ رئيس على احتمالية الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، التي تُعَدّ السبب الرئيس للوفاة حول العالم. وكان الأطباء الإكلينيكيون يعلمون بالفعل أنَّه بعد ولادة الطفل في مرحلةٍ مبكرة للغاية من الحمل، لا تنمو الرئتان غالبًا حتى وصولهما إلى حجمهما الكامل. كما يمكن أن تتسبب أجهزة التنفس الصناعي، ومستويات الأكسجين المرتفعة، والالتهاب، والعدوى في المزيد من التلف بالرئات غير الناضجة، وهو ما يؤدي إلى تدهور وظائف الرئة ومشكلاتٍ في التنفس على المدى الطويل، حسبما أوضح بولتون ومارلو وزملاؤهم في دراسةٍ أُجريت على أطفالٍ في عمر الأحد عشر عامًا9.   

وتدعم أبحاث دراسة الرُّضَّع التعاونية بمدينة فيكتوريا الأسترالية تلك المخاوف المتعلقة بأمراض القلب والأوعية الدموية؛ إذ لاحظ الباحثون تراجعًا في مستوى تدفق الهواء لدى الأطفال في عمر الثامنة، الذين وُلدوا في مرحلة مبكرة للغاية من الحمل، وكان ذلك التراجُع يتفاقم كلما تقدموا في العمر10، بالإضافة إلى ارتفاع ضغط الدم لديهم مع بلوغ مرحلة الشباب11. وتقول تشيونج عن ذلك: "في الحقيقة، لم نكتشف السبب بعد. وهذا يفتح مجالًا بحثيًّا جديدًا تمامًا".

وفي مركز مستشفى جامعة سانت جوستين، لاحظ الباحثون أيضًا أنَّ البالغين الشباب ممَّن وُلدوا في الأسبوع الثامن والعشرين من الحمل، أو قبله، تزيد احتمالية إصابتهم بارتفاع ضغط الدم بحوالي ثلاث مرات عن المعتاد12. وقد فكَّر الباحثون في تجربة العلاجات الدوائية للسيطرة على ضغط الدم لدى هؤلاء الشباب، لكنَّ أعضاء المجلس الاستشاري للمرضى كان لديهم فكر مختلف، إذ أرادوا تجربة تدخلاتٍ خاصة بأنماط حياة هؤلاء الشباب قبل اللجوء إلى الأدوية.

لذا، بدأ العلماء في إجراء دراسةٍ تجريبية تقوم على برنامج تمارين رياضية، مدته 14 أسبوعًا، لكنَّهم كانوا متشائمين حيال نتائج تلك الدراسة إذ كانوا يعتقدون بأنَّ عوامل خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية لا يمكن التأثير فيها، إلا أنَّ النتائج الأولية أشارت إلى خطأ اعتقادهم هذا، فحالة الشباب الصحية كانت تتحسن مع ممارسة التمارين.

وتقول كامي إنَّ تلك البيانات تحفزها على تناول الطعام الصحي، وممارسة النشاط البدني باستمرار. وتضيف: "لقد مُنِحتُ فرصةً لأظل على قيد الحياة. وينبغي لي أن أتحلَّى بالحذر".

من البداية

بالنسبة إلى الأطفال المُبتَسَرين، ما زالت الأسابيع والشهور الأولى من الحياة هي الأخطر. وتُجرَى حاليًّا عشرات التجارب الإكلينيكية، لدراسة الولادة المُبكِّرة، والمضاعفات الصحية المترتبة عليها، فيُجرِّب بعضها تركيبات غذائية مختلفة، أو يعمل على تحسين برامج دعم الأمهات والآباء، بينما يركز البعض الآخر على مشكلاتٍ محددة تؤدي إلى الإصابة بإعاقاتٍ في المستقبل، مثل عدم اكتمال نمو الرئة، ونزيف الدماغ، والتغيرات في نمو العينين.

فعلى سبيل المثال، في المرحلة الثانية من تجربةٍ إكلينيكية، نُشِرَ تقريرٌ13 عنها في عام 2016، قام باحثون -أملًا في حماية رئات الأطفال المولودين مبكرًا- بإعطاء بعض هؤلاء الأطفال عامل نمو يُسمَّى IGF-1، وهو عاملٌ يحصل عليه الجنين عادةً من أمه خلال الأشهر الستة الأولى من الحمل. وأدّى هذا إلى انخفاضٍ بمقدار النصف في نسب الإصابة بأمراض الرئة المزمنة التي تصيب غالبًا الأطفال المُبتَسَرين، وأصبح هؤلاء الأطفال أقل عرضةً بعض الشيء للإصابة بنزيفٍ حاد في المخ خلال أشهرهم الأولى.

ويُعَدّ ضعف البصر أيضًا مشكلة مقلقة لدى الأطفال المبتسرين، إذ يتوقف نمو الشبكية قبل الأوان عندما يبدأ هؤلاء الأطفال في تنفس الأكسجين، ثم تعاود الشبكية نموها لاحقًا، لكنَّ هؤلاء الأطفال قد ينتجون حينها كمياتٍ زائدة عن اللازم من عامل نمو يُسمَّى VEGF، وهو ما يسبب فرطًا في انتشار الأوعية الدموية في العينين، في اضطرابٌ يُعرَف باسم اعتلال الشبكية. لذا، في المرحلة الثالثة من تجربةٍ إكلينيكية أُعلن عنها في عام 2018، نجح باحثون في علاج 80% من حالات اعتلال الشبكية تلك، وذلك باستخدام عقارٍ يعوق عامل النمو VEGF، يُسمى "رانيبيزوماب" ranibizumab14. وفي عام 2019، اعتُمد هذا الدواء في الاتحاد الأوروبي، ليُستخدَم في علاج الأطفال المُبتَسَرين.

وقد يكون بعض الأدوية الشائعة مفيدًا أيضًا في تلك الحالات، فعلى سبيل المثال، يُسهِم عقار "باراسيتامول" paracetamol (المعروف أيضًا باسم "أسيتامينوفين" acetaminophen) في خفض مستويات الجزيئات الحيوية المعروفة باسم "البروستاجلاندينات"، وهذا على ما يبدو يُحفِّز وريدًا رئيسًا في رئتي الجنين على الانغلاق، مما يمنع السوائل من دخولهما15.

وحسبما أدلى به بعض أطباء الأطفال حديثي الولادة، فمِن برامج العلاج التي يُرجَّح نجاحُها: التدخلات المجتمعية الهادفة إلى مساعدة الأسر بعد مغادرة المستشفيات. فبالنسبة إلى الآباء والأمهات، قد يكون من المُجهِد لهم نفسيًّا أن يواجهوا ذلك الوضع وحدهم، بعد أن كانوا يعتمدون على فِرقٍ من المتخصصين لأشهر، كما أنَّ الأبحاث ربطت غياب ثقتهم في أنفسهم بإصابتهم بالاكتئاب، وكذلك بمواجهة أطفالهم الناشئين لمشكلات سلوكية، وصعوبات في التطور الاجتماعي.

ولهذا السبب في مستشفى ولاية رود أيلاند للنساء والرضع بمدينة بروفيدانس، تدير الطبيبة بيتي فوهر برنامجًا لمتابعة الأطفال حديثي الولادة. وهناك، تُوضع كل أسرة في غرفةٍ خاصة، بدلًا من أن تشترك جميعها في عنبر كبير، مثلما يحدث في كثيرٍ من وحدات الرعاية المركزة للأطفال حديثي الولادة. وبمجرد أن تصبح الأسرة جاهزةً لمغادرة المستشفى، يساعدها برنامجٌ يُسمى "ترانزيشن هوم بلس" Transition Home Plus على الاستعداد، ويوفر لها مساعداتٍ، مثل المتابعة الدورية عن طريق الهاتف والزيارات في الأيام القليلة الأولي من إقامتها بالمنزل، بالإضافة إلى إتاحة خط هاتفي للمساعدة على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع. كما توفر المستشفى للأمهات اللاتي يعانين من اكتئاب ما بعد الولادة رعايةً يقدمها اختصاصيون نفسيون، وطاقم تمريض متخصص.

وتقول فوهر إنَّ نتائج البرنامج كانت لها دلالاتٌ مهمة، إذ إنَّ إقامة الأُسَر في غرفٍ منفصلة أدت إلى زيادة إنتاج لبن الأمهات، فأنتجت النساء في هذه الأسر لبنًا أكثر بنسبة 30% خلال أربعة أسابيع، مقارنةً بالأسر التي كانت في مساحاتٍ مفتوحةً أكثر. وعند سن السنتين، كان أطفال تلك الأسر التي مكثت في غرفٍ منفصلة يسجلون درجاتٍ أعلى في الاختبارات اللغوية والإدراكية16. وبعد أن بدأ برنامج "ترانزيشن هوم بلس"، انخفضت تكاليف الرعاية الصحية التي يحتاجها الأطفال الذين سُمح لهم بالخروج من وحدة الرعاية المركزة، كما قلت زياراتهم للمستشفى، وهذه كلها تُعَد من المسائل المثيرة لقدرٍ كبير من القلق في حال الأطفال المُبتَسَرين17. وحسب قول فوهر، فإنَّ وحدات الرعاية المركزة الأخرى تعمل على تطوير برامج مشابهة.

ومع هذه الأنواع المبتكرة من التدخلات، والبيانات الكثيرة التي تنتُج على المدى الطويل عبر الأبحاث والدراسات، يمكن للأطباء أن يضعوا توقعاتٍ أدق من ذي قبل لحياة الأطفال الذين وُلدوا مبكرًا للغاية. ورغم أنَّ هؤلاء الأطفال يواجهون مضاعفاتٍ صحية، فإنَّ كثيرًا منهم سيتمتع بصحةٍ جيدة، ومنهم تالا، التي تنوي أن تكون قصة نجاحٍ في هذا الصدد، إذ رغم بدايتها الصعبة في الحياة، فإنها ناجحةٌ أكاديميًّا، وتخطط أن تصبح طبيبةً للأطفال حديثي الولادة. وتقول عن ذلك: "أريد أيضًا تحسين الآثار الصحية طويلة المدى للولادة المبكرة في حياة الآخرين".

References

  1. Soll, R. & Özek, E. Cochrane Database Syst. Rev. https://doi.org/10.1002/14651858.CD000511 (1997).| article
  2. Soll, R. Cochrane Database Syst. Rev. https://doi.org/10.1002/14651858.CD001149 (1998). | article
  3. British Association of Perinatal Medicine. Perinatal Management of Extreme Preterm Birth Before 27 Weeks of Gestation: A BAPM Framework for Practice (BAPM, 2019). | article
  4. Crump, C., Winkleby, M. A., Sundquist, J. & Sundquist, K. J. Am. Med. Assoc. 322, 1580–1588 (2019). | article
  5. O’Reilly, H., Johnson, S., Ni, Y., Wolke, D. & Marlow, N. Pediatrics 145, e20192087 (2020). | article
  6. Garfield, C. F. et al. JAMA Pediatr. 171, 764–770 (2017). | article
  7. Saigal, S. et al. Pediatrics 118, 1140–1148 (2006). | article
  8. Gire, C. et al. Arch. Dis. Child. 104, 333–339 (2018). | article
  9. Bolton, C. E. et al. J. Pediatr. 161, 595–601.e2 (2012). | article
  10. Doyle, L. W. et al. Thorax 72, 712–719 (2017). | article
  11. Halkerwal, A. et al. Hypertension 75, 211–217 (2019). | article
  12. Flahault, A. et al. Hypertension 75, 796–805 (2020). | article
  13. Ley, D. et al. J. Pediatr. 206, 56–65.e8 (2019). | article
  14. Stalh, A. et al. Lancet 394, 1551–1559 (2019). | article
  15. Härkin, P. et al. J. Pediatr. 177, 72–77.e2 (2016). | article
  16. Vohr, B. et al. J. Pediatr. 185, 42–48.e1 (2017). | article
  17. Liu, Y. et al. J. Pediatr. 200, 91–97.e3 (2018). | article

آمبر دانس صحفية حرة، تقيم في مدينة لوس أنجيليس بولاية كاليفورنيا.