أخبار

فرحة عارمة مع بلوغ مسبار «الأمل» الإماراتي مدار المريخ

مسبار الأمل يستعد لأَخْذ قياسات غير مسبوقة للغلاف الجوي للكوكب الأحمر.

إليزابيث جيبني
  • Published online:
دخل مسبار الأمل مدار المريخ بنجاح في تمام الساعة الرابعة بتوقيت جرينيتش.

دخل مسبار الأمل مدار المريخ بنجاح في تمام الساعة الرابعة بتوقيت جرينيتش.

Axel Monse/Shutterstock

كُللت مهمة مسبار "الأمل" الإماراتي Hope للولوج إلى مدار المريخ بالنجاح، ليتمم بذلك الجزء الأخطر من مهمته، التي سوف تستغرق عامين. وبفضل هذا الإنجاز المبهر، احتلت دولة الإمارات العربية المتحدة (UAE) المركز الخامس من بين عدة جهات نجحت في بلوغ هذا الكوكب، لتحل بذلك في المرتبة التالية لوكالات فضاء أوروبية، وهندية، وروسية، وأمريكية. كما يُعَد المسبار جزءًا من أول بعثة على الإطلاق تُطْلِقها دولة عربية لاستكشاف فضاء ما بين كواكب المجموعة الشمسية.

شُيِّد مسبار "الأمل"، البالغة تكلفته 200 مليون دولار أمريكي، في جامعة كولورادو بولدر، وفي مركز محمد بن راشد للفضاء (MBRSC) في دبي، حيث اضطلع بتصميمه فريق مهندسين تابع للجامعة المذكورة ومركز محمد بن راشد، وشركاء آخرون من الولايات المتحدة. ويُمهِّد دخوله إلى مدار المريخ الطريق لتحقيقه مهمته العلمية، المزمع أن يرصد خلالها الغلاف الجوي للكوكب في مختلف بِقاعِه، وفي شتى الأوقات.

وأثناء العد التنازلي، استعدادًا للحظة وصول المسبار إلى المريخ، أُضيئت نُصُب تذكارية عامة وعدد من المواقع التراثية في الإمارات باللون الأحمر الذي يرمز إلى الكوكب. وقوبل نبأ نجاحه في بلوغ المدار بتصفيق حادّ في غرفة تحكُّم مركز بن راشد للفضاء. وتعقيبًا على هذا النبأ، قال فهد المهيري، وهو مسؤول كبير بوكالة الإمارات للفضاء، في تصريح للقناة التليفزيونية "دبي وان" Dubai One: "أشعر بقشعريرة تسري في بدني. يا له من إنجاز مذهل!".

دخل المسبار إلى مدار المريخ في قرابة الساعة الرابعة عصرًا بالتوقيت العالمي الموحد (UTC) في التاسع من فبراير الجاري، بعد رحلة استغرقت سبعة أشهر منذ انطلاقه من اليابان في العشرين من يوليو الماضي. وجدير بالذكر أن المسبار مزود بست وحدات دفع، تستمر عملية الاحتراق بها لـ27 دقيقة، وبذا.. يُتوقع أن تكون سرعة انطلاقه قد انخفضت من 121 ألف كيلو متر في الساعة إلى حوالي 18 ألف كيلومتر في المدة نفسها، ليستهلك بذلك نصف مخزونه الإجمالي تقريبًا من الوقود. وكان لا بد أن يبلغ المسبار نقطة مُثْلَى من المدار تغطي مسافة قدرها 600 كيلومتر، ليتسنى له دخوله بعد رحلته التي يقطع فيها 494 مليون كيلومتر.

وقد شكَّل هذا "الجزء الأخطر" من البعثة، على حد قول عمران شرف، مدير "مشروع الإمارات لاستكشاف المريخ" في مركز محمد بن راشد للفضاء. وقد بدا أن المناورة لدخول مدار المريخ، "فرص نجاحها وفشلها متساوية"، على حد قول بريت لاندِن، المهندس في جامعة كولورادو بولدر، وقائد الفريق المعنِيّ بالمسبار في البعثة، الذي أضاف قائلًا: "ننتظر بصبرٍ نافِد أن يؤكد فريق الملاحة بلوغنا المدار المنشود في غضون الساعات القادمة، فهذا يتيح لنا نافذة غير مسبوقة نطل منها -على المدى القصير، والطويل أيضًا - على الظروف الجوية والأنماط المناخية التي تميز هذا الكوكب المجاور".

وتجدر الإشارة إلى أن مهندسي المشروع قد عجزوا عن إدارة المسبار عن بُعْد آنيًّا من غرفة التحكم، نظرًا إلى أن وصول إشارات التحكم من الكوكب الأحمر وإليه يستغرق 11 دقيقة. وعليه، بدلًا من ذلك، يعمل المسبار ذاتيًّا، باستخدام أوامر جرى تحميله بها قبل أربعة أيام من وقت تنفيذها. وفوق ذلك، يقول بيت ويثنيل، مدير برنامج البعثة من جامعة كولورادو، إن المسبار صُمم بحيث يتمتع بـ"قدر من الذكاء" يمَكِّنه من التأقلم مع ما قد يطرأ من مفاجآت خلال المناورة.

كبر الصورة

كبر الصورة

خريطة جوية

وفي الوقت الحالي، يشغل المسبار مؤقتًا مدارًا إهليجيًّا، ريثما يحاول مهندسو المشروع اختبار مُعِدّاته وتكليفها بالمهام، استعدادًا للانتقال إلى "مدار المهام العلمية"، حيث يمكنه أن يباشر أداء مهامه بصورة مكثفة في منتصف مايو القادم. وهذا المدار الإهليجي الشاسع هو ما يضفي أهمية خاصة على مهمة المسبار، إذ يُفترض به أن يسمح لأدوات المسبار الثلاث –وهي كاميرا تصوير عالية النقاء، ومقياس طيف يَستخدِم الأشعة تحت الحمراء، وآخَر يَستخدِم الأشعة فوق البنفسجية– برصد جميع المناطق الجغرافية من الكوكب، على مدار اليوم، مرة كل تسعة أيام، بهدف وضع خريطة عامة لتتبُّع الأحوال الجوية للمريخ. وهي أرصاد لم يسبق الحصول عليها من على ظهر المريخ.

وبعد معالجة بيانات هذه الأرصاد، من المزمع إتاحتها للمجتمع العلمي العالمي، دون قيد أو شرط. ومن المقرر أن تَصدُر أول مجموعة منها بحلول سبتمبر القادم، حسب ما أدلت به سارة الأميري -نائبة مدير مشروع البعثة، وقائدة الفريق العلمي بها- في مؤتمر صحفي وجيز قبل هذا الحدث. ومن شأن هذه البيانات أن تسمح للباحثين بدراسة الغلاف الجوي للكوكب، بدءًا من العواصف الترابية التي تهبّ في أدنى بِقاعِه، وصولًا إلى أعلى طبقات غلافه الجوي الخارجي الذي يسرِّب الهيدروجين والأكسجين إلى الفضاء. كما يُتوقع أن تساعد هذه البيانات العلماء على اكتشاف كيفية تَأَثُّر أنشطة الغلاف الجوي المختلفة في الكوكب ببعضها البعض.

كما صرحت الأميري بأنّ العلماء قد أخذوا بالفعل في تحليل بيانات تجارب أجراها المسبار في أثناء رحلته، ولم يسبق التخطيط لها، "اغتنامًا لهذه الفرصة". وفي إحدى هذه التجارب، رصد المسبار في أثناء مسحه للمجموعة الشمسية مركبة "بيبيكولومبو" BepiColombo، المسافِرة إلى كوكب عطارد. ويُفترض مع رصد كلٍّ من المَركَبتين للأخرى عبر المسافة نفسها أنْ ترصدا المستويات نفسها من الهيدروجين، وهو ما يسمح لفريقيهما بمقارنة قياساتهما، ودراسة توزيع الهيدروجين في منظومتنا الشمسية. 

نهضة سريعة

ارتقت الإمارات العربية المتحدة إلى مكانتها الحالية في مصافّ القوى العظمى في حقل ريادة الفضاء سريعًا، إذ دشَّن البلد أول مشروعاته الفضائية قبل 15 عامًا فقط، عندما بدأ تعاوُنه مع شركة "ساتريك إنيشياتيف" Satrec Initiative –التي يقع مقرها في مدينة دايجون بكوريا الجنوبية– بهدف تشييد قمر صناعي لرصد الأرض. وأعلن البلد خلال العام الماضي اعتزامه إرسال مركبة جوالة إلى القمر في عام 2024، بيد أنه من المزمع أن يجري بناء هذه المركبة بالكامل في الإمارات العربية المتحدة فقط، على العكس من "مشروع الإمارات لاستكشاف المريخ"، الذي على الرغم من مشاركة مئات الإماراتيين فيه، فإن الجزء الأكبر من المسبار جرى تصميمه وتشييده في الولايات المتحدة.

وقد انطلق مسبار "الأمل" من مركز تانيجاشيما الفضائي بالقرب من بلدة ميناميتانه في اليابان. ويُعَد أحد ثلاثة مسابير فضائية استهدفت بلوغ المريخ، وانطلقت في يوليو من العام الماضي، إذ يُتوقع أن تكون مركبة "تيانوين-1" Tianwen-1 الصينية قد وصلت إلى الكوكب الأحمر في العاشر من فبراير الجاري، في حين من المقرر أن تهبط مركبة "بيرسيفيرانس" Perseverance الجوالة -التابعة لوكالة ناسا على سطح الكوكب في الثامن عشر من الشهر نفسه. 

وحتى الآن، على حد تصريح الأميري في مؤتمر صحفي وجيز، أحاطت بالبعثة أجواء من "المشاعر المتقلبة". وأضافت الأميري قائلة: "أعقبت كلَّ لحظة فرح، لحظاتٌ من القلق والترقب. ونحن في انتظار احتفالنا القادم".

وتعقيبًا على هذا الحدث يقول لاندِن: "هذه البعثة هي مهمة جريئة لبلد حديث النشأة، ولا أجد حماسًا يضاهي ما أشعر به لمشاركتي في هذا المسعى التاريخي".