افتتاحيات

فلنُحدِّث الإرشادات الخاصة بكيفية انتشار فيروس كورونا

من النادر أن ينتقل مرض ‎«كوفيد-19» من شخصٍ إلى آخر عبر ملامسة سطح ما. ويجب على منظمة الصحة العالمية ووكالات الصحة الوطنية توضيح نصائحها في هذا الصدد.

  • Published online:
فريقٌ يُطهِّر مسرح "كينتاي جراند" بمدينة ووهان الصينية في شهر يناير.

فريقٌ يُطهِّر مسرح "كينتاي جراند" بمدينة ووهان الصينية في شهر يناير.

Credit: Xia Junjun/VCG/Getty

بعد مرور عامٍ على اندلاع جائحة "كوفيد-19"، أضحت لدينا الآن أدلةٌ واضحة، إذ تَبيَّن أنَّ فيروس كورونا المعروف باسم "سارس-كوف-2" SARS-CoV-2 ينتقل في الأساس عن طريق الهواء، عبر القطيرات الكبيرة والجسيمات الصغيرة المعروفة باسم الهباء الجوي، التي تَصْدُر من المصابين بالفيروس في أثناء الكلام والزفير. أما الإصابة بالفيروس عبر ملامسة سطح ما، فتبدو نادرة الحدوث، رغم كونها غير مستبعَدة (E. Goldman Lancet Infect. Dis. 20, 892-893; 2020).

ومع ذلك، ما زال بعض وكالات الصحة العامة يؤكد أنَّ السطوح تشكل تهديدًا، وأنَّه ينبغي تطهيرها باستمرار. وهذا يسفر عن رسالةٍ عامة مربكة، في وقتٍ يحتاج الناس فيه إلى إرشاداتٍ واضحة عن كيفية ترتيب أولوياتهم فيما يخص جهود منع انتشار الفيروس.

وعلى سبيل المثال، في آخِر تحديثٍ للإرشادات العامة لمنظمة الصحة العالمية (WHO)، صدر في شهر أكتوبر الماضي، أوصت المنظمة باتباع مجموعةٍ من الاحتياطات، منها: "تجنّب لمس السطوح، خاصةً في الأماكن العامة، لأنَّ شخصًا مصابًا بعدوى "كوفيد-19" ربما يكون قد لمسها قبلك. لذا، نظِّف السطوح المختلفة بانتظام باستخدام محاليل التطهير المتعارف عليها". وفي شهر يناير الماضي، صرَّح أحد ممثلي المنظمة لدورية Nature بأنَّ هناك أدلةً محدودة على انتقال فيروس كورونا عبر السطوح الملوثة، التي تُعرف باسم "أدوات العدوى" Fomites، بيد أنَّ المنظمة نوّهت إلى أنَّ هذه الأدوات ما زالت تُعَد وسيلةً محتملة لانتقال الفيروس، وأشارت إلى أدلةٍ تثبت اكتشاف حمضه النووي الريبي "في الحيز المحيط بالمصابين به". كذلك تشير المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC) على موقعها الإلكتروني إلى أنَّ انتقال الفيروس عبر السطوح "لا يُعتقد أنَّه طريقةٌ شائعة لانتشار مرض «كوفيد-19»"، إلا أنَّها تذكر أيضًا أنَّه "من المهم أن نُطهِّر من حين إلى آخَر السطوح والأغراض التي يلمسها العديد من الأشخاص".

ولهذه الضبابية المحيطة بخطر أدوات العدوى تداعيات جسيمة، رغم كون هذا الخطر أقل كثيرًا، إذا ما قورن بالمخاطر التي يشكلها انتقال الفيروس عبر الهواء، فما زال اهتمام الأفراد والمنظمات ينصبّ على الجهود المكلِّفة لتطهير السطوح المختلفة، في حين أنه مِن الممكن تخصيص المزيد من الموارد للتركيز على أهمية الكمامات، ودراسة التدابير اللازمة لتحسين التهوية. وعلاج هذه المسألة الأخيرة سيكون أكثر تعقيدًا، لكنّه يمكن أن يصنع فارقًا أكبر.

وعلى سبيل المثال، تُقدِّر هيئة النقل الحضري لمدينة نيويورك وحدها أنه بدءًا من العام الحالي، حتى عام 2023، سوف تبلغ التكاليف السنوية المرتبطة باستخدام المطهرات لمواجهة مرض "كوفيد-19" ما يقارب 380 مليون دولار أمريكي. وتجدر الإشارة إلى أنه في أواخر العام الماضي، طلبت الهيئة مشورة الحكومة الفيدرالية الأمريكية بشأن ما إذا كان ينبغي لها أن تركز فقط على التعامُل مع جسيمات الهباء الجوي، أم لا. وكان الرد بأنْ تُرَكِّز على تطهير أدوات العدوى أيضًا. وحتى الآن، خصصت الهيئة قدرًا أكبر من مواردها لجهود تطهير السطوح المختلفة، مقارنةً بما كرَّسته للتعامل مع جسيمات الهباء الجوي.

"ينبغي أن تركز الجهود المبذولة لمنع انتشار العدوى على تحسين التهوية، أو تركيب أجهزةٍ لتنقية الهواء، تكون قد اختُبِرَت فعاليتها بصرامة".

أمَّا الآن، وقد اتُّفِقَ على أنَّ الفيروس ينتقل عبر الهواء من خلال القطيرات، سواء الكبيرة، أم الصغيرة، فينبغي أن تركز الجهود المبذولة لمنع انتشار العدوى على تحسين التهوية، أو تركيب أجهزةٍ لتنقية الهواء، تكون قد اختُبِرَت فعاليتها بصرامة. كما أنه لا بد من تذكير الناس بارتداء الكمامات، والإبقاء على مسافةٍ آمِنة بين بعضهم بعضًا. وفي الوقت نفسه، تحتاج الوكالات، مثل منظمة الصحة العالمية، والمراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها، إلى تحديث إرشاداتها بناءً على المعلومات الحالية. فالأبحاث المتعلقة بفيروس كورونا ومرض "كوفيد-19" تمضي بخطى سريعة، ولذا، ينبغي لوكالات الصحة العامة أن تقدم معلوماتٍ واضحة ومُحَدَّثَة، توفر للناس ما يحتاجونه للحفاظ على سلامتهم وسلامة الآخرين.