تحقيق إخباري

جدوى التنظيف المكثف للسطوح في منع انتشار الجائحة

يمكن لفيروس كورونا المُسبِّب للجائحة الحالية أن يظل حيًّا لفترةٍ طويلة على مقابض الأبواب وغيرها من السطوح، لكنَّها ليست من المصادر الرئيسة للإصابة بالعدوى.

دياني لويس

  • Published online:
عمال يَرُشُّون شارعًا بالمطهرات في مدينة شيجاجوانج الصينية في شهر يناير من عام 2020.

عمال يَرُشُّون شارعًا بالمطهرات في مدينة شيجاجوانج الصينية في شهر يناير من عام 2020.

 Credit: Zhai Yujia/China News Service via Getty

في شهر مارس الماضي، ذهب إيمانويل جولدمان إلى متجر البقالة الواقع في محل إقامته بولاية نيوجيرسي الأمريكية، واتخذ احتياطاته، حتى لا يُعرِّض نفسه لأي مخاطر، إذ كانت الأنباء المتعلقة بحالات الإصابة بمرض "كوفيد-19" تَرِد من شتى أنحاء الولايات المتحدة. ولذا، ارتدى قفازين، كي يتجنب لمس السطوح المُلوَّثة، وكمامةً، كي يقي نفسه من استنشاق ما قد يَصْدُر عن المتسوقين الآخرين من قطيراتٍ صغيرة مُحمَّلة بالفيروس المسبب للمرض. وفي ذلك الوقت، لم تكن قد صدرت بَعْدُ إرشادات توصي باستخدام القفازات أو الكمامات.

بعدها، في نهاية ذلك الشهر، كشفت دراسةٌ مخبرية أنَّ فيروس "سارس-كوف-2" يمكن أن يظل حيًّا لأيام1 على السطوح البلاستيكية، وتلك المصنوعة من الفولاذ المقاوِم للصدأ. وأثار ذلك الخبر موجةً من الذعر، بَدَتْ في العناوين الرئيسة للصحف والمجلات، كما أطلق العنان لطوفانٍ من النصائح حول كيفية تطهير كل شيءٍ نستخدمه، بدءًا من مقابض الأبواب، وانتهاءً بمشتريات البقالة. وبدا أنَّ ذلك الخبر أيضًا يؤكد ما ذهبت إليه الإرشادات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية (WHO) في شهر فبراير من العام الماضي، حين أشارت إلى أنَّ الفيروس المُسبِّب لمرض "كوفيد-19" يمكن أن ينتشر عبر السطوح المُلوَّثة، المعروفة باسم "أدوات العدوى" fomites.

وبحلول شهر مايو، أصبحت منظمة الصحة العالمية ووكالات الصحة في أرجاء العالم توصي الأفراد بتنظيف السطوح وتطهيرها في الأماكن التي يرتادونها عادةً، مثل المنازل، والحافلات، والكنائس، والمدارس، والمتاجر، لا سيما تلك السطوح التي تتعرض للملامسة بصورةٍ متكررة. ومن ثمَّ، شرعت مصانع المطهرات في العمل على مدار الساعة، لمواكبة الطلب الزائد على منتجاتها.

قَرَّر جولدمان، المتخصص في البيولوجيا الدقيقة بكلية طب نيوجيرسي، التابعة لجامعة روتجرز في مدينة نيوآرك، أن يلقي نظرةً فاحصة على الأدلة المتعلقة بمخاطر أدوات العدوى. ولم يجد سوى أدلةٍ قليلة تدعم احتمالية انتقال الفيروس من شخصٍ إلى آخر عبر السطوح المُلوَّثة، فكتب في شهر يوليو الماضي تعليقًا لاذعًا في دورية "ذا لانسيت إنفكشس ديزيزِز" The Lancet Infectious Diseases، أشار فيه إلى أنَّ السطوح لا تمثل إلا خطرًا ضئيلًا  فيما يتعلق بانتقال الفيروس2، مقارنةً بغيرها من وسائل انتشاره. ومنذ ذلك الحين، لم تزده الأيام سوى اقتناع بذلك الرأي، فتخلَّى منذ وقت طويل عن ارتداء القفازات.

وتوصل العديد من الباحثين الآخرين إلى نتائج مماثلة. وبالفعل، أوضحت وكالة المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC)، في شهر مايو، إرشاداتها المتعلقة بانتقال المرض عبر السطوح، مشيرةً إلى أنَّ هذه الوسيلة لنشر المرض "لا يُعتقَد أنَّها الوسيلة الرئيسة لانتشار الفيروس". وتفيد الوكالة حاليًّا بأنَّ انتقال الفيروس عبر السطوح "لا يُعتقد أنَّه من الطرق الشائعة لانتشار مرض «كوفيد-19»".

ومع تزايُد ظهور الأدلة الداعمة لهذه الاستنتاجات على مدار الجائحة، تَغيَّرت معلوماتنا العلمية عن الفيروس، حيث أشارت الدراسات والأبحاث المُجراة جميعها حول موجات تفشي المرض إلى أنَّ غالبية حالات انتقال العدوى تنجم عن القطيرات الكبيرة والجسيمات الصغيرة المُسمَّاة بالهباء الجوي، التي تندفع بوفرة من أجسام المصابين عند السعال، أو الحديث، أو التنفس. فهذه القطيرات والجسيمات يمكن أن يستنشقها مباشرةً مَن يُوجَدون بالقرب من المصابين. أمَّا السطوح، فلا يَعتقِد الباحثون أنها تمثل خطرًا كبيرًا فيما يتعلق بانتقال العدوى، وإنْ كانت من الوسائل المحتمَلة لانتشار الفيروس.  

إنّ تنظيف السطوح أسهل من تحسين التهوية، خاصةً في فصل الشتاء، كما إنّ المستهلكين باتوا يرون أنه من الضروري اتباع بروتوكولات التطهير. ونتيجةً لهذا، تستمر الحكومات، والشركات، والأفراد في تخصيص قدرٍ هائل من الوقت والمال لجهود التنظيف المُكثَّف. فعلى سبيل المثال، بحلول نهاية عام 2020، بلغ إجمالي المبيعات العالمية لمطهرات السطوح 4.5 مليار دولار أمريكي، وهو ما يمثل زيادةً تربو على 30%، مقارنةً بإجمالي مبيعات عام 2019. كما أنَّ أحد المتحدثين باسم هيئة النقل الحضري لمدينة نيويورك (MTA)، التي تشرف على تشغيل قطارات مترو الأنفاق والحافلات بالمدينة، كشف أنَّ الهيئة أنفقت 484 مليون دولار أمريكي خلال العام الماضي على الجهود التي بذلتها للتصدي لمرض "كوفيد-19"، ومِن ضِمْن تلك الجهود عمليات التنظيف والتعقيم المكثفة. وجديرٌ بالذكر أنَّ الهيئة تكبدت خسائر بمليارات الدولارات من إيرادات نقل الركاب في العام نفسه.

ويكمن جزءٌ من المشكلة في أنَّ المتخصصين غير قادرين على استبعاد إمكانية انتقال المرض عن طريق أدوات العدوى. إضافةً إلى أنَّه مع تغيُّر معلوماتنا العلمية عن الفيروس، شابَ عدمُ الوضوح الإرشادات الصادرة عن العديد من وكالات الصحة بشأن كيفية التعامل مع السطوح. ففي نوفمبر الماضي، وضعت السلطات الصينية إرشاداتٍ تستلزم تطهير عبوات الأغذية المُجمَّدة المستورَدة. كما أنَّ وكالة المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC) تنصح الناس بقائمةٍ شاملة من المنظفات والمطهرات التي تقتل فيروس "سارس-كوف-2"، وصرحت في ذلك الصدد بأنه "من المهم أن نطهر السطوح والأغراض التي يلمسها عددٌ كبير من الأشخاص بصورة متكررة".

وبينما يرى الخبراء أن توصية الأفراد بغسل اليدين تبدو فكرةً جيدة، فإنَّ بعض الباحثين يعارضون التركيز على تنظيف السطوح. وعلى سبيل المثال، في ديسمبر الماضي، شاركت المهندسة لينزي مار، التي تعمل في جامعة فرجينيا للتكنولوجيا بمدينة بلاكسبرِج، في كتابة مقال رأْي نشرته الصحيفة الأمريكية "ذي واشنطن بوست" The Washington Post، ناشدت فيه الأفراد بأن يُقِلُّوا من جهود التنظيف، حيث قالت مار، التي تدرس انتشار الأمراض عبر الهواء: "بات من الواضح أنَّ انتقال العدوى عن طريق استنشاق قطيرات الهباء الجوي الدقيقة من الطرق الأساسية لانتشار المرض، إنْ لم يكن أَبرزها". وأضافت المهندسة قائلة إنّ التركيز المفرط على تنظيف السطوح يستهلك الوقت والموارد المحدودة المتوفرة لدينا، التي من الأفضل أن تُستَغل في التهوية، أو تنقية الهواء الذي يتنفسه الأفراد.

الحمض النووي الريبي ليس دليلًا حاسمًا

بدأ التركيز على أدوات العدوى، بدلًا من جسيمات الهباء الجوي في بدايات تفشي فيروس كورونا، لِمَا عرفناه بالفعل عن الأمراض المعدية الأخرى. ففي المستشفيات، يمكن للعوامل المُمْرِضة أن تَعْلَق بقضبان الأَسِرَّة، أو أن تتنقل من شخصٍ إلى آخر عبر سماعة الطبيب، كما يحدث في حال بكتيريا المكورات العنقودية الذهبية Staphylococcus aureus المقاوِمة لعقار "الميثيسيلين" methicillin، والفيروس المخلوي التنفسي، وفيروسات "النوروفيروس". لذلك، بمجرد أن بدأ الناس يُصابون بفيروس كورونا الجديد، شرع الباحثون في فحص غرف المستشفيات، ومنشآت الحجر الصحي، وأخذ المسحات منها، بحثًا عن الأماكن التي قد يكمن بها الفيروس. وبدا أنَّه ينتشر في كل مكان.

ففي المنشآت الطبية، كشفت الفحوص عن وجود بقايا من الحمض النووي الريبي للفيروس على الأدوات الشخصية، مثل نظارات القراءة، وزجاجات المياه. وهذه البقايا هي الوسيلة الرئيسة التي يكشف بها الباحثون حالات التلوث الفيروسي. كما بيَّنت الفحوص وجود تلك البقايا أيضًا على قضبان الأَسِرَّة، وفتحات التهوية. وفي المنازل الخاضعة للحجر الصحي، وُجِد أن أحواض الغسيل والاستحمام تُؤوي الحمض النووي الريبي للفيروس، وتَبيَّن كذلك في المطاعم أنَّ أعواد الأكل الخشبية مُلوَّثة بالفيروس. كما أشارت الدراسات التي أُجريت في بدايات الجائحة إلى أنَّ بقايا الفيروس قد تبقى في مكانها لأسابيع، فعلى سبيل المثال، بعد 17 يومًا من إخلاء سفينة الرحلات السياحية "دياموند برينسِس" Diamond Princess، عثر العلماء على الحمض النووي الريبي للفيروس على السطوح في كبائن الركاب وأفراد الطاقم الذين ثبتت إصابتهم بمرض "كوفيد-19"، وقد بلغ عددهم 712 شخصًا3.

تكلَّف تعقيم وسائل النقل العام في مدينة نيويورك مئات الملايين من الدولارات في عام 2020.

تكلَّف تعقيم وسائل النقل العام في مدينة نيويورك مئات الملايين من الدولارات في عام 2020.

Credit: Noam Galai/Getty

لكنَّ التلوث بالحمض النووي الريبي للفيروس ليس بالضرورة مدعاةً للقلق، حسبما أوضح جولدمان في قوله: "الحمض النووي الريبي للفيروس مثل جثته، فهو ليس مُعدِيًا".

ولفَكّ غموض هذا الجزء من اللغز، بدأ الباحثون يختبرون قدرة عينات فيروس كورونا على إصابة الخلايا المزروعة في المختبر بالعدوى عند تَرْكها لعدة أيام على أنواعٍ مختلفة من السطوح. ووجدت إحدى الدراسات في شهر إبريل الماضي أنَّ الفيروس ظل مُعديًا على السطوح الصلبة، مثل البلاستيك، والفولاذ المقاوم للصدأ لمدة ستة أيام، وعلى الأوراق النقدية لمدة ثلاثة أيام، وعلى الكمامات الجراحية لمدة سبعة أيام على الأقل4. وأعلنت دراسةٌ لاحقة أنَّ الفيروس ظل حيًّا على البشرة لمدةٍ وصلت إلى أربعة أيام، بينما بقي حيًّا على الملابس لمدةٍ قَلَّت عن ثماني ساعات5. ووجد باحثون آخرون أنَّه بعد ثمانية أيام6من وجود الفيروس على كتب المكتبات المُغلَّفة بالجلود الطبيعية والصناعية، ظل قادرًا على الإصابة بالعدوى.

ظروف غير واقعية

رغم أنَّ هذه الأنواع من التجارب تثبت أنَّ فيروس كورونا الجديد يمكن أن يبقى حيًّا على السطوح المختلفة، فإنَّ هذا لا يعني أنَّ الأفراد يصابون به عبر ملامسة سطوحٍ، مثل مقابض الأبواب، إذ يحذر جولدمان وباحثون آخرون من المبالغة في أهمية نتائج الدراسات التي تتناول قدرة الفيروس على البقاء حيًّا، لأنَّ غالبية تلك الدراسات لا تُجرى تجاربها في الظروف الموجودة خارج المختبر. ويقول جولدمان عن ذلك: "بدأت تلك التجارب بكمياتٍ هائلة من الفيروسات، يُستبعد تمامًا أن تصادفها على أرض الواقع". كما أنَّ تجارب أخرى استخدمت لُعابًا اصطناعيًّا، وتحكمت في ظروفٍ معينة، مثل الرطوبة، ودرجة الحرارة. وكل هذه العوامل تزيد اتساع الهوة بين الظروف التجريبية، والظروف الواقعية، حسبما يرى جولدمان.

ولم تُقْدِم سوى دراساتٍ قليلة على البحث عن عينات الفيروس الحية خارج المختبر، ومنها الدراسة التي أجراها الباحث تال بروش-نيسيموف، رئيس وحدة الأمراض المعدية بمستشفى أسوتا أشدود الجامعي في إسرائيل. جمع بروش-نيسيموف وزملاؤه مسحات تحتوي على الفيروس من على الأغراض الشخصية والأثاث في وحدات العزل بالمستشفيات، وفي غرف أحد فنادق الحجر الصحي. ووجدوا من خلال الفحوص أنَّ نصف العينات المأخوذة من اثنين من المستشفيات تحتوي على الحمض النووي الريبي للفيروس، وكذلك عثروا على الحمض في أكثر من ثلث العينات المأخوذة من الفندق، بيد أنه -حسبما أفادوا7- لم يكن أيُّ من هذه المواد الفيروسية قادرًا في الواقع على إصابة الخلايا.

وفي واقع الأمر، واجه الباحثون صعوباتٍ كذلك في محاولاتهم لاستخلاص فيروساتٍ حية من العينات البيئية، وليس فقط من أدوات العدوى. وفي الدراسة الوحيدة التي نجحت في ذلك، نمَّى الباحثون جسيماتٍ فيروسية، استخلصوها من عيناتٍ من هواء المستشفيات8 الذي أحاط بالمصابين بمرض "كوفيد-19" على مسافةٍ لا تقل عن مترين.

ومع ذلك، يُحذِّر العلماء من استخلاص نتائج نهائية وقاطعة بناءً على هذه الدراسات. يقول عالِم الوبائيات بن كاولِنج، الذي يعمل في جامعة هونج كونج: "العجز عن إثبات قدرة الفيروس على البقاء حيًّا على السطوح لا يعني أنَّه لم يكن هناك فيروسٌ مُعْدٍ عليها في وقتٍ ما"، بيد أنَّ الدراسات التي تتناول تعرُّض البشر للمُمْرِضات الأخرى توفر لنا أدلةً إضافية عن قدرة أدوات العدوى على نقل فيروسات الجهاز التنفسي. ففي عام 1987، وضع باحثون من جامعة ويسكونسن-ماديسون الأمريكية مجموعةً من المتطوعين الأصحاء في غرفة، ليلعبوا إحدى ألعاب الورق مع أشخاصٍ مصابين بالفيروس الأنفي المسبب لنزلات البرد العادية9. وعندما قيَّد الباحثون أذرع المتطوعين الأصحاء لإعاقتهم عن لمس وجوههم، ولمنعهم من نقل الفيروس من السطوح المُلوَّثة، أصيب نصفهم بالعدوى. وكذلك أُصيب بالعدوى عددٌ مماثل من المتطوعين الذين لم تُقيَّد أذرعهم.

وفي تجربةٍ منفصلة، أخذ الباحثون أوراق لعب البوكر ورقائقه التي لمسها متطوعون مرضى، وسعلوا عليها. بعد ذلك، قام الباحثون بنقل هذه الأغراض إلى غرفةٍ منفصلة، يوجد بها متطوعون أصحاء، طَلب منهم الباحثون لعب البوكر مع فَرْك أعينهم وأنوفهم في أثناء اللعب. فلم تكن هناك وسيلةٌ ممكنة لانتقال العدوى سوى من خلال أوراق اللعب والرقائق المُلوَّثة، لكنْ لم يُصَب أي شخصٍ من هؤلاء اللاعبين بالعدوى. وهذا المزيج من التجارب وفَّر لنا أدلةً قوية على أن الفيروسات الأنفية تنتشر عبر الهواء، إلا أن مثل هذه التجارب تُعَد غير أخلاقية في حال فيروس "سارس-كوف-2"، لأنَّها يمكن أن تودي بحياة المشاركين.

ويرى كاولنج أنه رغم أن انتقال العدوى عبر السطوح يحدث بصورة نادرة على الأرجح، لا يمكننا أن نستبعد انتشارها بهذه الوسيلة تمامًا. وأوضح هذا قائلًا: "يبدو فقط –على حد علمنا- أنَّ هذا لا يحدث كثيرًا".

وهذا الاستنتاج تدعمه -على ما يبدو- تقديرات معدلات انتقال العدوى، التي تستند إلى مستويات ما يبقى في البيئة من حمضٍ نووي ريبي للفيروس. ففي الفترة ما بين شهري إبريل ويونيو من العام الماضي، عكفت المهندسة البيئية إيمي بيكِرينج، التي كانت تعمل آنذاك بجامعة تافتس في مدينة ميدفورد بولاية ماساتشوستس الأمريكية، على أخذ مسحات أسبوعيًّا مع زملائها من السطوح الموجودة داخل المباني وخارجها في إحدى بلدات الولاية. وبناءً على مستويات التلوث بالحمض النووي الريبي للفيروس، والوتيرة التي يلمس بها الناس السطوح، مثل مقابض الأبواب، وأزرار عبور المشاة، قدَّر الفريق10 أنَّ احتمالية الإصابة بالعدوى من ملامسة السطوح المُلوَّثة تبلغ أقل من 5 حالات لكل 10 آلاف حالة، أي أقل من تقديرات معدلات الإصابة بعدوى الفيروس عن طريق جسيمات الهباء الجوي، وأقل كذلك من احتمالية انتقال فيروسات الإنفلونزا والنوروفيروس عن طريق السطوح.

وتقول بيكِرينج، التي تعمل حاليًّا بجامعة كاليفورنيا في مدينة بيركلي، إنَّ "انتقال الفيروس عن طريق أدوات العدوى ممكن، لكنَّه يبدو ببساطة نادر الحدوث، إذ يتطلب انتقاله بهذه الوسيلة تحقُّق عددٍ كبير من الشروط".

وقد يفسر هذا لنا لِمَ وجدت مقارنةٌ عالمية بين التدخلات الحكومية لمكافحة الجائحة في أشهرها الأولى أنَّ السطوح التي يشترك في استخدامها عدة أشخاص كانت جهود تنظيفها وتطهيرها من بين التدخلات الأقل فعالية في الحد من انتقال العدوى11، في حين كانت التدخلات الأفضل هي التباعد الاجتماعي، والقيود المفروضة على حركة السفر، ومنها عمليات الإغلاق.

فوضى البيانات

هذا الوضع جعل الباحثين يُنقِّبون في فوضى البيانات التي توفرها جهود الرصد الوبائي، بحثًا عن أدلةٍ حول كيفية انتشار الفيروس. وقد نُشرت مئاتٌ من الدراسات عن انتقال مرض "كوفيد-19" منذ بداية الجائحة، لكن حسبما يُعتقد، لا توجد سوى دراسةٍ واحدة فقط تفيد بانتقال عدواه عبر سطحٍ مُلوَّث، من خلال ما أطلقت عليه "الطريقة المخاطية الفموية". وحسب ما أوردته تلك الدراسة، تمخَّط مصابٌ بالمرض في الصين بيده، ثم ضغط على زر المصعد في المبنى الذي تقع به شقته. وبعدها، لمس ساكنٌ آخر في المبنى الزر نفسه، ثم نظف أسنانه بعودٍ أسنان بعدها مباشرةً، وبذلك نقل الفيروس من الزر إلى فمه12، إلا أنه من دون معرفة التسلسلات الجينومية الخاصة بالفيروسات التي أصابت كلًّا منهما، تَعَذَّر استبعاد مسألة انتقال العدوى من شخصٍ آخر مجهول.

وفي حالةٍ أخرى، يُعتَقَد أنَّ ثمانية أشخاص في الصين قد أصيبوا بالعدوى بعد أن وطئوا بأقدامهم بِرْكةٍ من مياه الصرف الصحي، تحتوي على الفيروس في أحد الشوارع، ثم حملوه إلى منازلهم13.

وعلى الرغم من نُدرَة الأمثلة المنشورة لانتقال الفيروس عبر أدوات العدوى، تشترط السلطات الصينية تطهير الأغذية المُجمَّدة المستورَدة. وقد جاء ذلك التغيير في إرشادات السلطات الصينية، عقب تقريرٍ غير مُفصَّل حول انتقال العدوى إلى عاملٍ في شركةٍ للأطعمة المُجمَّدة في مدينة تيانجِن الساحلية شمال البلاد، بعد ملامسته لعبواتٍ مُلوَّثة تحتوي على لحم خنزير مُجمَّد مستورَد من ألمانيا، بيد أن منظمة الصحة العالمية شكَّكت في صحة المزاعم بأنَّ الناس يمكن أن يصابوا بالعدوى بهذه الطريقة من خلال عمليات نقل المواد الغذائية إلى المستهلكين، وكذلك شكَّك فيها خبراء آخرون.

""الدراسات الوبائية لأنماط انتقال العدوى في نظرنا شديدة الأهمية"

ويقول كاولِنج إنَّ هناك حاجة إلى مزيدٍ من البحوث التفصيلية، التي تتتبَّع بدقة مَنْ ينقل العدوى إلى طرف آخر غيره، وما السطوح والأماكن التي تَشارَكها الطرفان وقت الإصابة. ويوضح هذا قائلًا: "الدراسات الوبائية لأنماط انتقال العدوى في نظرنا شديدة الأهمية، سواءٌ انتقالها في المنازل، أم في أماكن العمل، أم أي مكانٍ آخر. ولا أعتقد أنَّنا نُجري ما يكفي من هذه الدراسات".

الخطر الأكبر

لدى الباحثين الآن حصيلة عامٍ كامل من البيانات المتعلقة بحالات الإصابة بفيروس كورونا الجديد، وهم يرون أنَّ حقيقةً واحدة تتجلى بلا شك، مفادها أنَّ البشر ينبغي أن يكونوا مثار القلق الرئيس، وليس السطوح. تقول مار إنَّ الأدلة المستمدَّة من أحداث الانتشار الفائق للمرض، التي يُصاب فيها عديدٌ من الأشخاص بالعدوى في وقتٍ واحد، في الأماكن المزدحمة داخل المباني، تشير بوضوح إلى انتقال العدوى عبر الهواء. وتضيف الباحثة: "تحتاج إلى وضع سيناريوهاتٍ شديدة التعقيد، كي تعزو أحداث الانتشار الفائق إلى السطوح المُلوَّثة".

وتتابع مار كلامها موضحةً أنَّ غسل اليدين بالغ الأهمية، لأنَّنا لا يمكننا استبعاد انتقال المرض عبر السطوح المُلوَّثة، لكنَّها تضيف قائلة إنّ الأهم من تعقيم السطوح تحسين أنظمة التهوية، أو تركيب أجهزة لتنقية الهواء. وتقول في هذا الصدد: "إذا أولينا اهتمامًا فعليًّا بالهواء، ثم تبقَّى لدينا بعض الوقت والموارد الإضافية، فحينها قد يكون تنظيف السطوح كثيرة التعرض للمس مفيدًا".

أمَّا بيكِرينج، فترى أنَّ الأُسر أيضًا بإمكانها الإقلال من جهود التنظيف المكثف. فتطبيق الحجر الصحي على مشتريات البقالة، أو تطهير جميع السطوح، ضرب من المغالاة. وتقول عن ذلك: "يتطلب هذا الكثير من الجهد، كما أنَّه -على الأرجح- لا يقلل فرص تعرُّضك للفيروس إلى هذه الدرجة". وعوضًا عن ذلك، من الأَوْلَى تركيز الجهود على الحفاظ على نظافة اليدين بالقدر المناسب، فضلًا عن ارتداء الكمامات، والالتزام بالتباعد الاجتماعي، لتقليص فرص التعرض للفيروس من خلال مَن يخالطونك عن قرب.

وقد حدَّثت منظمة الصحة العالمية إرشاداتها المتعلقة بتلك المسألة في العشرين من أكتوبر الماضي، مصرحةً بأن الفيروس يمكن أن ينتشر "عندما يعطس الشخص المصاب، أو يسعل، أو يلمس السطوح أو الأشياء، مثل الطاولات، ومقابض الأبواب والدرابزينات". وقد صرح متحدثٌ باسم المنظمة لدورية Nature بأنَّ "هناك أدلةً محدودة على انتقال الفيروس من خلال أدوات العدوى. ومع ذلك، فإنَّ انتقاله عبرها يُعَد من الطرق المحتملة لانتشار المرض، نظرًا إلى عثور الباحثين باستمرار على بقاياه في البيئة، وتأكيد الفحوص لوجود الحمض النووي الريبي له في محيط المصابين بالعدوى". كما أوضحت المنظمة أنَّ "ممارسات تطهير السطوح مهمة لتقليل احتمالية التعرض للفيروس المسبب لمرض «كوفيد-19»".

أمَّا وكالة المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها، فلم ترد على استفسارات دورية Nature بشأن وجود تناقضاتٍ في بياناتها حول مخاطر أدوات العدوى.

وحسب ما قالته مار، فإنَّ المعضلة التي تواجه السلطات الصحية هي صعوبة استبعاد انتقال العدوى عبر السطوح بصورةٍ قاطعة، كما إنّ هذه السلطات ربما لا تريد أن تنصح الناس بالتخلي عن حذرهم. وتوضح مار ذلك قائلةً: "لن ترغب مطلقًا في أن تنصح الناس بعدم تطهير السطوح، لأنَّها وسيلةٌ محتملة لانتقال العدوى. وكما تعلم، من الأفضل أن نتبع مبدأ الحيطة والحذر".

وعلى الرغم من ظهور مزيدٍ من الأدلة مع الوقت، إلا أنّ الأفراد -بوجه عام- ربما أصبحوا يرون جهود التعقيم الإضافية ضرورية بعد الأشهر الأولى من الجائحة. فعلى سبيل المثال، عندما استطلعت هيئة النقل العام في نيويورك آراء الركاب في أواخر سبتمبر وأوائل أكتوبر من العام الماضي، قال ثلاثة أرباع المشاركين في الاستطلاع إنَّ عمليات التنظيف والتطهير جعلتهم يشعرون بالأمان عند استخدام وسائل النقل.

أمَّا جولدمان، فما زال يرتدي كمامةً قماشية حين يغادر منزله، لكن فيما يتعلق بإمكانية الإصابة بفيروس كورونا من جراء ملامسة السطوح المُلوَّثة، فإنَّه لا يتخذ أي احتياطاتٍ خاصة. ويقول عن ذلك: "غسل الأيدي هو إحدى الطرق التي نحمي بها أنفسنا. وهذا يسري في جميع الأوقات، سواءٌ كنا نواجه جائحةً، أم لا".

References

  1. van Doramalen, N. et al. N. Engl. J. Med. 382, 1564–1567 (2020). | article
  2. Goldman, E. Lancet Infect. Dis. 20, 892–893 (2020). | article
  3. Moriarty, L. F. et al. Morb. Mortal. Wkly Rep. 69, 347–352 (2020). | article
  4. Chin, A. W. H. et al. Lancet Microbe 1, E10 (2020). | article
  5. Harbourt, D. E. et al. PLoS Negl. Trop. Dis. 14, e0008831 (2020). | article
  6. The REALM Project. Test 5: Natural attenuation as a decontamination approach for SARS-CoV-2 on textile materials (REALM, 2020); available at go.nature.com/3t1eycg
  7. Ben-Shmuel, A. et al. Clin. Microbiol. Infect. 26, 1658–1662 (2020). | article
  8. Lednicky, J. A. et al. Int. J. Infect. Dis. 100, 476–482 (2020). | article
  9. Dick, E. C. et al. J. Infect. Dis. 156, 442–448 (1987). | article
  10. Harvey, A. P. et al. Environ. Sci. Technol. Lett. https://doi.org/10.1021/acs.estlett.0c00875 (2020). | article
  11. Haug, N. et al. Nature Human Behav. 4, 1303–1312 (2020). | article
  12. Xie, C. et al. BMC Public Health 20, 1202 (2020). | article
  13. Yuan, J. et al. Clin. Infect. Dis. https://doi.org/10.1093/cid/ciaa1494 (2020). | article

دياني لويس

صحفية علمية تقيم في مدينة ملبورن الأسترالية.