كتب وفنون

تاريخٌ سَجَّلَتْه الصخور القادمة من الفضاء 

شواهد كيميائية في النيازك تكشف قصة ميلاد مجموعتنا الشمسية. 

ميناكشي وادوا  
  • Published online:
نشأت بحيرة كاراكول في طاجيكستان في حفرة نتجت عن ارتطام نيزكي.

نشأت بحيرة كاراكول في طاجيكستان في حفرة نتجت عن ارتطام نيزكي.

Credit: USGS/NASA Landsat/Orbital Horizon/Gallo Images/Getty

"النيازك.. صخور من الفضاء الخارجي شَكَّلَت عالَمنا" Meteorites: The stones From Outer Space That Made Our World

تيم جريجوري

دار نشر جون موراي (2020)

في عصر الثالث عشر من ديسمبر من عام 1795، وقع حدث مذهل على مرأى من ثلاثة حَرَّاثين في مقاطعة يوركشاير الإنجليزية.  فقد هبطت أمام أبصارهم صخرة من السماء، أحدثت تجويفًا عميقًا في الأرض، قرب قرية وولد نيوتن. ولما دَوّى الارتطام كصوت الرصاص، هرع سكان المناطق المجاورة إلى منشأ الصوت، ليجدوا حجرًا دافئًا استقر في حفرة بالأرض، ويضاهي حجمه حجم رغيف خبز.

انتهى الحال بهذه الصخرة الغريبة، التي لم يُعرف لها مثيل آنذاك في إنجلترا كافة، بين أيدي بضعة باحثين، ومنهم الكيميائي إدوارد هَوارد، الذي فحص تلك الصخرة، وصخورًا أخرى مثلها تساقطت من السماء في أنحاء أوروبا. وخلُص في ورقة بحثية شهيرة، نُشرت في عام 1802، إلى تصنيف جديد لهذه الصخور، أَدْرَجَها تحت فئة من الأجسام القادمة من خارج كوكب الأرض، صارت تُعرف باسم النيازك (E. C. Howard Phil. Trans. R. Soc. 92, 168-212; 1802).

وتشبه النيازك كبسولات زمنية كونية، إذ تسجل تفاصيل أحداث من بواكير حياة نظامنا الشمسي. ومن هنا، يتقصى ويحلل باحثون علميون بعناية الشواهد الكونية الكيميائية التي تنطوي عليها هذه الصخور، مثل التفاوُت في نسب ثلاثة نظائر طبيعية للأكسجين. وهي تفاصيل قد لا تبدو مثيرة للاهتمام لغير المتخصص. وأرشح عادةً كتاب "النيازك وكواكبها الأم" Meteorites and Their Parent Planets للمؤلف هاري مكسوين، بوصفه مادة ممتعة، يسهل فهمها لعموم القراء النهمين لمزيد من المعرفة، بيد أن  المشكلة هي أن أحدث طبعات هذا الكتاب صدرت في عام 1999،  وقد شهد المجال تطورات كبيرة خلال العقدين الماضيين، لكن من حسن الحظ أن لدي كتابًا جديدًا يمكنني ترشيحه. 

وفي هذا السياق، يقدم الكيميائي والجيولوجي تيم جريجوري في كتابه الجديد "النيازك" Meteorite سردًا ثريًّا يزخر بالقصص العلمية التاريخية، التي تسلط الضوء على آخر مستجدات ذلك المجال، إذ يثير في أذهاننا –بأسلوبه في العرض، الذي ينبئ بشغف شديد بمادته- صورًا لبيئات وأحداث غير مألوفة تمامًا للبشر. فتأمل -على سبيل المثال- وصفه للمراحل الأولى من عمر الشمس، قبل حوالي أربعة مليارات عام ونصف مليار عام، الذي يقول فيه: "اصطخبت الرياح وخصل رفيعة من التيارات الغازية، فتُجُمِّعَت تدريجيًّا ذرات الغبار في دوامات من السحب تشبه كرات العشب المتدحرجة".

قصص ظهور مفاجئ

"تحْمِل الصفائح الجليدية النيازك في أثناء حركتها، وكأنها أحزمة ناقلة، فتُراكِمها في مناطق محددة".

يبدأ المؤلف كتابه بالظروف المدهشة التي أحاطت بعدد مما سَجَّله التاريخ من أحداث اكتشاف النيازك وسقوطها، ومن تلك القصص: قصة صخرة "وولد نيوتن"، إلا أن جريجوري ينبِّهنا إلى أن ولع البشر بالنيازك موغل في القِدم؛ فيصف –على سبيل المثال– خنجرًا حديديًّا وُجد في مقبرة الفرعون المصري توت عنخ آمون، التي يعود تاريخها تقريبًا إلى عام 1350 قبل الميلاد. وقد نُحِت الخنجر من مادة نيزكية.

وينتقل المؤلف بعد ذلك إلى تاريخ اكتشاف تجمعات من النيازك في القارة القطبية الجنوبية، وفي بعض الصحاري الحارة، حيث يؤدي انخفاض معدلات سقوط الأمطار إلى إقلال معدلات تعرية هذه الصخور المتساقطة من الفضاء وتآكُلها. ومن هنا، تتوجه عادةً حملات البحث عن النيازك، التي تنطلق من دول مثل الولايات المتحدة واليابان، إلى القارة القطبية الجنوبية، حيث تحمل الصفائح الجليدية النيازك في أثناء حركتها وكأنها أحزمة ناقلة، فتُراكِمها في مناطق محددة.

باحثان في أثناء جَمْعهما عينات، ضمن برنامج "البحث عن النيازك في القارة القطبية الجنوبية" Antarctic Search for Meteorites .

باحثان في أثناء جَمْعهما عينات، ضمن برنامج "البحث عن النيازك في القارة القطبية الجنوبية" Antarctic Search for Meteorites . 

Credit: Christine Floss/ANSMET/NSF/NASA

ويشرح جريجوري الطرق التي تقيس بها الأدوات التحليلية الحديثة تراكيب النيازك بدقة وإتقان منقطعَي النظير. ويصف لنا "قطرات أمطار من نيران" تكونت عندما انصهرت فجأة كُتَل من غبار يعود إلى فجر الكون، لتنشأ عنها قُطيرات مستديرة تصلبت سريعًا، واتحدت مع مواد صلبة أخرى، لتشكل أجرامًا بحجم كويكبات، وبداياتٍ لما سيصير لاحقًا كواكب. وهذه القطيرات المتصلبة، أو ما يُعرف بالكوندريولات توجد في بعض من أكثر أنواع النيازك شيوعًا، أو ما يُسمى بالـ"كوندريتات". وفهْم العملية التي أدَّت إلى تَشَكُّلها، يكسبنا رؤى متعمقة عن الكيفية التي تشكلت بها الكواكب في بواكير النظام الشمسي.

إن النيازك قد تحمل لنا معلومات عما هو أقدم حتى من منظومتنا الشمسية، إذ تنطوي على مفاتيح لمعرفة طبيعة الفضاء بين النجوم والسحب الجزيئية الكثيفة التي قد تتشكل به، وكذلك لمعرفة كيف تندمج العناصر في النجوم حديثة النشأة. وتخبرنا الدراسات عن النيازك ومكوناتها أن الموقع الذي بزغت فيه المنظومة الشمسية في مجرّتنا كان في الماضي السحيق موقعًا أكثر نشاطًا وتخليقًا للنجوم مما هو عليه الآن.

يخوض جريجوري أيضا نِقاشًا معمقًا حول النيازك القادمة من القمر والمريخ، وأحداث ارتطامها الكبرى بالأرض (خاصة الارتطام الذي حدث قبل حوالي 66 مليون عام، الذي سحق ثلاثة أرباع صور الحياة النباتية والحيوانية على ظهر الأرض، بما في ذلك الديناصورات غير القادرة على الطيران). ويتخلل ذلك النقاش بعض من أكثر الشروح جلاءً وبساطة للمبادئ الكيميائية والفيزيائية الحاكمة لعلم الشهب والنيازك، وعلم الكيمياء الكونية، من بين ما صادفته في الكتب الموجَّهة إلى عموم القراء. فيبين جريجوري –على سبيل المثال– كيف ينتج السَّحْب المتبادل، بتأثير قوى الجاذبية، بين كوكب المشترى والكويكبات المتحَلّقة بالقرب منه في حزام الكويكبات، اهتزازات واسعة المدى في المدارات، تؤدي بدورها إلى خروج الكويكبات عن مسارها، مما يساعد على بلوغ صخور نيزكية الأرض. كما يوضح المؤلف أيضًا كيف أن الباحثين قد يعمدون إلى دراسة محتوى النيازك من نظائر الأكسجين، بوصفه "بصمة" تتيح اكتشاف الموضع الذي تشكّل به النيزك في السديم الشمسي، أو كيف قد يستخدمون نظائر نادرة لعناصر أخرى ليُقَدِّروا زمن تعَرُّض النيزك للأشعة الكونية في الفضاء بين الكواكب.

بيد أن الكتاب يُغفِل ذكر شخصيتين بارزتين ممن شكلوا هذا الحقل المعرفي، إحداهما شخصية هارفي نينينجر، الذي عَلَّم نفسه بنفسه في هذا المجال، لكن أبحاثه المكثفة وما جمعه من صخور أرسيا اللبنات الأساسية لعلم الشُهب والنيازك كمبحث معرفي في ثلاثينات القرن الماضي. (ويُذكر أن هواة جمع الصخور النيزكية، من غير الأكاديميين، لا يزالون يلعبون دورًا مهمًّا في المجال وفي تَقَدُّمه بما يُسَهِّلون توفيره للباحثين من أنواع جديدة من الصخور النيزكية). أما الشخصية الثانية، فهي شخصية وليام كاسيدي، الذي أسهم في إرساء منهجية لانتقاء الصخور النيزكية وجمْعها في القارة القطبية الجنوبية.

يستحق هذا الكتاب المثالي إصدارًا ثانيًا منه، يحوي عددًا أكبر من الرسوم التوضيحية والصور الفوتوغرافية، وكذلك المزيد من المصادر والاستشهادات المرجعية. ففي جميع الأحوال، تُعَد النيازك مفتاحًا لسبر أغوار كوكبنا، ومجموعتنا الشمسية، وغيرهما من العوالم.  فبدراستها، على حد قول جريجوري: "تتكشف لنا، عبر الفحوص المجهرية، قصص سُطِرت على مدى سنوات ضوئية، لنجد أنفسنا أمام آمادٍ زمنية تبث في النفس الهيبة والإكبار، من أطول ما عرف البشر".

ميناكشي وادوا

رئيس كلية الأرض واستكشاف الفضاء، التابعة لجامعة أريزونا الحكومية في مدينة تِمبي، وأستاذة في هذه الكلية أيضًا. وقد أُطلق اسمها على الكويكب 8356 وادوا، تقديرًا لإسهاماتها في علم الشهب والنيازك، وعلم الكواكب.

البريد الإلكتروني: meenakshi.wadhwa@asu.edu