رؤية كونية

فلنَنْتَبِه إلى الاتهامات المتعلقة بأحداث الطقس الشديد 

أَمَا وقد صار بالإمكان أن نعزو أسباب حدوث أنواع محددة من الفيضانات وموجات الحر إلى أفعالنا، يستطيع صناع القرار التحرك للتصدي لهذه الظروف المناخية.

ريتشارد إيه. بِتس

  • Published online:

MET OFFICE

في عام 2019، ارتفعت درجات الحرارة العظمى اليومية في أكثر من 24 مدينة جنوب غرب الصين، لتضاهي أعلى درجات الحرارة المسجَّلة تاريخيًّا، بل إنها تجاوزَتْها. على سبيل المثال، في مقاطعة يونان، تَسبَّب الجفاف الشديد الذي ضرب هذه المنطقة في الفترة من مارس إلى يونيو من ذاك العام في نقص مياه الشرب لمليوني شخص، وتلف المحاصيل على امتداد ما لا يقل عن 135 ألف كيلومتر مربع من الأراضي الزراعية، فضلًا عن خسارة اقتصادية مباشِرة تُقدَّر بحوالي 6.6 مليار يوان (حوالي مليار دولار أمريكي). وقد صارت الاحتمالية المُقدَّرة لحدوث مثل هذه الظروف المناخية الحارة والجافة بالتزامن وبهذه المستويات الشديدة أعلى بنسبة 43% مما كانت عليه بسبب تغيُّر المناخ الناتج عن الأنشطة البشرية. وكذلك أسفر حريق غابات بتلك المنطقة عن مقتل 31 من رجال الإطفاء. وتزايدت احتمالية نشأة الظروف المواتية لحدوث مثل هذه الحرائق بحوالي سبعة أضعاف، بسبب تغيُّر المناخ.

وبالإضافة إلى ذلك، في ذلك العام في كندا، تسببت الأمطار الغزيرة في فيضانات أسفرت عن إجلاء آلاف الأشخاص، وخسائر تأمينية تُقدَّر بحوالي 200 مليون دولار كندي (157 مليون دولار أمريكي). وقد كانت احتمالية حدوث هذه الواقعة أكبر بثلاثة أضعاف، بسبب تغيُّر المناخ. وفي أغسطس من العام نفسه، بلغ منسوب مياه الأمطار في إعصار دوريان نصف متر على جُزُر البهاما، إذ أدى تغيُّر المناخ إلى تزايُد فرص تساقط الأمطار بنسبة تراوحت بين 5  و10%.

وليست هذه سوى أمثلة قليلة على أنواع محددة من موجات الحر والفيضانات والوقائع التي يمكن لزملائي العاملين في مجال "تحليل أسباب التغيُّر المناخي" البرهنة على أن احتمالية حدوثها قد تزايدت بسبب التأثير البشري (وقد عُرِضت هذه الأمثلة وغيرها خلال الأسبوع الأخير من شهر يناير الماضي في عدد خاص من نشرة الجمعية الأمريكية للأرصاد الجوية، S.C. Herring et al. Bull. Am. Meteorol. Soc. 102, S1-S112; 2021). والآن، ينبغي الأخذ بتقنيات تحليل أسباب التغيُّر المناخي هذه بصفة روتينية، لمساعدة الحكومات والمؤسسات والمجتمعات على تنفيذ مسؤولياتها، وتحسين مرونة وضع السياسات في مواجهة الظروف المناخية الشديدة.

ومن الجدير بالذكر أنّ عشوائية ظروف الطقس قد حالت، لفترة طويلة جدًّا، دون إلقاء اللوم في وقوع مثل هذه الأحداث على التغيُّر المناخي بشكل صِرْف. وكان الصحفيون في أواخر التسعينات من القرن الماضي وأوائل القرن الحالي يسألوننا نحن علماء المناخ عن الدور الذي يلعبه التغيُّر المناخي في كارثة متعلقة بالطقس، فكان كل ما يمكننا قوله آنذاك هو أننا نتوقع رؤية المزيد من هذه الأحداث. واليوم، يمكننا تحديد مدى تزايُد احتمالية وقوع أحداث مناخية بعينها. ويمتد هذا إلى توقعات أخرى، حيث يمكننا –على سبيل المثال– تحديد الأماكن التي يُرجّح أن تشهد حرائق غابات، وانهيارات طينية، وانخفاضًا كبيرًا ومفاجئًا في أعداد الأسماك. ومثل هذه الحسابات تُقوِّض المزاعم المنكِرة للتغيُّر المناخي، والشعور الزائف بالأمان، كما تدحض الحجة القائلة إنّ "الظروف المناخية الشديدة تحدث بأي حال. ولذلك، لا داعي لأنْ نقلق بشأنها"، إذ إنه رغم حدوث هذه الظروف، فهذه المؤشرات تحدد بدقة ما المُرجَّح للحدوث منها، واحتمالية حدوثه، وسببه.

وما تزال عشوائية ظروف الطقس تضع أمامنا تحديات، لكنْ بإمكان الحسابات المعتمِدة على الفيزياء، التي تتناول الآليات المؤثرة في الغلاف الجوي العالمي أن تحاكي سيناريوهات عديدة لتغيُّر الطقس، وأن تقارن هذه السيناريوهات بأخرى لِمَا قد يبدو عليه الطقس في "تصوُّر لعالم يخلو" من التأثيرات البشرية. ويتيح لنا ذلك تقدير كيف أدى التغيُّر المناخي الناتج عن الأنشطة البشرية إلى تغيير احتمالات حدوث الجفاف، أو موجات الحر، أو تساقط الأمطار الغزيرة.

ويتمثل أهم استخدام لهذه المعلومات في جعل وَضْع الخطط قائمًا بدرجة أكبر على اعتبارات واقعية وعملية. وعلى سبيل المثال، من شأن وضع تقديرات كمية لمدى تزايُد احتمالية حدوث ظروف الطقس الشديد أن يقدم لي المزيد من الإرشاد في عملي في مجال تقييم مخاطر التغيُّر المناخي، وهو ما يساعد بدوره صناع السياسات والقائمين بالتخطيط على تطبيق هذه الأساليب، لإنقاذ الأرواح، وسبل العيش.

"الوعي بالدرجة التي تتزايد بها احتمالية تساقط الأمطار الغزيرة، أو بمدى تزايُد فرص اندلاع موجات الحر، يمكن أن يساعد مَن يديرون الشبكات والطرق ومواقع الأنهار على الاستعداد لأحداث لم تَعُدْ مستبعَدة بما يكفي لتَناسِي القلق بشأنها.

والوعي بالدرجة التي تتزايد بها احتمالية تساقط الأمطار الغزيرة، أو بمدى تزايُد فرص اندلاع موجات الحر، يمكن أن يساعد مَن يديرون الشبكات والطرق ومواقع الأنهار على الاستعداد لأحداث لم تَعُدْ مستبعَدة بما يكفي لتناسي القلق بشأنها. وعلى سبيل المثال، بعد فيضانات هائلة ضربت المملكة المتحدة في عام 2007، طبَّقت شركات إمداد الكهرباء وتوزيعها إجراءات لوقاية المحطات الفرعية من آثار الفيضانات؛ وساعد قياس مدى تسبُّب التغيُّر المناخي في تزايُد خطر الفيضانات على إقناع الجهات التنظيمية المعنية في هذه الصناعة بضرورة الاستثمار في هذا المجال.

ويجب أن يحدث هذا النوع من التخطيط بطبيعة الحال، بيد أن مما وجدته محبطًا للغاية هو أنه على الرغم من أن المنازل في منطقتي الآن مصمَّمة –كما ينبغي– لتكون موفرة للطاقة، فالعديد منها ما يزال غير قادر على التأقلم مع ظروف الطقس شديد الحرارة. (ولحسن الحظ، أطلقت حكومة المملكة المتحدة مباحثات بهذا الشأن في الشهر الماضي). وفضلًا عن ذلك، توضع قوانين البناء وخطط تصميم الطرق السريعة محليًّا، وتستند غالبًا إلى أنماط الطقس السابقة، وتُشيَّد المصارف للتعامل مع مستوى معين من الأمطار الغزيرة، ولنَقُلْ مثلًا أعلى مستوى جرى رصده في القرن الماضي. أما السكك الحديدية، وشبكات توزيع الكهرباء، فهي مصممة لتحتمل درجات حرارة معينة. وعلى سبيل المثال، في المملكة المتحدة، يُفترض ألا تكون مسارات السكك الحديدية التي حظيت بصيانة جيدة عرضة للالتواء في درجات الحرارة التي تقل عن 39° درجة مئوية. أما المسارات سيئة الصيانة، فتتعرض للالتواء عند درجات الحرارة الأدنى. وحتى اليوم، كانت أعلى درجة حرارة رسمية سُجلت في المملكة المتحدة على مدار تاريخها بلغت 38.7° درجة مئوية، وقد شهدها البلد في الخامس والعشرين من يوليو من عام 2019 في الحديقة النباتية لجامعة كامبريدج، بيد أنه تجدر الإشارة إلى أن مجاوَزة درجات الحرارة لـ35 درجة مئوية، صار اليوم حدثًا يتكررفي البلد مرة كل خمس سنوات، بدلاً من تكراره مرة كل فترة تتراوح ما بين 10 سنوات، و15 سنة. ولم تعد احتمالية بلوغ درجات الحرارة 40 درجة مئوية ضئيلة.

وتخدم هذه الشواهد أيضًا في الدعاوى القانونية حين يطالب المواطنون بمساءلة الشركات أو الحكومات على دورها في التغيُّر المناخي، أو عند خضوعهم للمحاكمة، بسبب تطبيق القانون بأيديهم، دون انتظار السلطات. وعلى الرغم من أن المحاكم هي المُخوَّلة بإصدار الأحكام في هذه القضايا، وليس علماء المناخ، إلا أن إجراءاتها القانونية تحتاج إلى أن تسترشد بأدلة علمية موثوقة، وموضوعية. وبعبارة أخرى، تُعَد الأبحاث العلمية المنشورة الخاضعة لمراجعة الأقران بالغة الأهمية هنا. وعلى سبيل المثال، اعتمدتُ على هذه الأبحاث في تقديم إفادة شاهد خبير بمحاكمة ناشط ينتمي إلى حركة "تمرد ضد الانقراض" Extinction Rebellion، أُلقي القبض عليه بعد تعطيله الطريق الرئيس على جسر ووترلو في لندن. وفي دعوى قضائية ضد 33 دولة أوروبية، رفعها ستة من الشباب البرتغاليين، أعدَّ معهد العلوم والسياسات، غير الهادف إلى الربح، "كلايمِت أناليتيكس" Climate Analytics، تقريرًا للجنة خبراء (انظر: go.nature.com/3qmv)، يتمحور حول الشواهد على التهديدات المتزايدة التي يمثلها تغيُّر المناخ على حياة هؤلاء الشباب.

وتقدِّم أحدث مجموعة من دراسات تحليل أسباب أحداث الطقس الشديد مزيدًا من الأدلة على التغيُّر المناخي، وهي تُذَكِّرنا بأن هذه المخاطر ستستمر في التزايُد إلى أنْ ينخفض صافي الانبعاثات إلى الصفر. لذا، يجب علينا أيضًا أن نتعلم كيف نتأقلم مع هذه الأوضاع على وجه السرعة.

ريتشارد ايه. بتس

مدير وحدة أبحاث تأثيرات المناخ في مكتب الأرصاد الجوية بمركز هادلي، ورئيس مجلس وحدة تأثيرات المناخ في معهد النظم العالمية في جامعة إكستر بالمملكة المتحدة.

البريد الإلكتروني: betts@metoffice.gov.uk