تعليقات

بحوث السرطان في حاجة إلى خريطة أدق

حان الوقت للانتقال من دراسة بيانات التسلسل الجيني للأورام إلى التعرّف على نقاط ضعف الأورام السرطانية.

جيسي إس. بويم، وماثيو جيه. جارنِت، وديفيد جيه. آدامز، وهايلي إي. فرانسيس، وتود آر. جولوب، وويليام سي. هان، وفرانسيسكو لوريو، وجيمس إم. ماكفارلاند، وليوبولد بارتس، وفرانشيسكا فاسكيز
  • Published online:
لا توجد سوى نماذج قليلة لدراسة أنواع السرطان النادرة.

لا توجد سوى نماذج قليلة لدراسة أنواع السرطان النادرة.

Credit: Steve Gschmeissner/SPL

قبل حوالي 15 عامًا، شرع العلماء والأطباء الإكلينيكيون في توصيف خصائص جينومات أورام سرطانية مستمدة من آلاف المرضى، لتثمر جهودهم عن مشروع "أطلس الجينومات السرطانية" TCGA، و"الاتحاد الدولي لدراسة الجينومات السرطانية" ICGC. وجدير بالذكر أن العقاقير التي جرى اعتمادها على مدار العقد الماضي لعلاج أي ورم سرطاني مستهدف استند تطويرها جميعها تقريبًا إلى مجموعات البيانات التي أسفرت عنها هذه الجهود. وتوفر هذه المعلومات الآن مفاتيح لتحديد الأشخاص الذين يمكن أن يستفيدوا من أنواع العقاقير الجديدة، مثل عقارَي "بِمبروليزوماب" pembrolizumab، و"نيفولوماب" nivolumab، اللذَين يساعدان الجهاز المناعي على محاربة السرطان. وقد استحدث مشروع "أطلس الجينومات السرطانية" أكثر من 2.5 بيتابايت من بيانات قياس الطفرات، والتعبير الجيني، ومستويات البروتينات عبر 33 نوعًا من السرطان. وحفّزت هذه المعلومات الابتكار في حقل تقنيات تحديد تسلسل الحمض النووي وتحليل الجينوم. وجَمَع الأطلس في النهاية بيانات من حوالي 11 ألف مريض، وهي بيانات يستعين بها آلاف الباحثين اليوم. ووضع هذا العمل البحثي تعريفات جديدة لبعض أنواع السرطان على المستوى الجزيئي، وقدم صورة لطبيعة الطفرات التي تحدث في أنواع السرطان الشائعة.

ومع ذلك، لا يستفيد من الطب الدقيق اليوم سوى عدد يقل عن ربع تعداد المصابين بأكثر أنواع السرطان شيوعًا 1،2. فمعظم المرضى يُضطرون إلى قطع شوط طويل في المعاناة من المرض، قبل أن يتمكن الأطباء الإكلينيكيون من التنبؤ بمفعول العقاقير، وآلية عملها، استنادًا إلى طفرة ما (أو غيرها من الواسمات الجزيئية) في أحد الأورام. وفي عام 2018، تُوفيّ ما يُقدّر بعشرة ملايين شخص حول العالم من جراء الإصابة بمرض السرطان، فيما خضع عدد ضخم جدًّا من المرضى لعلاجات جائرة سامة، لأن الأطباء لم يكن بإمكانهم آنذاك معرفة العلاج الذي قد يناسب هؤلاء المرضى.

ويتطلب تحسين فرص العلاجات المستقبلية تنفيذ مشروع طموح آخر، نطلق عليه "خريطة تبعية الأورام السرطانية" Cancer Dependency Map. وسيكون من شأن هذا المشروع استخدام أساليب ممنهجة لوضع خريطة لنقاط ضعف الأورام السرطانية، عن طريق تتبُّع الجينات والبروتينات المسببة للاضطرابات عبر الكثير من أنواع السرطان، وأيضًا عبر مختلف مراحل وسياقات العلاج الإكلينيكي. كما يُزمع أن يجمع مشروع "خريطة تبعيّة الأورام السرطانية" بيانات شتى، ويطرح أسئلة تختلف عن تلك التي طرحتها مشروعات تحديد التسلسل الجيني، وذلك عن طريق فحص التأثيرات التجريبية لتلك الاضطرابات (انظر الشكل "مشروعات ورؤى كبرى").

Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit, sed do eiusmod tempor incididunt ut labore et             dolore magna aliqua.
كبر الصورة

إننا نتطلع إلى هدف طموح، بل قد يذهب البعض إلى وصفه بالساذج. فغايتنا هي تقييم كل اضطراب ناجم عن جين أو عقار في كل نوع محتمل من أنواع السرطان في تجارب مختبرية، وإتاحة الوصول إلى البيانات المستخلصة للباحثين وخبراء تعلّم الآلة حول العالم. ولصوغ هذا المسعى الطموح بأرقام تقريبية، نعتقد أنه سيكون من الضروري إحداث اضطرابات في 20 ألف جين، وتقييم مفعول 10 آلاف من العقاقير المستخدمة والواعدة في 20 ألف نموذج للإصابة بالسرطان، وكذلك قياس التغييرات الناجمة على صعيد احتمالية البقاء على قيد الحياة، والمورفولوجيا، والتعبير الجيني، وجوانب أخرى. وقد صار بالإمكان تحقيق ذلك عن طريق عدة تقنيات، بدءًا من أدوات "كريسبر" CRISPR لتحرير الجينوم، وصولًا إلى أدوات علم نُظُم المعلومات، بافتراض وجود ما يكفي من الباحثين والموارد لتولي هذه المهمة.

نحن باحثون من معهدين رائدين لأبحاث علم الجينومات، هما: معهد ويلكم سانجر في هِنكستون بالمملكة المتحدة، ومعهد برود في مدينة كامبريدج بولاية ماساتشوستس الأمريكية. وقد اضطلع معهدانا بقيادة مبادرات دولية كبرى ودعمِها، أثمرت عن مجموعات بيانات جينومية مرجعية (مثل تلك الخاصة بـ"مشروع الجينوم البشري"، و"مشروع الألف جينوم" 1000 Genomes، و"أطلس الجينومات السرطانية"، و"الاتحاد الدولي لدراسة الجينومات السرطانية"، و"قاعدة بيانات تجميعات الجينوم"gnomAD، و"أطلس الخلايا البشرية" Human Cell Atlas، وغيرها الكثير). وقد أطلقنا مشروعًا تجريبيًّا لرسم "خريطة تبعيّة الأورام السرطانية" قبل عدة سنوات 3-5، من أجل تقييم الجدوى الأساسية التي تتحقق من هذه الجهود الكبيرة. ويمكن حاليًّا لـ1500 باحث من أكثر من 100 بلد الوصول يوميًّا إلى البيانات الصادرة عن هذا المشروع التجريبي. وكنتيجة لذلك، اكتُشِفَت العشرات من المناطق التي ثبت -إلى حد كبير- إمكانية استهداف علاجها بالعقاقير، وانطلقت بالفعل تجارب إكلينيكية في هذا الصدد، بيد أن حجم هذا التحدي وتعقيده يعنيان أننا في حاجة إلى جهود لا تقتصر على مساعي معهدَي برود، وسانجر وحدهما.

وقد حان الوقت كي نحذو حذو كبرى المشروعات العلمية الأخرى؛ ليتخطى نطاق جهودنا حدود معهدينا، وتتحول هذه الجهود إلى مبادرة مشتركة، يقوم العديد من الأطراف الفاعلة على تنسيقها وبنائها.

الطفرات ليست كل شيء

في إطار علم الأورام، يشير مصطلح "التبعيّة" إلى جين، أو بروتين، أو سمة جزيئية أخرى يعتمد عليها الورم كي ينمو، ويمكن أن يُطلق عليها أيضًا نقطة ضعف الورم. ولعل أبسط أنواع هذه التبعيّة الإدمان6؛ بمعنى تحفيز جين لنمو الورم عند تطفُّر هذا الجين، أو نسخه، أو التعبير بصورة مفرطة عنه، بحيث يصبح ضروريًّا من أجل التكاثر المتواصل للخلايا السرطانية. وثمة علاجات يمكنها منع مثل هذه التبعات الجينية مباشرةً. ومن الأمثلة المهمة لهذه العقاقير: "فيمورافنيب" Vemurafenib (الذي يعوق عمل إنزيم التأشير الخلوي B-RAF لعلاج الورم الميلانيني، وغيره من أنواع السرطان)، و"أوزيميرتينيب" Osimertinib (الذي يعوق عمل المستقبل الخلوي EGFR لعلاج أنواع سرطان رئوية معينة). وحديثًا، ظهر عقار "سوتوراسيب" sotorasib (الذي يعوق شكلًا متحوِّرًا من بروتين التأشير الخلوي K-Ras)7. وحالات الإدمان التي تسهم فيها جينات متطفرة، تمثل نوع نقاط الضعف الذي يتكشف بسهولة كبيرة من خلال مشروعات تحديد التسلسل الجيني للأورام.

وثمة نوع آخر من نقاط ضعف الأورام يتسم بأنه أكثر تعقيدًا، ويصعب اكتشافه باستخدام بيانات التسلسل الجيني للورم، وفيه يصبح أحد البروتينات أساسيًا لنمو الورم، بسبب تغيُّرات تطرأ على جينات أخرى. ويُطلق على هذه الحالة "الفتك التخليقي"8، فعلى سبيل المثال، يعاني بعض من المصابات بسرطاني الثدي والمبايض طفراتٍ في الجين BRCA1. وتستهدف العقاقير التي تُعطى لهؤلاء المريضات بروتينًا يلعب دورًا في آلية إصلاح الحمض النووي، تحتاج إليه هذه الأنواع من الأورام السرطانية، كي تواصل نموها، وليس بروتين BRCA1 نفسه. ومن شأن اكتشاف المزيد من نقاط ضعف الأورام السرطانية، والمزيد من أنواعها، وفهْمها، إحداث ثورة في علاجات السرطان.

وقد بدأت بذرة مشروع "خريطة تبعيّة الأورام السرطانية" بتقاطع مساريين بحثيين: أحدهما استهدف تقييم تأثيرات عقاقير معروفة على المئات من الخطوط الخلوية السرطانية 9،5-12، أما الآخر، فسعى إلى إحداث اضطراب في كل جين تقريبًا بالمئات من نماذج السرطان13،4،3.

وتذهب تقديراتنا إلى أن تلك الدراسة التجريبية لا تمثّل سوى نسبة بسيطة، يُحتمل أنها تقل عن 10%، من خريطة تبعيّة الأورام السرطانية "الكاملة" المأمولة. ولا يزال في انتظارنا الكثير من العمل.

خريطة هائلة

أيسر خطوة نحو تحقيق هدفنا هي توسعة نطاق التلاعب بالعقاقير وبالجينات المستخدمة في فحوصنا. وعلى سبيل المثال، يمكن لأدوات "كريسبر" لتحرير الجينوم أن تعطّل عمل بعض الجينات، وأن تنشّط أو توقف التعبير عن بعضها، أو حتى أن تتلاعب بالتوليفات الجينية. ويمكن إحداث هذه الاضطرابات الجينية في أنواع كثيرة ومختلفة من الأورام السرطانية والسياقات الخلوية (على سبيل المثال، في وجود خلايا مناعية، وخلايا أخرى غير سرطانية). ويمكن استخدام المجموعات المتوفرة حاليًّا من العقاقير وغيرها من الجزيئات التي تؤدي نشاطًا معينًا مضادًّا لبروتينات معروفة في تثبيط وظيفة هذه البروتينات، أو حتى تعديلها. ومع تطور فهْمنا لبعض فئات المركّبات التي تؤدي بعض الوظائف الأخرى، مثل تعزيز انحلال البروتينات، ينبغي لنا تضمين هذه المركّبات في فحوصنا.

ولعل أصعب تحدٍّ يواجه توسعة جهودنا يتمثل في عدد النماذج السرطانية (أي نماذج خطوط الخلايا السرطانية، ونماذج العضوانيّات السرطانية)، أو هو –بعبارة أخرى– تمثيل كل صور تنوُّع الأورام السرطانية. وقد فحص مشروعنا التجريبي حوالي ألف من الخطوط الخلوية السرطانية، وتضمنت هذه الفحوص بعض "الجينات المحفّزة للأورام السرطانية" التي يوجد كل منها على حدة في أقل من 10% من الأورام (لكنها تشكّل معًا أغلب الطفرات السرطانية). ومن الجدير بالذكر أن الشعوب التي تنحدر من أصول غير أوروبية قل تمثيلها في معظم البيانات المجمّعة عن أنواع الأورام الشائعة. كما قل تمثيل الأورام المقاوِمة للعقاقير والمراحل الأولى من المرض في هذه البيانات. (تبيِّن مشروعات على غرار "تريسر إكس" TracerX كيف تتطور الأورام السرطانية لدى الأفراد على مدار الزمن، ولكنها لا تُظْهِر كيف يمكن علاج الورم في مختلف مراحله). وتُمَثِّل أنواع السرطان النادرة مجتمعةً 25% من جميع أنواعه؛ ومعظمها، بما في ذلك الأنواع التي تصيب الأطفال، إما غير ممثَّل تمامًا، أو يقل تمثيله في النماذج الحالية.

ويتسم نطاق البيانات التي يجب جمعها في هذا السياق بأنه هائل المدى. وقد قاست المرحلة التجريبية من عملية وضع "خريطة تبعيّة الأورام السرطانية" مؤشرات تكاثُر الخلايا السرطانية بشكل رئيس. لذا،  من المتوقع أن تمدّنا القياسات الأخرى بالكثير من المعلومات الإضافية. وعلى سبيل المثال، سيكون من شأن التعرّف على المناطق التي يمكن استهداف علاجها بالعقاقير، والتي تعزّز التشيُّخ -وهي حالة تبقى فيها الخلايا على قيد الحياة، لكنها لا تنقسم- فتح آفاق جديدة أمام أشكال حديثة من العلاجات. ويمكن أن يكشف قياس الكيفية التي يتغير بها التعبير الجيني استجابةً للعقاقير عن توليفات محتملة من هذه العقاقير لعلاجات أكثر فاعلية. وبالإضافة إلى ذلك، يمكن أن تكشف القياسات التي تُجرى على مستوى الخلايا المفردة –مثل فحوص تصوير الخلية14، أو فحوص تحديد التسلسل الجيني لقياس مستويات الحمض النووي الريبي في نقاط زمنية مختلفة– عن اختلافات في استجابات مجموعات الخلايا السرطانية. ويمكِن استخدام هذه المعلومات لاستهداف الخلايا السرطانية غير المقاوِمة للعقاقير.

وتُجرى الآن أبحاث ضرورية من أجل إطلاق فحوص شاملة. فقد جمعت معاهد الصحة الوطنية الأمريكية (NIH) مجموعات مختارة من آلاف المركّبات الشبيهة بالعقاقير والشبيهة بالأدوات الصيدلانية، وطوّر "اتحاد الجينوم البنيوي" Structural Genomics Consortium مسابير كيميائية من أجل استكشاف أهداف علاجية جديدة. كما أخذت جهود على غرار مبادرة "نماذج الأورام السرطانية في البشر" Human Cancer Models في إنشاء بنوك حيوية من خطوط الخلايا السرطانية الجديدة والعضوانيات السرطانية، وغيرها من النماذج التي جرى توصيفها جينيًّا وإكلينيكيًّا، بيد أن مثل هذه الجهود بالغة الأهمية لن تثمر عن وضع "خريطة تبعيّة الأورام السرطانية"؛ فتحقيق هذا المسعى سيتطلب إنشاء عدة مراكز ضخمة لاستحداث البيانات وتحليلها، بالإضافة إلى موارد وتنسيق للجهود.

 

معايير البيانات

يجب أن يتيسر الوصول إلى البيانات التي تقدمها "خريطة تبعيّة الأورام السرطانية"، وأن يسنح تدفق هذه البيانات بسهولة عبر المسارات التحليلية التي ينتهجها العلماء من الأكاديميين والمتخصصين في علم الأدوية، وخبراء الذكاء الاصطناعي، والأطباء الإكلينيكيين.

وسيكون المزج بين مجموعات البيانات المستحدثة في مواقع مختلفة باستخدام تقنيات متنوعة صعبًا –إن لم يكن مستحيلًا– دون تخطيط مسبق متأنٍّ، حيث يجب أخذ الحيطة والحذر، كي تُستغل هذه البيانات على النحو الأمثل، ويتاح دمجها بسهولة في قواعد البيانات، مثل "مشاع البيانات الجينومية" Genomics Data Commons، التابع لمعهد السرطان الوطني الأمريكي، وأداة "سي بيو بورتال" cBioPortal التحليلية، و"دليل الطفرات الجسديّة في السرطان" (COSMIC)، بالإضافة إلى بوابات البيانات الجديدة المخصصة لهذا الغرض. وتجدر الإشارة إلى أنه على مدار العشرين عامًا الماضية، وضعت مجتمعات علمية عديدة معايير "للحد الأدنى من المعلومات" اللازم استيفاؤه لإتاحة تفسير التجارب، وتكرار نتائجها. وقد وُضِع أشهر هذه المعايير، "وهو الحد الأدنى من المعلومات حول تجارب المنظومات الصغرى"، (اختصارًا MIAME)، بحيث يتمكن الباحثون من إجراء مقارنات فعّالة بين تجارب التعبير الجيني في المختبرات المختلفة. وستحتاج "خريطة تبعيّة الأورام السرطانية" إلى معايير شبيهة، من أجل دعم جهود توصيف البيانات، وتحقيق التكامل بينها، وتعزيز قابلية النتائج للتكرار، وعمليات الحوسبة.

التمويلات وجهود التعاون

يُعَد هذا مشروعًا طموحًا، لكنه ليس متعذر التحقيق. ومن الأمثلة السابقة على مشروعات عالمية ضخمة كُلّلت بالنجاح: مشروع "الاتحاد الدولي لدراسة الجينومات السرطانية"، و"أطلس الخلايا البشرية15، وهو مشروع يهدف إلى تصنيف التعبير الجيني، والسلالات الخلوية، ومواقع المئات من أنواع الخلايا. وكانت معاهد الصحة الوطنية الأمريكية، وصندوق "وِيلْكَم ترست" Wellcome Trust أكبر مموّلَيْن لهذين المشروعين الضخمين. كما اضطلعت مبادرة "تشان زوكربيرج" Chan Zuckerberg بتمويل مشروع "أطلس الخلايا البشرية"، وتعاونت ست دول أيضًا على الأقل لدعم "مشروع الجينوم البشري".

والخطوة الأولى نحو المضي قدمًا في هذا المسعى هي جمع قادة الفكر العلمي مع جهات التمويل، من أجل تحديد نطاق البيانات المطلوبة وحجمها بوضوح. وستكون الخطوة التالية هي تشكيل فِرَق عمل معنية بالمعايير، والتقنيات، وإتاحة البيانات، وأنواع السرطان. وستسير هذه الفِرَق على نهج مشروع "أطلس الخلايا البشرية"، فتتولى مختبرات مستقلة قيادة البحوث مع التنسيق فيما بينها على مستوى كل عضو بالجسم البشري. وتضع فِرَق العمل المعايير التي تتيح مشاركة البيانات، وتحقيق التكامل بينها وبين بعضها البعض.

وعلى غرار أطلس الخلايا البشرية، فالبيانات والتقنيات الناجمة عن مشروع "خريطة تبعيّة الأورام السرطانية" من شأنها أن تتيح موارد هائلة للعلوم. وينطبق المثل على فرص بناء شبكات العلاقات وتطوير التقنيات التي ستنشأ تحت لواء هذا المشروع. إنّ مجرد إعداد العُدّة من أجل جمع القياسات التي يتطلبها هذا المشروع سيكون من شأنه تعزيز الابتكار؛ لا سيما في مجالات الميكنة، والتشغيل الآلي، والتصميمات المصغرة، وتقنيات الاستزراع المشترك التي تحاكي الحالات الفيسيولوجية.

صحيحٌ أن التجارب القائمة على الخلايا التي نقترحها ستغفل الكثير من التعقيدات التي تدخل في الخصائص البيولوجية للأورام السرطانية، إلا أن أغلب العقاقير المتوفرة اليوم نَتَج عن فحوص مختبرية. ومع تطوُّر التقنيات، نتوقع أن يمتد نطاق التجارب ليشمل أهدافًا علاجية جديدة، تشمل البيئة المِجهرية للأورام والجهاز المناعي. ويبدو الآن أنه أمكن -إلى حد كبير- التغلب 13،12 على المخاوف المبدئية بشأن قابلية تكرار نتائج التجارب 16، فالدقة التي تتمتع بها تقنيات "كريسبر"، والقدرات الإحصائية التي تتأتى من التجارب واسعة النطاق تعزز بقوة فرص تكرار النتائج.

وتذهب تقديراتنا إلى أن وضع "خريطة تبعيّة الأورام السرطانية" بدقة سيتطلب الالتزام بتخصيص نفقات سنوية، تتراوح من 30 إلى 50 مليون دولار أمريكي على مدار عشر سنوات. (تكلّف مشروع أطلس الجينومات السرطانية التجريبي الذي أطلقته معاهد الصحة الوطنية الأمريكية 100 مليون دولار خلال السنوات الثلاث الأولى منه، واستمرّ لمدة 12 عامًا). وعلى سبيل المقارنة، بلغت ميزانية معهد السرطان الوطني الأمريكي لعام 2020 6.4 مليار دولار، في حين بلغت قيمة الميزانية البحثية لمؤسسة أبحاث السرطان بالمملكة المتحدة عن الفترة ما بين عامي 2019 و2020 511 مليون جنيه إسترليني (694 مليون دولار أمريكي). وينبغي لقطاع الصناعة، والوكالات الحكومية والجهات الخيرية الإسهام في هذا المسعى.

وتجدر الإشارة إلى أنه على مستوى العالم، تُعزى حالة وفاة واحدة من بين كل ست حالات وفاة إلى مرض السرطان. ومع أن الأهداف والمقارَبات العلاجية يُنشر المزيدٌ منها كل يوم، يُتوقع أن تتيح البحوث النظامية المزيد من الاكتشافات بوتيرة أسرع. وعن طريق فحص تأثير آلاف الاضطرابات الجينية والكيميائية في الآلاف من النماذج السرطانية في إطار تجارب مُحكَمة ومنسّقة، ستكشف "خريطة تبعيّة الأورام السرطانية" عن الشبكات الخلوية التي تتسبب في مجموعة كبيرة من الأورام، فضلًا عن إتاحة الوصول إلى بيانات للإجابة عن استعلامات كل باحث، وتمكين الانتفاع بهذه البيانات في مقاربات حوسبية. وعلى النحو نفسه الذي أدى به تحديد التسلسل الجينومي بصورة ممنهجة على نطاق واسع إلى تغيير فهْمنا لمرض السرطان، ستتيح "خريطة تبعية الأورام السرطانية" للباحثين حل ألغاز واكتشاف مسارات بحثية تفضي إلى علاجاتٍ لا يمكن تخيُّلها في الوقت الحالي.

References

  1. Zehir, A. et al. Nature Med. 23, 703–713 (2017). | article
  2. Stockley, T. L. et al. Genome Med. 8, 109 (2016). | article
  3. Tsherniak, A. et al. Cell 170, 564–576 (2017). | article
  4. Behan, F. M. et al. Nature 568, 511–516 (2019). | article
  5. Corsello, S. M. et al. Nature Cancer 1, 235–248 (2020). | article
  6. Weinstein, I. B. & Joe, A. Cancer Res. 68, 3077–3080 (2008). | article
  7. Hong, D. S. et al. N. Engl. J. Med. 383, 1207–1217 (2020). | article
  8. Luo, J., Solimini, N. L. & Elledge, S. J. Cell 136, 823–837 (2009). | article
  9. Garnett, M. J. et al. Nature 483, 570–575 (2012). | article
  10. Iorio, F. et al. Cell 166, 740–754 (2016). | article
  11. Barretina, J. et al. Nature 483, 603–607 (2012). | article
  12. Haverty, P. M. et al. Nature 533, 333–337 (2016). | article
  13. Dempster, J. M. et al. Nature Commun. 10, 5817 (2019). | article
  14. Feldman, D. et al. Cell 179, 787–799 (2019). | article
  15. Rozenblatt-Rosen, O., Stubbington, M. J. T., Regev, A. & Teichmann, S. A. Nature 550, 451–453 (2017). | article
  16. Haibe-Kains, B. et al. Nature 504, 389–393 (2013). | article

جيسي إس. بويم، وتود آر. جولوب، وويليام سي. هان، وجيمس إم. ماكفارلاند، وفرانشيسكا فاسكيز هم قادة مشروع "خريطة تبعيّة الأورام السرطانية" بمعهد برود في مدينة كامبريدج في ماساتشوستس بالولايات المتحدة الأمريكية. وتود آر. جولوب، ووليام سي. هان متخصصان أيضًا في بيولوجيا السرطان من معهد دانا-فاربر لبحوث السرطان في بوسطن في ولاية ماساتشوستس الأمريكية. وماثيو جيه. جارنِت، وديفيد جيه. آدامز، وهايلي إي. فرانسيس، وفرانسيسكو لوريو، وليوبولد بارتس هم قادة مشروع "خريطة تبعيّة الأورام السرطانية" بمعهد وِيلْكَم سانجر في هِنكستون بالمملكة المتحدة. وفرانسيسكو لوريو متخصص أيضًا في علم بيولوجيا السرطان الحاسوبي بمعهد هيومان تكنوبول في ميلان في إيطاليا.

البريد الإلكتروني: boehm@broadinstitute.org ؛ mathew.garnett@sanger.ac.uk