أخبار

الغموضُ يكتنفُ تأثيرَ السلالات الجديدة من فيروس كورونا على العملية التعليمية

الأطفال ليسوا أكثر عُرضةً للإصابة بالفيروس من البالغين، غير أنّ إغلاق المدارس قد تترتَّب عليه تداعياتٌ اجتماعية طويلة الأمد.

دياني لويس
  • Published online:
يدعو العلماء إلى التوسُّع في إجراء فحوص «كوفيد-19» على الأطفال.

يدعو العلماء إلى التوسُّع في إجراء فحوص «كوفيد-19» على الأطفال.

Justin Tallis/AFP via Getty

أدّى ظهور سُلالات فيروس كورونا سريعة الانتشار إلى تسليط الضوء من جديد على دور الأطفال في نَشْر جائحة «كوفيد-19». وكانت البيانات الأوَّلية قد أشارت إلى أن إحدى هذه السلالات الجديدة كانت تنتشر بوتيرةٍ أسرع بين الأطفال، مقارنةً بالبالغين، إلا أن الباحثين باتوا يعتقدون أن هذه السلالة أقدَرُ من غيرها على الانتشار بين جميع الفئات العمرية، ما يُخفِّف من حدة هذه المخاوف.

ورغم انقضاء عامٍ منذ ظهور الجائحة، ما زال العلماء يَجهلون الكثير عن انتشار فيروس كورونا المُسبِّب للمتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة «سارس-كوف-2» بين الأطفال. ومن هنا، انطلقت الدعوات المُطالِبة بتشديد إجراءات الرصد الوبائي، والتوسُّع في إجراء الفحوص، من أجل اتخاذ قرارات مُطَّلعة تخصّ إغلاق المدارس. وفي هذا الصدد، قالت كاثرين بِينيت، اختصاصية علم الأوبئة بجامعة ديكِن في مدينة مِلبورن الأسترالية: "في واقع الأمر، لا زلنا نجهل مدى إسهام المدارس والأطفال في نشر الفيروس".

ويشير كالوم سيمبل، اختصاصي التفشِّي الوبائي بجامعة ليفربول في المملكة المتحدة، إلى أنّ الأطفال ربما يكونون أقلّ عُرضةً من البالغين للإصابة بفيروس «سارس-كوف-2»، وربما يكون السبب في ذلك هو وجود اختلافاتٍ بيولوجية جوهرية بينهما. كما خلُصَتْ دراساتٌ أُجريَتْ خلال العام الماضي في عدة بلدانٍ إلى أن المدارس لم تكن من بين بُؤَر انتقال العدوى، في حال اتباعها الإجراءات الوقائية، مثل المحافَظة على النظافة الشخصية، والالتزام بالتباعد الاجتماعي (انظر: Nature 587,17;2020). ومع ذلك، كثيرًا ما يَصْعُب عَقْد المقارنات بين نتائج البلدان المختلفة، نظرًا إلى التفاوت في تطبيق تلك الإجراءات من بلدٍ إلى آخر.

أمَّا إذا تبيَّن أن السلالات الجديدة تزيد معدلات انتشار العدوى بين الأطفال، فإن ذلك سيتطلب دراسة ديناميَّات انتقال العدوى داخل المدارس من جديد، حسبما تقول بينيت، التي ترى أننا نفتقر إلى بيانات وافية عن حالات الإصابة بالمرض بين الأطفال، حيث تزداد احتمالية إصابتهم بالعدوى، دون ظهور أعراضٍ عليهم، مقارنةً بالبالغين، لا سيَّما أن هناك دولًا لا تُخضِع قاطنيها للفحص، ما لم تظهر عليهم أعراض.

ويحذِّر كثيرٌ من الباحثين من مغبَّة الإقدام على غلق المدارس قبل غيرها من مؤسسات المجتمع، بالنظر إلى الأضرار التي تلحق بالأطفال من جرَّاء توقُّف العملية التعليمية، بينما يذهب فريقٌ آخر من الباحثين إلى أنَّه يتعين على الحكومات اتخاذ الإجراءات المناسبة سريعًا بمجرد أنْ ترصد ارتفاعًا في معدلات انتشار العدوى، ومِن تلك الإجراءات الواجب اتخاذها، إغلاق المدارس. يقول جورج ميلْن، الذي يُشرِف على فريق النماذج الإحصائية الخاصة بجائحة «كوفيد-19» بجامعة ويسترن أستراليا في مدينة بيرث الأسترالية: "من الأفضل اتخاذ إجراءات مشدَّدة مبكرًا، ثم تخفيفها بعد ذلك".

صورة متغيِّرة

في نوفمبر الماضي، رُصدت للمرة الأولى سلالةٌ جديدة من الفيروس في المملكة المتحدة، باتت تُعرف بسلالة "B.1.1.7". وأشارت البيانات التي جُمعت خلال الفترة الممتدة من أواخر نوفمبر إلى منتصف ديسمبر إلى أن نِسَب الإصابة بفيروس كورونا، التي نجمت عن هذه السلالة، وليس السلالات الأخرى، كانت أعلى بين الأطفال، مقارنةً بالفئات العمرية الأخرى. ومن هنا، خرجت الأطروحات القائلة إنّ تلك السلالة كانت أقدر على الانتشار بين الأطفال منها بين البالغين.

ولكن في شهر يناير الماضي، صدَر تقرير عن هيئة الصحة العامة في إنجلترا (PHE)، وهي إحدى المؤسسات الحكومية، انتهى إلى أن السلالة المذكورة التي انتقلت إلى عشرات البلدان أقدرُ على الانتشار بين الأشخاص من جميع الأعمار (انظر: go.nature.com/36avuwi). كما أفاد التقرير نفسه بأن احتمالية انتقال تلك السلالة إلى الغير عن طريق الأطفال، خاصةً أولئك الذين هم دون سن العاشرة، تقترب من نصف احتمالية انتقالها عن طريق البالغين.

يقول ريتشارد ليسِلز، اختصاصي الأمراض المُعدية بجامعة كوازولو-ناتال في مدينة ديربان، إن صورةً مشابهة تتشكَّل الآن لسلالةٍ أخرى سريعة الانتشار، اكتُشفت للمرة الأولى في جنوب أفريقيا، وأُطلق عليها سلالة "501Y.V2". ويضيف ليسلز: "لم يسترعِ انتباهنا شيءٌ من شأنه أنْ يجعلنا نعتقد أن ثمة نتائج مختلفة بين الفئات العمرية الأصغر سنًّا".

ويقول سيمبل إنه إذا كان الأطفال يمثِّلون الآن بالفعل نسبةً أكبر من الإصابات الجديدة بمرض «كوفيد-19» في المملكة المتحدة، مقارنةً بما كان عليه الحال في السابق، فلعلَّ جانبًا من ذلك يرجع إلى أن المدارس ظلت مفتوحةً في نهاية العام المنصرم، في الوقت الذي أغلقت فيه جهاتُ العمل والمحال التجارية أبوابها.

اختلافات بيولوجية

تشير التقديراتُ إلى أن احتمالات تعرُّض الأطفال للإصابة بعدوى فيروس «سارس-كوف-2» تعادل نصف احتمالات إصابة البالغين بها (N. G. Davies et al. Nature Med. 26, 1205-1211; 2020). ويرى بعضُ الباحثين أن اختلاف الخصائص البيولوجية بين الفئتين قد يكون أحد الأسباب التي تُعزى إليها هذه النتيجة. ويعتقد سيمبل أن ذلك ربما يكون راجعًا إلى اختلافاتٍ في عدد المستقبِلات الخلوية ACE2 ومواقعها داخل المجرى التنفُّسي، إذا ما أخذنا في الاعتبار أن الفيروس يستخدم هذه المستقبِلات في الالتصاق بسطح الخلية المضِيفة. ويُعتقد أن أجسام الأطفال تحوي عددًا أقلَّ من تلك المستقبِلات، مقارنةً بالبالغين. ففي حين أنها تنتشر على امتداد المجرى التنفُّسي لدى البالغين، كما أوضح سيمبل، نجد أن وجودها لدى الأطفال قد يقتصر على الجهاز التنفُّسي العلوي. ولعلَّ هذا يُوضِّح السبب الذي يَحُول، فيما يبدو، دون تمكُّن الفيروس من جسم الطفل.

وقد تعرَّف العلماء مؤخرًا على ثلاث سلالات، رُصدت طفرات جينية في بروتينها الشوكي، وهو البروتين الذي يستخدمه الفيروس في الالتصاق بسطح الخلية، مما عزَّز قدرة تلك السلالات على مهاجمة الخلايا التنفُّسية المضيفة، وإصابتها بالعدوى (K. K. Chan et al. Preprint at bioRxiv https://doi.org/frvn; 2020)، غير أنَّ سيمبل يرى أن الأطفال ربما يكونون دائمًا أقلَّ عُرضةً من البالغين للإصابة بالعدوى التي تعتمد على المستقبِل الخلوي ACE2، وإنْ كان هذا الأمر بحاجةٍ إلى تمحيص.

من جهتها، ترى بينيت أنه على ضوء ما نشهده من زيادةٍ في أعداد الإصابات بين الأطفال، نحتاج إلى بيانات أكثر دقة بشأن كيفية انتقال الفيروس من الأطفال إلى الغير، بما في ذلك عدد أكثر المخالطين الذين يَنقِل الطفلُ العدوى إليهم.

ومن ناحية أخرى، يُحذِّر كيم مولهولاند، اختصاصي طب الأطفال بمعهد مُردوخ لأبحاث الأطفال بمدينة مِلبورن، من ردود الأفعال المُتسرِّعة حيال معلومات مُبكرة ومنقوصة تفيد بزيادة معدلات انتشار السلالات الجديدة للفيروس بين الأطفال. فالإقدام على إغلاق المدارس، بما ينطوي عليه من فقدان الطفل الفرصة في التعليم، فضلًا عن احتمالية تعرُّضه للإيذاء، قد تترتَّب عليه عواقب اجتماعية وخيمة، تُؤثر سلبًا على جيلٍ كاملٍ من الأطفال.