افتتاحيات

كيف يمكن للعِلْم أن يصحح سير تنفيذ أهداف التنمية المستدامة؟

عرقلت جائحة "كوفيد-19" أهم خطط الأمم المتحدة للقضاء على الفقر وحماية البيئة. ويتعين على الباحثين أن يتصدوا سريعًا لتلك المشكلة.

  • Published online:
هناك عقباتٌ تهدد تحقيق أهداف الأمم المتحدة لتوفير الوظائف والتعليم للجميع.

هناك عقباتٌ تهدد تحقيق أهداف الأمم المتحدة لتوفير الوظائف والتعليم للجميع. 

Credit: Manish Swarup/AP/Shutterstock

في شهر أكتوبر الماضي، عيَّن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش مجموعةً من الباحثين من أرجاء العالم لتأدية وظيفةٍ مهمة، إذ كلَّف 15 عالمًا بأنْ يمدوا صانعي السياسات بأدلة علمية توضح سير تنفيذ أهداف التنمية المستدامة (SDGs)، وبأن يطرحوا على صناع القرار هؤلاء أفكارَهم بشأنها. 

ففي شهر يناير من العام الماضي، كانت خطة الأمم المتحدة الرئيسة للقضاء على الفقر وتوجيه العالم نحو الاستدامة البيئية بحلول عام 2030 قد حادت بالفعل عن مسارها. ومنذ ذلك الوقت، قوّضت الجائحة معظم الإنجازات التي تحققت على مدار السنوات الخمس التي مرت منذ أن تبنّت دول العالم هذه الأهداف. 

على سبيل المثال، يُقدِّر برنامج الغذاء العالمي (WFP) أنَّ عدد مَن باتوا على شفا مجاعة في الوقت الحالي قد تضاعف، مقارنة بما كان عليه قبل الجائحة ليصل إلى 270 مليون شخص. كما تسبَّبت عمليات إغلاق المدارس -الناجمة عن حالات الإغلاق العام التي فرضتها الدول- في عرقلة واحدٍ من أهداف التنمية المستدامة المعدودة التي اقترب تحقيقها قبل الجائحة، ألا وهو الهدف المتعلق بتعميم التعليم الابتدائي. ففي شهر ديسمبر، قدَّرت منظمة الأمم المتحدة للعلوم والثقافة (اليونسكو) وجود 320 مليون طفل تقريبًا من المتسربين من التعليم، وهو ما يمثل زيادةً قدرها 90 مليون طفل في شهرٍ واحد فقط. 

وذكرت منظمة العمل الدولية أنَّه منذ الأول من إبريل، وحتى الأول من يوليو عام 2020، تسببت حالات الإغلاق العام على مستوى العالم في انخفاض ساعات العمل المتاحة للأفراد بمقدار يكافئ 495 مليون وظيفة دوام كامل. وفي أكتوبر الماضي، توقع صندوق النقد الدولي (IMF) احتمالية أن ينكمش حجم الاقتصاد العالمي بنسبةٍ تزيد على 4% بنهاية عام 2020، وهي نسبة لم نشهد مثلها منذ أجيال. 

وهذا هو الموقف الذي يواجهه الباحثون الذين عهد إليهم جوتيريش بإجراء الدراسات اللازمة، وإعداد التقرير الثاني من سلسلة تقارير الأمم المتحدة للتنمية المستدامة على النطاق العالمي (GSDR)، التي نُشِرَ تقريرها الأول في عام 2019. وقد استُقطِب هؤلاء الباحثون من أنحاء شتى من العالم، وتتنوع تخصصاتهم، فتشمل -على سبيل المثال- تغيُّر المناخ، والإيكولوجيا، والاقتصاد البيئي، والأخلاقيات، والسياسات الصحية، والأمراض المعدية، والمحيطات، وحوكمة المنظمات الدولية، ودراسات العلوم والتنمية. 

ولإعداد هذه الافتتاحية، أجرت دورية Nature مقابلات مع عدد من الباحثين، ومسؤولين حكوميين، ومسؤولين من الأمم المتحدة، ونشطاء من دولٍ منخفضة الدخول، وأخرى عالية الدخول. ونصيحتنا التي نقدمها إلى مَن سيعدّون هذا التقرير وإلى الأمم المتحدة ذات شقين، وتأخذ في حسبانها الجائحة الحالية، والتقدم الذي سار بخطى مترنحة نحو تنفيذ أهداف التنمية المستدامة حتى الآن. أولاً: على واضعي التقرير أن يسرعوا الخطى، ليُنهوه في مدةٍ أقصر من مدة السنوات الثلاث التي أُمهِلوها. وثانيًا: عليهم أن يتواصلوا مع خبراء من خارج شبكاتهم المعتادة في أسرع وقتٍ ممكن خلال مرحلة جمع الأدلة والبراهين، وأن يبحثوا بالأخص عن طرقٍ مبتكرة لإشراك المجتمعات التي لا تحظى بالتمثيل الكافي. 

ففترة السنوات الثلاث المرصودة لإعداد التقرير، التي تمتد من تكليف الباحثين بإعداده، حتى نشره، تُعَدُّ أطول من اللازم في ظل الحاجة المُلحَّة للحصول على المشورة بشأن كيفية تحقيق هذه الأهداف. وإحدى الطرق لاختصار هذه المدة هي أن تلتزم الأمم المتحدة بإصدار تقريرٍ مبدئي قبل نهاية هذا العام. ويمكن حينها نشر هذا التقرير، وجمع الملاحظات عليه من الحكومات، ووكالات الأمم المتحدة، والمنظمات العديدة المشارِكة في تنفيذ أهداف التنمية المستدامة، ثم تُنشَر بعدها مسودةٌ ثانية مُعدَّلة من التقرير تتضمن هذه الملاحظات. 

وإصدار وثيقة التقرير على هذا النحو لن يضمن له فقط أن يجذب الاهتمام، ويخلق حالةً من الزخم، ويحافظ عليهما، بل سيوفر أيضًا وسيلةً لإشراك عددٍ أكبر من الأطراف في إعداده. وعدم استبعاد أيّ طرفٍ من هذه العملية لا يقل أهميةً عن نتيجتها النهائية. ففي جميع أنحاء العالم، تطوعت آلافٌ من المنظمات بوضع خططها الخاصة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتحاوِل حاليًّا تقييم آثار الجائحة على خططها هذه. وتشمل هذه المنظمات كيانات تركز على البحث العلمي والتعليم، وشركات، ومنظمات تابعة للمجتمع المدني. وإصدار تقريرٍ مبدئي مثل هذا سيتيح لتلك المنظمات أن تُدلِي بآرائها. وليس هذا بالأمر العسير، فالجائحة بيَّنت لنا مدى سهولة عقد الاجتماعات مع أناسٍ من كل أنحاء العالم عبر المؤتمرات المرئية.

وسيخضع فريق الباحثين لإشراف إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية التابعة للأمم المتحدة، التي يقع مقرها في مدينة نيويورك الأمريكية، وتتولى مسؤولية متابعة التقدم المحرَز في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وإدارة عملية إصدار التقرير، بيد أنه من الضروري كذلك أن يعمل الفريق عن كثب مع وكالات الأمم المتحدة الأخرى المسؤولة عن أهدافٍ بعينها من أهداف التنمية المستدامة. 

وهذا التعاون بين القائمين على البحث والمعنيين بالتنفيذ بالغ الأهمية. ففي الوقت الراهن، تعمل منظمات الأمم المتحدة، كوكالة إغاثة الأطفال الخيرية المعروفة باسم "اليونيسيف" (UNICEF)، وبرنامج الغذاء العالمي، في ظل وضْع طوارئ. وغالبًا ما يواجه البحث العلمي صعوباتٍ في هذا الوضع، الذي تُرشَّد فيه الميزانيات، وتضطَّر فيه الوكالات إلى تكليف الموظفين بمهام جديدة، تركز أكثر على مواجهة الجائحة في هذه الحالة، بيد أنَّ هذه المنظمات تظل في حاجة إلى إجراء الأبحاث، وإلى أن تكون قادرةً على الاعتماد على مَن لديهم الوقت ليفكروا ويجمعوا الأدلة، وليدرسوا تلك الحقائق والمعلومات، قبل أن يقَدِّموا المشورة إلى كل من زملائهم في الخطوط الأمامية، وصانعي السياسات، والباحثين الذين يتولون أدوارًا أخرى، ويجيبوا عمَّا لديهم من أسئلة.

وإجراء هذه البحوث العملية لن يكون مهمة مُعِدِّي التقرير، لكنْ بإمكانهم أن يساعدوا وكالات الأمم المتحدة ودول العالم على التفكير في كيفية تلبية احتياجاتهما البحثية خلال هذه الجائحة. وعلى الباحثين أن يجربوا استراتيجياتٍ مختلفة لمساعدة الأطفال الذين تفتقر أُسَرهم إلى الهواتف الذكية، والحواسيب المحمولة، وخدمات الإنترنت عالية السرعة. وعليهم كذلك دراسة آثار الجائحة على النظم الصحية. وإضافةً إلى ذلك، بينما تسارع الحكومات إلى إنعاش معدلات النمو الاقتصادي، ثمة قدرٌ هائل من الأبحاث التي يجب إجراؤها لدراسة الآثار الاقتصادية للجائحة، ولتحديد كيف يمكن أن نجعل جهود التعافي الاقتصادي صديقةً للبيئة قدر المستطاع. فأهداف التنمية المستدامة لن تتحقق، ما لم تتمكن الأبحاث من تسليط الضوء على هذه المسائل وغيرها.

وعلى الأمم المتحدة ومستشاريها العلميين، لا سيما المعنيين بأهداف التنمية المستدامة، أن يسرعوا وتيرة عملهم، وأن يُشركوا المجتمعات التي لا تحظى بالتمثيل الكافي. وهي جهود ستتطلب المزيد من الموارد البشرية والمالية. ودون هذه الموارد، لا يُعقَل أن نتوقع من المعنيين بتحقيق أهداف التنمية المستدامة أن يعملوا على نحوٍ مختلف، لكنَّ العمل بالطريقة المعتادة ليس خيارًا مطروحًا، إذ سنحتاج إلى مواصلة إجراء الأبحاث والدراسات، لدعم الإجراءات المتخذة لإنهاء الأزمة الحالية، ولنسلك طريقًا يقودنا إلى تحقيق مزيدٍ من الرفاهية، ويؤدي بنا في نهاية المطاف إلى الرخاء والاستدامة البيئية. وختامًا، لقد كُلِّف المستشارون العلميون للأمم المتحدة بمسؤوليةٍ ثقيلة، تفوق أي ما قد يُوكَل إلى الكثيرين غيرهم. وعلى الجميع أن يبدي الاستعداد للتعاون معهم، ولمساعدتهم على النجاح.